الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / .. ورحل علي إبراهيم

.. ورحل علي إبراهيم

أحمد مصطفى

” أحب علي كل من عرفه، وأحب هو الجميع وفي المقدمة عمله. كما أحب وطنه بإخلاص ودون مزايدة، حب موزون بعقل. كانت حساباته الوطنية بسيطة وعميقة في آن، ولم يكن عمله في الإمارات وبعد ذلك في الشرق الأوسط بعيدا عن قناعاته من أهمية هذه البقعة من العالم. كان علي من جيل يرى مصر والسودان واحدا، وعمق وادي النيل في الخليج والهلال الخصيب من ناحية وفي شمال إفريقيا من ناحية أخرى.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع بداية شهر رمضان الكريم، فقدت الصحافة العربية ـ نعم الصحافة العربية ـ واحدا من أمهر وأفضل رجالها: نائب رئيس تحرير الشرق الأوسط علي إبراهيم. كان علي نموذجا من آخر جيل من الصحفيين المصريين المهنيين حقا، ليسوا “إعلاميين” كما يطلق الآن على كل من “هب ودب” بل كان صحفيا حقيقيا برزت مهاراته في كل أماكن عمله من القاهرة إلى دبي إلى لندن. بدأ علي مع وكالة أنباء الشرق الأوسط حين كانت “مطبخ” الأخبار في مصر ثم انتقل إلى دبي لتبرز مهاراته الصحفية وتصقل ويترك بصمة يذكرها كثير من رفاق دربه في تلك الفترة الذين أصبحوا صحفيين كبارا الآن يتولى بعضهم رئاسة تحرير أكثر من صحيفة في الإمارات. كانت “الشرق الأوسط” محطته الأخيرة، وأعطاها من خبرته ومهارته كل ما يمكنه حتى منذ كادت أن تقعده أزمة صحية العام الماضي نجا منها بأعجوبة.
كان علي، لمن يعرفه حقا، مثالا على أن الصحافة في مصر كانت يوما ما مهنة رفيعة، وأن وضعها الحالي إنما يعكس تدهورا عميقا في كل جوانب البلاد وربما العالم. إنه من جيل لم يكتب المقال إلا بعد أن راكم سنوات من الخبرة الصحفية والمعرفة في مجال عمله ولشأن العام تؤهله لأن يضيف شيئا إذا كتب رأيا. ولمن تابع ما كتب عنه من رؤسائه ومرؤسيه في كل مراحل عمله، وكلهم زملاؤه، أو من أصدقائه الذين لم يعملوا معه مباشرة يدرك تقديره لقيمة العمل، وإحساسه بخطورة مهنته. مع ذلك كان علي، رغم مهنيته وخبرته وعمق معرفته، خفيفا في علاقته بالدنيا والناس ـ بمعنى أنك تفتقده بشدة فتجده يتصل بك لكنه لا يثقل في علاقته ـ كانت انسانية خالصة. وكما كان في حياته رحل علي ابراهيم خفيفا دون إثقال، بعد ان أدى مهمته المهنية والانسانية، بتربية أولاده حتى شقوا طريقهم في الحياة. أتذكر من أقواله الساخرة حين داهمته أزمة العام الماضي: “يبدو أن دفعتنا هذه مطلوبة” ـ وهو تعبير يعرفه من تجند في الجيش في مصر، حيث دفعات الخريجين يتم تجنيدها في “دفعة”.
قبل أسابيع قليلة التقيته في الصحيفة في لندن وهو على مقعده المتحرك الذي الزمته به أزمة صحية خطيرة العام الماضي. تحدث علي عن الأخبار والشؤون الجارية أكثر من حديثه عن أزمة صحية جديدة كان ينتظر قرار الأطباء فيها. بعد أيام داهمته الأزمة ثانية، ودخل المستشفى للمرة الأخيرة. نعم، الموت حق ولكل أجل كتاب لكن يبقى الفراق صعبا لأننا في النهاية بشر. وبقدر ما كان علي محبا للحياة، لم يكن يوفر من صحته في عمله، فلم اعرف له يوم إجازة، وفي لقاءاته مع الأصدقاء والأحبة، لم يكن العمل يغيب عن حديثه ونقاشه. وأعترف أنه سيكون من الصعب تصور لندن بدون علي إبراهيم، ورغم أن اسم الإنسان هو من نعمة الله علينا بالنسيان إلا أنه يصعب أن تنسى شخصا مثله. صحيح لن نسأل علي ابراهيم رأيه بعد اليوم في أغلب ما نفكر فيه ونعمله، ولا رأيه في الشؤون الجارية في منطقتنا والعالم. ولن نطالع مقاله كل ثلاثاء، ولن نهاتفه نتحدث فيما كتب ويناقش بصدر رحب فيه محبة وأخوة وفيه عقل وخبرة.
أحب علي كل من عرفه، وأحب هو الجميع وفي المقدمة عمله. كما أحب وطنه بإخلاص ودون مزايدة، حب موزون بعقل. كانت حساباته الوطنية بسيطة وعميقة في آن، ولم يكن عمله في الإمارات وبعد ذلك في الشرق الأوسط بعيدا عن قناعاته من أهمية هذه البقعة من العالم. كان علي من جيل يرى مصر والسودان واحدا، وعمق وادي النيل في الخليج والهلال الخصيب من ناحية وفي شمال إفريقيا من ناحية أخرى. ليس على طريقة القوميين العرب، وإنما بسلاسة استراتيجية. ورغم أنه كان من المقتنعين بأهمية الدولة في مصر وبلدان المنطقة، لكنه لم يكن “درويشا” لأي نظام. الأهم أن قناعات علي السياسية والفكرية لم تكن أبدا تؤثر على مهنيته، وكان بارعا براعة طالما حسدناه عليها في تلك المواءمة. ولأن الإنسان لا يتجزأ، كان علي هكذا في عمله وتفكيره وعلاقاته الإنسانية يجمع بين الأصدقاء من مختلف المشارب والنحل.
وباعتباري صحفيا من مصر والعالم العربي أفتقد فيه بقية قليلة من الصحفيين الحقيقيين، في وقت ازدحمت فيه ساحة الإعلام العربي بكثير ممن لا يصح أن يطلق عليه هذا اللقب. نعم، تسير الحياة ولا تتوقف على شخص أو أشخاص .. لكن ما فقدته برحيل علي كثير، وأظن غيري من أصدقائه وزملائه يشاركونني ذات الشعور.وإذا كانت لا تبقى منا بعد الرحيل سوى الذكرى، فذكراك خالدة ما دمنا نحيا .. رحمة الله عليك ومغفرته لك يا علي.

د.أحمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى