الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / موت “الخَبَر”!

موت “الخَبَر”!

جواد البشيتي

” .. بعد اختراع “المَطْبَعة” ظَهَرَت “الجريدة (الورقية)”؛ ثمَّ ظهر “المذياع”، وكان لهما (“الجريدة” و”المذياع”) سطوة كبيرة على القُرَّاء والمستمعين؛ فإذا جادَلَتَ في صِدْق وصحَّة خَبَرٍ ما، احْتَجُّوا بالقول الآتي: “لقد وَرَد في الجريدة”؛ ونحن نعرف أنَّ “الكلام المطبوع” له تأثيرٌ أقوى في الناس؛ أمَّا “الصورة” الخاصَّة بالخبر، والمنشورة معه في “الجريدة”، فرَفَعَت منسوب الصِّدْقِيَّة في الخبر لدى الناس.”

فيوضٌ من “الأخبار” نسمعها، أو نشاهدها، أو نقرؤها، كل يومٍ؛ ونتناقلها أيضًا، مساهمين، من ثمَّ، في توسيع دائرة انتشارها؛ لكنَّ معضلة عصرنا الإعلامي تَكْمُن في “التمييز”، أيْ في اشتداد صعوبة تمييز ما هو حقيقي منها مِمَّا هو زائف، وما هو صادِق منها مِمَّا هو كاذِب.
“الخَبَرُ” هو ما يُنْقَل ويُحَدَّث به قولًا أو كتابةً؛ وهو “المعلومة إذا أُذِيعَت ونُشِرَت وبُثَّت”، فَغَدَت، من ثمَّ، مُلْكًا لكل مُسْتَمِعٍ أو مشاهِدٍ؛ ومهمَّة الصحافة (والإعلام على وجه العموم) هي الحصول على “المعلومة” قبل أنْ تلبس لبوس “الخبر”، ومن أجل إلباسها هذا اللبوس؛ فـ”المعلومة” لديها القابلية للبيع والشِّراء؛ أمَّا “الخَبَر” فليست لديه.
هل تُصَدِّق ما سَمِعْتَ، أو قَرَأْتَ، أو شاهدتَ، من “الأخبار (التي بعضها على شكل “أفلام”)” الخاصَّة بهذا الأمر، أو بهذه القضية؟
إجابتكَ عن هذا السؤال، ومهما كانت، تَفْتَقِر، وتزداد افتقارًا، إلى كلِّ ما من شأنه جَعْلِكَ قادرًا على تَحرِّي “الحقيقة الموضوعية” في “الخَبَر” الذي يَعْنيكَ؛ وما عليكَ، عندئذٍ، إلاَّ أنْ تَقِفَ من “الخَبَر” موقِفًا “إيمانيًّا”؛ فإمَّا أنْ “تُؤْمِن” بصدقه، بلا أدلة وبراهين، وإمَّا أنْ تَضْرِب صَفْحًا عنه لاعتبارِكَ إيَّاه غير جدير بالتَّصْديق.
قديمًا، وعلى وجه العموم، آمن البشر بصِدْق ما يرونه بعيونهم؛ فَهُمْ بـ”المعاينة” فحسب كانوا يميِّزون الصِّدْق من الكذب في “الأخبار”، بمعناها العام؛ وهذا ما جاء بالنَّصيحة “لا تُصَدِّق إلاَّ ما تراه عيناكَ”؛ فما “يُسْمَع” من “أخبار” لا يُصدَّق إلاَّ بعد، ومن طريق، “المعاينة”؛ لكنَّ “المعاينة الشخصية” تظل ضَيِّقَة الحدود.
ثمَّ جَعَلوا “الثِّقَة بصدق الراوي (أو المُحَدِّث، أو الناقِل)” مقياسًا يقيسون به صِدْق “أخباره”؛ وبعض الرواة حَفِظوا “أخبارهم” في “مخطوطات”؛ فظلُّوا زمنًا أطول مَصْدَرًا لـ”الأخبار”.
وبعد اختراع “المَطْبَعة” ظَهَرَت “الجريدة (الورقية)”؛ ثمَّ ظهر “المذياع”، وكان لهما (“الجريدة” و”المذياع”) سطوة كبيرة على القُرَّاء والمستمعين؛ فإذا جادَلَتَ في صِدْق وصحَّة خَبَرٍ ما، احْتَجُّوا بالقول الآتي: “لقد وَرَد في الجريدة”؛ ونحن نعرف أنَّ “الكلام المطبوع” له تأثيرٌ أقوى في الناس؛ أمَّا “الصورة” الخاصَّة بالخبر، والمنشورة معه في “الجريدة”، فرَفَعَت منسوب الصِّدْقِيَّة في الخبر لدى الناس.
ومع نهاية القرن العشرين، وبداية القرن الحادي والعشرين، اختلط الحابِل بالنَّابِل؛ فإنَّ البَوْن يضيق، في استمرار، بين “الواقع الافتراضي” و”الواقع الحقيقي”؛ فـ”الخَبَر ــ الفِلْم” تشاهده الآن وأنتَ يستبدُّ بكَ الشعور بصعوبة واستعصاء تمييز حقيقته من زيفه. لقد بلغت تكنولوجيا الإعلام، في تطورها وتَقَدُّمها، مبلغها؛ فأصبح في مقدور صُنَّاع “الخَبَر ــ الفِيلْم” أنْ يُتْقِنوا “التزييف (والتَّزوير)” بما يُعْجِزكَ عن كشفه وتمييزه؛ وما أكثر ما نشاهده الآن من هذا النَّمَط من “الأخبار”.
إنَّنا، ومن الوجهة الإعلامية، نعيش الآن في “واقعٍ افتراضي” صِلته بـ”الواقع الفعلي (الحقيقي)” كصلة “النَّقْد المُزوَّر” بـ”النَّقْد الحقيقي”؛ وهذا “التزوير” أصبح من الإتقان بمكان. لقد عُدْنا إلى “المعاينة”، باعتبارها طريقة لتَحرِّي الحقيقة في “الأخبار”؛ لكن مع فَرْق جوهري؛ فَمِنْ قَبْل، كنَّا نُعايِن “الخَبَر” في “واقعه الحقيقي (الموضوعي)”؛ أمَّا الآن فنُعاينه في “واقعه الافتراضي” الذي يَرْتَفِع فيه، في استمرار، منسوب التَّزييف (والتَّزوير) المُتْقَن، والذي يزداد إتقانًا!

إلى الأعلى