الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطاب القرآن للزوجين في رمضان

خطاب القرآن للزوجين في رمضان

أنزل الله تعالى القرآن الكريم على قلب نبيه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) ليخاطب به كل الناس من ذكر وأنثى: (ولَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (الكهف ـ 54)، فهذا الكتاب الكريم استوعب كل الأحكام والمسائل التي تخص حياة الإنسان وكلها وكذلك آخرته وهو بصفته مهيمن على الشرائع السابقة ففيه تتمة للشرائع السابقة وهو دستور عظيم يعنى بكل المسائل التي قد يحتار المسلم ولا يجد لها حلاً أو مخرجاً، كما جاء القرآن مهذباً مربياً للإنسان موضحاً له ما يحل له وما لا يجب، اقترافه فهو الموجه لسلوك المسلم باعتباره خطاب رباني للبشرية عامة وللمسلمين خاصة.
الصوم فرض أوجبه الله تعالى على المسلم العاقل المكلف وهو من الطاعات التي يتقرب بها إلى ربه كما نه ركن من أركان الاسلام .. فقيده بشروط وفرض عليه آداب حتى يكون صيامه مقبولاً، وها هو يخاطب الزوجين ويبين لهما ما لهما وما عليهما من التزامات تجاه هذا الشهر وفي سابق علمه الأزلي سبحانه وتعالى أن الإنسان ضعيف وخطاء وقد يكون متعمداً، فجاء في محكم التنزيل قوله تعالى:(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (البقرة ـ 187)، أباح الله لكم في ليالي شهر رمضان جماعَ نسائكم، هنَّ ستر وحفظ لكم، وأنتم ستر وحفظ لهن، علم الله أنكم كنتم تخونون أنفسكم بمخالفة ما حرَّمه الله عليكم من مجامعة النساء بعد العشاء في ليالي الصيام ـ وكان ذلك في أول الإسلام ـ فتاب الله عليكم ووسَّع لكم في الأمر، فالآن جامعوهن، واطلبوا ما قدَّره الله لكم من الأولاد، وكلوا واشربوا حتى يتبَيَّن ضياء الصباح من سواد الليل، بظهور الفجر الصادق، ثم أتموا الصيام بالإمساك عن المفطرات إلى دخول الليل بغروب الشمس، ولا تجامعوا نساءكم أو تتعاطوا ما يفضي إلى جماعهن إذا كنتم معتكفين في المساجد؛ لأن هذا يفسد الاعتكاف (وهو الإقامة في المسجد مدة معلومة بنيَّة التقرب إلى الله تعالى).
تلك الأحكام التي شرعها الله لكم هي حدوده الفاصلة بين الحلال والحرام، فلا تقربوها حتى لا تقعوا في الحرام بمثل هذا البيان الواضح يبين الله آياته وأحكامه للناس كي يتقوه ويخشَوْه.
كان في أول فرض الصيام، يحرم على المسلمين في الليل بعد النوم الأكل والشرب والجماع، فحصلت المشقة لبعضهم، فخفف الله تعالى عنهم ذلك، وأباح في ليالي الصيام كلها الأكل والشرب والجماع، سواء نام أو لم ينم، لكونهم يختانون أنفسهم بترك بعض ما أمروا به.
(فتاب) الله (عليكم) بأن وسع لكم أمراً كان ـ لولا توسعته ـ موجباً للإثم (وعفا عنكم) ما سلف من التخون، (فالآن) بعد هذه الرخصة والسعة من الله (باشروهن) وطأ وقبلة ولمسا وغير ذلك، (وابتغوا ما كتب الله لكم) أي: انووا في مباشرتكم لزوجاتكم التقرب إلى الله تعالى والمقصود الأعظم من الوطء، وهو حصول الذرية وإعفاف فرجه وفرج زوجته، وحصول مقاصد النكاح.
ومما كتب الله لكم ليلة القدر، الموافقة لليالي صيام رمضان، فلا ينبغي لكم أن تشتغلوا بهذه اللذة عنها وتضيعوها، فاللذة مدركة، وليلة القدر إذا فاتت لم تدرك (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) هذا غاية للأكل والشرب والجماع، وفيه أنه إذا أكل ونحوه شاكاً في طلوع الفجر فلا بأس عليه، وفيه: دليل على استحباب السحور للأمر، وأنه يستحب تأخيره أخذاً من معنى رخصة الله وتسهيله على العباد، وفيه أيضاً دليل على أنه يجوز أن يدركه الفجر وهو جنب من الجماع قبل أن يغتسل، ويصح صيامه، لأن لازم إباحة الجماع إلى طلوع الفجر، أن يدركه الفجر وهو جنب، ولازم الحق حق، (ثم) إذا طلع الفجر (أتموا الصيام) أي: الإمساك عن المفطرات (إلى الليل) وهو غروب الشمس ولما كان إباحة الوطء في ليالي الصيام ليست إباحته عامة لكل أحد، فإن المعتكف لا يحل له ذلك، استثناه بقوله:(ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) أي: وأنتم متصفون بذلك، ودلت الآية على مشروعية الاعتكاف، وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى، وانقطاعاً إليه، وأن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد.
ويستفاد من تعريف المساجد، أنها المساجد المعروفة عندهم، وهي التي تقام فيها الصلوات الخمس، وفيه أن الوطء من مفسدات الاعتكاف، (تلك) المذكورات وهو تحريم الأكل والشرب والجماع ونحوه من المفطرات في الصيام، وتحريم الفطر على غير المعذور وتحريم الوطء على المعتكف ونحو ذلك من المحرمات (حدود الله) التي حدها لعباده، ونهاهم عنها، فقال: (فلا تقربوها) أبلغ من قوله:(فلا تفعلوها) لأن القربان، يشمل النهي عن فعل المحرم بنفسه، والنهي عن وسائله الموصلة إليه.
والعبد مأمور بترك المحرمات، والبعد منها غاية ما يمكنه، وترك كل سبب يدعو إليها، وأما الأوامر فيقول الله فيها:(تلك حدود الله فلا تعتدوها) فينهى عن مجاوزتها،(كذلك) أي: بيَّن (الله) لعباده الأحكام السابقة أتم تبيين، وأوضحها لهم أكمل إيضاح، (يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) فإنهم إذا بان لهم الحق اتبعوه، وإذا تبين لهم الباطل اجتنبوه، فإن الإنسان قد يفعل المحرم على وجه الجهل بأنه محرم، ولو علم تحريمه لم يفعله، فإذا بين الله للناس آياته، لم يبق لهم عذر ولا حجة، فكان ذلك سببا للتقوى.
قوله:(أُحِلَّ لَكُمُ) فيه دلالة على أن هذا الذي أحله الله كان حراماً عليهم، وهكذا كان كما يفيده السبب لنزول الآية، وسيأتي، والرفث: كناية عن الجماع، قال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته، وكذا قال الأزهري، ومنه قول الشاعر:
ويُرَيْنَ من أنْس الحَدِيثِ زَوَانياً
وبهنَّ عَنْ رَفَث الرجالِ نِفَارُ
وقيل: الرفث: أصله قول الفحش، رفث وأرفث: إذا تكلم بالقبيح، وليس هو المراد هنا، وعدّى الرفث بإلى لتضمينه معنى الإمضاء، وجعل النساء لباساً للرجال والرجال لباساً لهنّ لامتزاج كل واحد منهما بالآخر عند الجماع كالامتزاج الذي يكون بين الثوب، ولابسه، قال أبو عبيدة، وغيره: يقال للمرأة لباس، وفراش، وإزار، وقيل: إنما جل كل واحد منهما لباساً للآخر، لأنه يستره عند الجماع، عن أعين الناس.
وقوله:(تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ) أي: تخونونها بالمباشرة في ليالي الصوم، يقال خان، واختان بمعنى، وهما من الخيانة، قال القتيبي: أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء، فلا يؤدي الأمانة فيه، وإنما سماهم خائنين لأنفسهم لأن ضرر ذلك عائد عليهم، وقوله:(فَتَابَ عَلَيْكُمْ) يحتمل معنيين: أحدهما قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم، والآخر التخفيف عنهم بالرخصة، والإباحة كقوله:(عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ) (المزمل ـ 20) يعني: تخفف عنكم ، وكقوله:(فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ الله) (النساء ـ 92) يعني: تخفيفاً، وهكذا قوله:(الضر عَنْكُمْ) يحتمل العفو من الذنب، ويحتمل التوسعة والتسهيل، وقوله:(وابتغوا) قيل:هو الولد، أي:ابتغوا بمباشرة نسائكم حصول ما هو معظم المقصود من النكاح، وهو حصول النسل، وقيل: المراد: ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه، قاله الزجاج وغير، وقيل: ابتغوا الرخصة والتوسعة، وقيل: ابتغوا ما كتب لكم من الإماء والزوجات، وقيل: غير ذلك مما لا يفيده النظم القرآني، ولا دل عليه دليل آخر، وقرأ الحسن البصري:(واتبعوا) بالعين المهملة من الإتباع، وقوله:(حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر) هو: تشبيه بليغ، والمراد هنا بالخيط الأبيض هو: المعترض في الأفق، لا الذي هو كذَنَب السِّرْحان، فإنه الفجر الكذاب، الذي لا يحلّ شيئاً، ولا يحرمه، والمراد بالخيط الأسود: سواد الليل، والتبين: أن يمتاز أحدهما عن الآخر، وذلك لا يكون إلا عند دخول وقت الفجر، وقوله:(ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل) فيه التصريح بأن للصوم غاية هي الليل ، فعند إقبال الليل من المشرق، وإدبار النهار من المغرب يفطر الصائم ، ويحلّ له الأكل والشرب وغيرهما، وقول:(وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد) قيل: المراد: بالمباشرة هنا الجماع، وقيل: تشمل التقبيل، واللمس إذا كانا لشهوة لا إذا كانا لغير شهوة، فهما جائزان كما قاله عطاء والشافعي وابن المنذر .. وغيرهم، وعلى هذا يحتمل ما حكاه ابن عبد البر من الإجماع على أن المعتكف لا يباشر، ولا يقبل، فتكون هذه الحكاية للإجماع مقيدة بأن يكونا لشهوة، والاعتكاف في اللغة: الملازمة، يقال عكف على الشيء إذا لازمه.

موسى بن قسور العامري

إلى الأعلى