الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سر السعادة (4)

سر السعادة (4)

يوسف بن ابراهيم السرحني:
على العبد أن يحسن الظن بالله تبارك وتعالى فقد جاء في الحديث:(أن واثلة بن الأسقع دخل على يزيد بن الأسود يريد عيادته، فقال له: كيف ظنك بالله؟ قال: ظني بالله والله حسن، قال: فأبشر، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: قال الله جلَّ وعلا: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيرًا، وإن ظن شرًا، فظنوا بالله تعالى الظن الحسن، وثقوا به سبحانه في المنن والمحن).
فإذا أوصدت الأبواب، ونفدت الأسباب، فباب الله تعالى مفتوح، وهو سبحانه وتعالى مسبب الأسباب، فما على العبد إلا أن يقرع باب الكريم فمن قال: يا رب، أجابه الله تعالى: لبيك يا عبدي، يقول الله تعالى:(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة ـ 186)، ويقول تعالى: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ اللَّـهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) (النمل ـ 62)، ويقول تعالى:(ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس ـ 103)، ويقول تعالى:(وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنبياء 87 ـ 88).
في هذا السياق يقول المحقق الخليلي الشيخ سعيد بن خلفان ـ رحمه الله تعالى ـ في قصيدته (عرّج إلى باب الكريم):
عرج على باب الكريم المفضل
والثم ثراه ساعة وتذلل
فلئن رزقت لدى حماه وقفة
تربت يداك بنيل ما لم تأمل
ولئن نشقت شذا ثراه ساعة
فلك البشارة بالمقام الأطول
ولئن ترى ذاك الجمال هنيهة
فاسحب ذيول التيه فاخرا وارفل
ولئن صددت أو ابتعدت فعد
إلى إرسال دمع كالعقائق مسبل
والهج بأنواع الضراعة وابتهل
مثل الغريق بلجة البحر الملي
إلى أن قال:
وذر الملوك جميعهم واقصد إلى
ذي الملك والملكوت مولاك العلى
فاسأل على أبوابه ما شئته
فنواله ما كُف عن كف خلى
لا تخشى ثمة من تمنع حاجب
فهو الذي أبوابه لم تقفل
يعطيك جائزتين للدنيا
وللأخرى ولم يقتر ولمَّا يقلل
فالمؤمن يكون هادئ النفس، مطمئن القلب، رابط الجأش، واثقًا بربه عند تعرضه للمحن والشدائد، فهؤلاء أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يصفهم ربهم تبارك وتعالى بقوله:(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) (آل عمران 73 ـ 74)، وبقوله تعالى:(وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) (الأحزاب ـ 22).
سر السعادة في سلامة الصدر من الأحقاد والآفات، وفي نقاء القلب من الأمراض والعلل، فالصدر إذا سلِم اتسع وانشرح، والقلب إذا صفا رقَّ وتهلل، فسلامة الصدر راحة وبهجة في الدنيا، ونجاة وفوز في العقبى، ونقاء القلب كمال الإيمان، وصدق اليقين، وحسن التوكل، يقول الله تعالى ممتنًا على نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) بنعمة انشراح الصدر:(ألم نشرح لك صدرك) (سورة الشرح)، ويقول تعالى:(يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّـهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء 88 ـ 89).
ويقول تعالى واصفًا أهل الجنة:(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّـهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (الأعراف ـ 43)، ويقول تعالى:(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) (الحجر ـ 47) .. وللحديث بقية.

إلى الأعلى