الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سوء التغذية السياسية عراقيا

سوء التغذية السياسية عراقيا

عادل سعد

”كيف لا تكون هناك سوء تغذية سياسية عندما يضرب الظن والشكوك سياسيين، ويدفعهم إلى وصفات جاهزة يتلقفونها من هذا الطرف الإقليمي أو ذاك في الجوار العراقي أو من عينات دولية معروفة تضع صالحها فوق أي اعتبار؟ وأي فقر وفاقة سياسية تختصر المشهد العام للعراق في نزعات طائفية ومناطقية واثنية والتطوع المفتوح للنواح والبكاء وتأثيث الخراب؟”

هل نحن أمام صورة ميدانية لسوء تغذية سياسية تضرب العراق الآن؟ قد يبدو السؤال فنتازيًّا، وبالتالي يحتاج إلى إجابة بذات المستوى، ولكن عند مقاربته مع الواقع الذي نعشيه نجد أننا فعلًا أمام سوء تغذية سياسية تستمد حضورها من التعاطي اليومي وتصريف شؤوننا على هذا الأساس، وتعليق المسؤولية في الأخطاء والهفوات والأذى المتعمد ضمن مناقضات ومضاربات عديدة في إطار انتشار ظواهر الأسواق السياسية التي فيها الكثير من البيع والشراء على الرغم من التحذير (لا تكن من أصحاب صفقات ولا تكفل ديون الآخرين لأنك عندما لا تفي سيسحب فراشك من تحتك)، أما كيف تكون المقاربة في ذلك مع تلك الوفرة في المخاضات السياسية غير المسبوقة، فإن الوضع يحتاج إلى قراءة من نوع خاص بدون اعتماد عينات عشوائية للتأسيس على نتائج استبانة في هذا الشأن.
بذات الإقرار الذي قال به الشاعر الفلسطيني محمود درويش إن كل العراقيين شعراء، أقول جازمًا إن كل العراقيين الآن سياسيون ابتداء من بائعة الخضراوات في سوق شعبي إلى أكاديمي عراقي اختارته كتلة سياسية مستشارًا لها رغم أن اختصاصه العلمي بعيدًا عن ذلك، مرورًا بتجار حقائب ومافيات تصريف عملة، ومقاولين ورؤساء عشائر (تورم) جاههم بالانضمام إلى هذا الطرف في السلطة أو ذاك، وطلبة ما زالت أعمارهم بعمر بيضة طازجة وأطباء ومهندسين تخلوا عن اختصاصاتهم وتصدروا المشهد السياسي.
وبالعودة إلى ما قلناه مقدمًا وفي سياقه أرى أن الوفرة السياسية التي تغطي المشهد العراقي لا تعبر عن الامتلاء الحقيقي أصلًا؛ لأن بائعة الخضراوات ترفع سعر الخضراوات التي تبيعها على مقاسات ارتفاع أو انخفاض الدولار الأميركي الذي لا تخلو منه أغلب الجيوب العراقية، ثم بالاستنتاج النهائي ترتفع أسعار الخضراوات تبعًا لاستقرار أو احتدام المشهد السياسي العام على إيقاع الخصومات بين المدافعين عن المحاصصة والرافضين لها، مع العلم أن تلك الخضراوات هي من الإنتاج الزراعي المحلي، ولكن لم تزرع في (المنطقة الخضراء).
كيف لا يكون هناك سوء تغذية سياسية بعيدًا عن محتوى التوصيف
(إن السياسة فن الممكن)، في حين يشرّق ويغرّب سياسيون عراقيون بادعاء أنهم مع الوحدة الوطنية والإنصاف والعدل والنظرة إلى العراقيين على خط شروع واحد (هكذا هي كل التصريحات بأغلفة براقة وإضمار نوايا غامضة) في الوقت الذي لا يتورعون فيه عن ممارسة أرذل المواقف التسقيطية لسياسيين يختلفون معهم في التشخيص وفي الحلول.
أين هؤلاء من رؤية (بسمارك) السياسي الألماني المحنك الذي قال (ليس سياسيًّا من لا يفكر في دعوة خصمه في يوم من الأيام إلى تناول العشاء معه)، في حين أن سياسيين عراقيين يجدون في القطيعة علوًّا لأنفسهم؟ وأين هي السياسة الحقيقية حين يكون الخوف على (زوال الحظوة) كما يقول ابن خلدون صمام التحرك السياسي، وحين يكون الطعن وفساد النوايا محطات سلوكية؟
كيف لا تكون هناك سوء تغذية سياسية عندما يضرب الظن والشكوك سياسيين، ويدفعهم إلى وصفات جاهزة يتلقفونها من هذا الطرف الإقليمي أو ذاك في الجوار العراقي أو من عينات دولية معروفة تضع صالحها فوق أي اعتبار؟ وأي فقر وفاقة سياسية تختصر المشهد العام للعراق في نزعات طائفية ومناطقية واثنية والتطوع المفتوح للنواح والبكاء وتأثيث الخراب؟ نحن إذًا أمام سوء تغذية سياسية لم تؤدِّ إلى (رشاقة) المشهد العراقي، بل إلى بدانة فارغة من الداخل، وهذا هو سر المشكلة العراقية الآن التي لا يمكن معالجتها إلا بإحداث ثقوب إصلاحية تستطيع أن يلتقط العراق من خلالها فرصة التغيير على أسس جديدة تضع في الاعتبار أن الجميع سيغرقون إذا لم يتم ذلك.

إلى الأعلى