الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراكة تنسف حل الدولتين: قراءة تاريخية

شراكة تنسف حل الدولتين: قراءة تاريخية

علي بدوان

”إن المراجع الفلسطينية التي بدأت ومنذ فترة ليست بالقصيرة تتحدث عن انهيار حل الدولتين، وتدعو للقفز عن الحلول المرحلية، كما تفترض العودة لحل الدولة الواحدة هو الطريق الأجدى للوصول إلى حل تاريخي يضمن إقامة دولة موحدة ثنائية القومية على أرض فلسطين التاريخية، يتعايش فيها الجميع بمساواة تامة، وهو حل يتزايد مناصريه داخل المجتمع “الإسرائيلي” أيضًا.”

انفضّت أعمال لقاء باريس التمهيدي يوم الثالث من حزيران/يونيو 2016 الجاري، وهو اللقاء المُلقى على عاتقه التمهيد لإطلاق المبادرة الفرنسية العتيدة التي ذاع صيتها مؤخرًا، وقد باتت في تقديرات البعض وكأنها خشبة الخلاص للخروج مأزق عملية التسوية.
انعقد اللقاء بمشاركة (28) دولة، وصدر بيان عن ختام أعماله، لم يحمل الجديد، بل جاء تكرارًا للمُكرر، وتحت سقف الموقف الأميركي وحتى “الإسرائيلي” بصدد العناوين المتعلقة بعملية التسوية على مسارها الفلسطيني “الإسرائيلي”، حين تجاهل نص البيان الختامي مسألة الاستيطان وتهويد الأرض باعتبارها العقبة الكأداء أمام أي تقدم في مسارات العملية السياسية، عدا عن افتقاد اللقاء وبيانه الختامي لقوة الدفع التي تمكنه من بلورة مسار جدي وآليات عمل لإحياء عملية التسوية الغارقة في موتها السريري.
نجحت واشنطن في ممارسة ضغوطها على مختلف الأطراف المشاركة في اللقاء، وهو ما يفتح الباب أمام حكومة نتنياهو للانفلات بسياستها التوسعية والتهام المزيد من الأراضي الفلسطينية المحتلة لصالح أعمال التهويد، كما نجحت في إعادة استيلاد سياسات المراهنات والارتهان لدى مختلف الأطراف بجدوى العملية السياسية التسووية دون النظر بالأسباب الجوهرية لتوقفها.
كان لافتًا، وقبل انعقاد أعمال مؤتمر باريس بأيامٍ قليلة، مُسارعة أفيجدور ليبرمان إلى تهدئة المخاوف الإقليمية والدولية من تعيينه وزيرًا للأمن وشراكته مع نتنياهو الجديدة، بإعلان قبوله بحل الدولتين، غير أن مُعظم التقديرات، حتى “الإسرائيلية” منها، تذهب للقول بأن تصريحات أفيجدور ليبرمان إياها هي تغيير لفظي ولا تعني تغيير الموقف بل تنسف حل الدولتين. بل واعتبر الكاتب السياسي “الإسرائيلي” بن كسبيت أن تلك التصريحات ليست أكثر من “توفير للبضاعة، ونوع من الاعتراف الغامض على مبادرة السلام العربية”. فيما قال المعلق السياسي لصحيفة (هاآرتس) باراك رابيد أن “لا جديد البتة في كلام نتنياهو وليبرمان”.
وكان نتنياهو وليبرمان، وبعد الشراكة الأخيرة بينهما، قد تحدثا عن المبادرة العربية وحل الدولتين، وضرورة إعادة الزخم لهما. وقد حدث في مراتٍ سابقة أن كرر نتنياهو مثل هذا الكلام من دون أن يعني هذا التكرار أي شيء. حدث هذا في العام 2013، وفي العام 2015، وبتعابير مشابهة.
وعلى الأرجح فإن تكرار نتنياهو للتصريحات عن المبادرة العربية وحل الدولتين بعد الشراكة مع أفيجدور ليبرمان، تأتي لتجنب التحرك الدولي الجاري في ظل المبادرة الفرنسية التي باتت تتصدر الحركة السياسية، فيما دأبت العديد من المراجع الفلسطينية وحتى عند قطاعات “إسرائيلية” تتحدث عن انهيار وسقوط حل الدولتين.
إن المراجع الفلسطينية التي بدأت ومنذ فترة ليست بالقصيرة تتحدث عن انهيار حل الدولتين، وتدعو للقفز عن الحلول المرحلية، كما تفترض العودة لحل الدولة الواحدة هو الطريق الأجدى للوصول إلى حل تاريخي يضمن إقامة دولة موحدة ثنائية القومية على أرض فلسطين التاريخية، يتعايش فيها الجميع بمساواة تامة، وهو حل يتزايد مناصريه داخل المجتمع “الإسرائيلي” أيضًا.
ومن المهم هنا، أن نعود لبعض الوقائع التاريخية، حيث تَعُودُ قصة المرحلية في العمل الوطني الفلسطيني، وبناء الدولة الفلسطينية، إلى نقاشات طويلة طالما احتدمت في مراحل سابقة من عمر المقاومة والحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة. برز فيها ما يتعلق بتحديد الأهداف التكتيكية للكفاح الوطني الفلسطيني والأهداف الاستراتيجية. وتزاحمت النقاشات بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 عندما وقع التحوّل المفصلي الأول، فبدأ الحديث عن إمكانية تحقيق تسوية انطلاقًا من القرار 242، وبناء دولة فلسطينية فوق الأرض المحتلة عام 1967، فكان البرنامج المرحلي الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني بدورته الثانية عشرة التي عُقِدت في القاهرة في أيار/مايو 1974 وعندها انقسمت الساحة الفلسطينية بين تياري جبهة الرفض جبهة القبول. ولكن التحول المفصلي الثاني في الرؤية والنقاشات بشأن مفهوم المرحلية في العمل الفلسطيني بدأ بُعيد الانتفاضة الفلسطينية الأولى، نهاية عام 1987، فتصاعد الجدل الفلسطيني الذي تغذى بانطلاق حركتي حماس والجهاد الإسلامي، اللتين تحمل كلٌّ منهما برنامجًا يدعو لبناء الدولة الفلسطينية على كامل أرض فلسطين التاريخية، انطلاقًا من أن فلسطين (أرض وقف إسلامي لا يحق لأحد، بالتنازل عن شبرٍ منها). وعليه، يمكن القول بأن ثلاثة نماذج تسووية شكّلت ما يمكن أن نُسميه (برنامج) للحل الفلسطيني، وإن بَدَت هذه النماذج مُختلفة في الكثير من التفاصيل إلا أنها تتقاطع أيضًا مع بعضها عبر الرؤية البعيدة التي تنادي بأرض فلسطين التاريخية الكاملة (من البحر إلى النهر، ومن رأس الناقورة إلى رفح) وطنًا أبديًّا للشعب العربي الفلسطيني. والنماذج الثلاثة هي:
“حل الدولة الديمقراطية” العلمانية الموحدة على كامل أرض فلسطين التاريخية. وبرنامج الدولة المستقلة المرحلي، وحل الدولتين في مسار تسوية أوسلو”.
بينما بدأ الحديث عن حل “الدولة الواحدة ثنائية القومية” في السنوات الأخيرة، من قبل بعض المُثقفين الفلسطينيين داخل المناطق المحتلة عام 1948، ومن قبل بعض المثقفين الفلسطينيين في الشتات، ومعهم قطاعات من اليهود من الذين باتوا يُعرفون بــ(المؤرخين الجُدد) ودعاة ما بعد الصهيونية. مُنطلقين من أن الوقائع تَفرض البحث عن حل عادل يَتمثل بدولة موحدة لشعبين (ونحن هنا نتحفظ على كلمة شعبين، حيث لا تنطبق على اليهود في فلسطين كلمة شعب وإلا فنحن نخالف منطق الأشياء).
إن الحديث عن الحل التسووي المطروح في مسار المفاوضات بدأ عمليًّا في سياق التطورات التي أعقبت حرب 1973 حين بدأت فصائل من المقاومة الفلسطينية بتبني مفهوم المرحلية، والدعوة لإقامة دولة مستقلة فوق الأرض المحتلة عام 1967. وفي هذا السياق بدأ يتبلور مفهوم حل الدولتين منذ أواخر 1988، وكانت الانتفاضة الفلسطينية في أوجها، فتم طرح مشروع حل الدولتين على اعمال المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر(دورة إعلان الاستقلال 1989)، وهو أمر تَحفظت عليه بعض فصائل منظمة التحرير الفلسطينية كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولم تصوّت إلى جانبه سوى حركة فتح ومعها الجبهة الديمقراطية وحزب الشعب الفلسطيني (الشيوعي سابقًا)، بينما اتخذت كل من الجبهة الشعبية، وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، وجبهة التحرير الفلسطينية، وجبهة التحرير العربية، موقفًا رافضًا للمشروع، وغابت عن أعمال المجلس كل من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة) التي يتزعمها أحمد جبريل، ومنظمة طلائع حرب التحرير الشعبية (قوات الصاعقة).
وينطلق المُتحفظون على مشروع حل الدولتين من قوى التيار القومي واليساري وحتى من قبل البعض داخل حركة فتح من واقع أن هذا الحل يعني التنازل عن أكثر من (80%) من فلسطين التاريخية، وشطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين، أو قذفه للمجهول بأحسن الأحوال. ومع هذا وذاك، أن كل ما هو مطروح يتصادم عمليًّا مع مشروع التسوية “الإسرائيلية”، حيث لاءات الإجماع الصهيوني، التي تقول لا لحق العودة، ولا لعودة أي لاجئ فلسطيني، ولا للسيادة الفلسطينية على كامل الأرض المحتلة عام 1967، ولا لتفكيك المستعمرات المقامة في الضفة الغربية والقدس الشرقية ..الخ. فهل بقي لعملية التسوية من سكة لتسير عليها، حتى في ظل إعلان باريس والمبادرة الفرنسية العتيدة، فيما غول الاستيطان والتهويد الزاحف يأكل الأخضر واليابس…؟

إلى الأعلى