الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / الأساليب اللغوية في القرآن الكريم ودلالاتها وطرق استعمالاتها (7)

الأساليب اللغوية في القرآن الكريم ودلالاتها وطرق استعمالاتها (7)

أسلوب الاستفهام (3 ـ 4)
وثمة تساؤل عن كيفية الاستفهام بـ (هل(: فنقول: إنه يسأل بها عن مضمون الجملة المثبتة، وعند الإثبات نستعمل (نعم)، وعند النفي نستعمل (لا) .
ومن أمثلة ذلك: هل تحسن تلاوة القرآن؟: نعم، وهل تغش في عملك؟: لا.
وهل فقهت سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم)؟: نعم، أو لا، لم أفقه السيرة كاملة.
وثمة بعض الملحوظات حول أسلوب الاستفهام: أن كل أدوات الاستفهام أسماء ما عدا (هل والهمزة) فهما حرفان الأول مبني على السكون، والثاني مبني على الفتح، ولا محل لهما من الإعراب.
ويجاب عن الاستفهام بأدوات نسميها حروف الإجابة، أو حروف الجواب، وهي: نعم، أجل، إي، لا، جيرِ، نحو:(ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق)، كما أنه يمكن حذف حرف الاستفهام، ويبقى معنى الاستفهام موجوداً، وهذا جائز إذا دل عليه دليل، أو كان النبر صاعدا ويشعرُ النطق بذلك، نحو: محمد موجود؟ فتجيب: نعم أو لا. ونحو: زيد نجح؟ فتجيب: نعم، والحمد لله، معك عشرون أم ثلاثون؟ فتجيب: معي ثلاثون.
حججت العام الماضي؟، فترد بفرح: نعم، حججت، والحمد لله.
فالحروف مثل (إن) و(عن) و(فاء) العطف تسمى أحرفًا غير جوابية، أما ما تقدم من نحو: نعم، لا، جَيْرِ، إي، بلى فتسمَّى الأحرف الجوابية.
ولكن ما ذا قال القرآن عن أسلوب الاستفهام؟، وما دلالاته وسياقاته، ومعانيه البلاغية الثانوية المستفادة من السياق، والتي يسميها البلاغيون بالمعاني المجازية؟
وجوابا على ذلك نذكر بعضا من المعاني المجازية للاستفهام، لكن أولا فإن المعنى الحقيقي لأدوات الاستفهام هو طلب العلم بالشيء، أو فهمه، ولكنها قد تخرجُ هذه الأدوات عن معناها الأصليِّ إلى معان مجازية بلاغية، وهذه المعانٍ البلاغية للاستفهام ضمَّها عشرون موضعا أو أكثر، فمن أهمُّها:
إفادة الاستفهام معنى الأمرِ، كما في قوله تعالى:(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (المائدة ـ 91) أي: انتهوا، وانتهوا فعل أمر, وقوله تعالى:(وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ..) (الفرقان ـ 20)، أي: اصْبِرُوا، واصبروا فعل أمر، فقد خرج به الاستفهام عن معناه الأصلي إلى معنى الأمر الثانوي أو السياقي، وفق مفهوم السياق اللغوي المتحدث عنه في الآي الكريمات، ومنه أنه يفيد النهيُ، كما في قوله تعالى بشأنِ الحث على قتال أئمة الكُفر:(أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (التوبة ـ 13)، أي: لا تخشوهم و(لا) تفيد النهي، فالله ينهاهم أن يخشوهم؛ لأنّ الله ناصرهم عليهم، وقوله تعالى:(يا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) (الانفطار 6 ـ 7)، أي: لا تغتَرَّ بربّك، ولا ترتكب هذا الفعل الشائن، ومنه معنى التسويةُ، ويكون في الاستفهام الداخل على جملة يصحُّ حلول المصدر محلّها، أي يمكن أن تصير مفردا بالتأويل، ويأتي بَعْدَها معادلٌ للهمزة. كما في قوله تعالى:(وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (يس ـ 10)، أي: استوى إنذارهُمْ وعَدَمُهُ، تسوي بين ما قبلها وما بعدها، وهناك الاستئناسُ أو الإيناس فقد يقصد المتكلم من الاستفهام أن يؤانِسَ منْ يخاطبه، فيطرح عليه أسئلة لغرض المحادثَة فقط، وليس لأن يسأله فيجيب، مع أنّ المتكلم يعلم جواب أسئلته، كقوله تعالى:(وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسَى، قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) (طه 17 ـ 18)، فالله تعالى يعلم لِمَ حمل العصا معه، ولم تناولها بيده في رحلاته، ولكن يسأله ليؤانسه، ويحمل عنه عبء الخوف منها، فتحصل بها تجربة مخيفة قبل أن يلاقي فرعون ويهدمه، وحتى إذا جربها أمام فرعون لا يضطرب ولا يهتز، وإنما يكون رابطَ الجأشِ، قويَّ القلبِ، ثابتَ الجَنانِ.
، ومنها دلالة التهويلُ والتخويف، كقوله تعالى يخوّف من يوم القيامة وأهْوَالها: (الْحَاقَّةُ مَا الْحَآقَّةُ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ) (الحاقة 1 ـ 3)، فالاستفهام هنا جاء للتخويف والتهويل. وكذلك الحال في قوله تعالى:(الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ) (القارعة 1 ـ 3).
ومن تلك الدلالات السياقية للاستفهام الاستبعادُ، أي: استبعاد المستفهم عنه، والتشكُّك في حدوثه، قوله تعالى:(أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ) (الدخان ـ 13) أي: تَذَكُّرُهُمْ واتِّعاظُهُمْ أَمْرٌ مُسْتَبْعَد، فيه شك كبير، ومنها دلالة التفخيم والتعظيمُ، ويتضح ذلك من قوله تعالى بشأن استعظام المجرمين يوم الدّين كتاب أعمالهم، ذلك الكتاب الذي لم يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلاَّ أحصاها، وأحضرها واضحة للبيان كأنها ترتكب الآن:(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنَا مَالِ هذا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) (الكهف ـ 49)، ومنها كذلك دلالة التحقيرُ، كما في قوله تعالى:(أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ) (الأنبياء ـ 36)، وقوله تعالى:(وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ، من فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ الْمُسْرِفِينَ) بفتح ميم (مَنْ)، ورفع (فرعون) في قراءة ابن عباس، وأما قراءة الجمهور (مِن) بكسر الميم على اعتبارها حرف جر، فلا استفهام فيها، فهو يحقر ويقلل من شأن فرعون، قائلا على سبيل التحقير والقدح والانتقاص ممن خيف منه وادعى الألوهية وراح يعربد، فجاء السياق محقراً شأنه، مقللا من جبروته وصلفه وكبريائه، ومنها دلالة التعجّبُ، كما في قوله تعالى:(وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) (الفرقان ـ 7)، فهم يتعجبون: كيف يكون رسولاً مرسلاً من عند الله، ويعمل ما يعمله البشر من الأكل والشرب والمشي في الأسواق كأنهم راحوا عجباً وكأن الأنبياء لا يجوز عليهم ما يجوز على البشر، وكما في قوله تعالى:(مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ)، فالحق تعالى يستفهم متعجباً على لسان سيدنا سليمان عن عدم رؤيته للهدهد، ويبدو أنه كان هدهداً مسؤولاً عن أمة الهداهد، وأنه كان مسؤولاً عنها بين يدي سيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ ومن ثم جاء تعجبه من عدم وجوده كلَّ صباح يعطيه تقريرا مفصلا عن أمة الهداهد: من غاب منهم، ومن قام بمهامه على خير وجه، ومن تخلف فلم يقم بواجبه، وهكذا .. وللموضوع بقية.

د/ جمال عبد العزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى