الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ـ 11

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ـ 11

موجز الخطبة (الإجمال قبل التفصيل):
من المقدمات الناجحة أن يقدم الخطيب لمستمعيه عرضاً مجملاً لعناصر الخطبة، ثم يشرع في تفاصيل الخطبة. إن هذه المقدمة ستكون مفتاحاً لأذهان المستمعين، ومعيناً لهم على فهم الخطبة ومتابعة أجزائها.
* أمثلة تطبيقية، قال تعالى:(يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون).
* خطبة عن انحراف الناشئة:
يبدأ بعرض مجمل لعناصر الخطبة وهي:(نعمة الأولاد، مسؤولية الوالدين عن تربية أولادهم، من مظاهر انحراف الأولاد، أسباب الانحراف، العلاج)، ثم يشرع في تفصيل الخطبة.
ثانيًا: الموضوع، وهو مقصود الخطبة الأعظم:
وقد يكون من المناسب التصريح به في مبتدأ الخطبة لا سيما إذا كان من قضايا الساعة التي يخوض فيها المجتمع ويتطلع إلى كلامٍ شافٍ فيها.
وقد لا يحسن التصريح به، إما لأنه شائك، أو يوجب انقسام الناس، وفي هذه الحالة ينبغي أن يدخل عليه الخطيب دخولاً متدرجاً، ويتناوله تناولاً غير مباشر، ليأخذ السامعين بتسلسل منطقي فيصل إلى مبتغاه باعتدال.

وموضوع الخطبة عادة ما يبنى على ركنين أساسيين هما: العرض والإيضاح، والاستدلال.
أما العرض والإيضاح: فبذكر الصفات والخواص والمزايا لذات الموضوع، وقد يكون بالاستعارات والتشبيهات وضرب الأمثال، والإجمال ثم التفصيل، وبالصلة والتضاد والتقابل.
وأما الاستدلال: فغالباً يحتاج الموضوع إلى ما يدعمه بالأدلة والحجج والبراهين والشواهد، وهي عادة ما تكون من الكتاب والسنة وأقوال السلف، وإيراد بعض الوقائع والأحداث من باب القياس والاعتبار.
وإذا كان موضوع الخطبة في الإصلاح والتوجيه فعلى الخطيب أن يعلم أنه كالطبيب، فعليه قبل وصف الدواء تشخيص الداء فيتعرف على العلل والأمراض الشائعة، ويشخص الداء ويعرف الأعراض، فإذا استبان له ذلك رجع إلى الكتاب والسنة فوضع الدواء، وكلما دقق التشخيص سهل العلاج.
* أمثلة تطبيقية: يمكن أن يعمد الخطيب إلى المنكرات الفاشية ولا سيما ما كان منها قريب العهد، وحديثه على ألسنة الناس أو ذائعاً في الصحف. ثم يقدم من هذه الوقائع أكبرها ضرراً وأسوأها أثراً، فيجعله محور خطبته وموضوع عظته، ثم يفكر فيما ينشأ عن هذا الحادث أو المنكر من الأضرار الخلقية والاجتماعية والصحية والمالية، ويحصي هذه المضار في نفسه أو بقلمه ثم يستحضر ما جاء فيه من الآيات والأحاديث الصحيحة وآثار السلف، ثم يأخذ في كتابة الموضوع.
إذا أراد الحض على عمل صالح أو مشروع نافع أو الحث على خلق فاضل، فليفكر في مزاياه وآثاره الحسنة تفكيراً عميقاً، وليستحضر ما يناسبه من الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح، ثم يسلك في الكتابة.
* ما الهدف من الخطبة؟
الخطبة رسالة موجهة لها هدف محدد. فعلى الخطيب أن يحدد هدفه من الخطبة، ويُبدئ فيه ويعيد عرضاً وتكراراً عبر أجزاء الخطبة، ويسعى إلى تحقيقه.
وأهداف الخطب كثيرة ومتنوعة، منها: إيضاح أمر غامض، أو تصحيح مفهوم خاطئ، أو حث على فعل معروف، أو ترك منكر، أو إقناع بفكرة معينة.
* وحدة الموضوع:
غالباً ما يفشل الخطاب لأن الخطيب يبدو وكأنه يسعى لإنشاء سجل العالم خلال وقت محدد. فيقفز من نقطة لأخرى بسرعة فيخرج المستمع بلا شيء عن كل شيء، ولهذا ينبغي أن يقتصر الخطيب على موضوع واحد يستوفي عناصره، ويحبـِّر كلماته، ويستوعب معالجته، لأن تشعب المواضيع وتعدد القضايا في المقام الواحد يُشتّت الأذهان، ويُنسي بعضها بعضاً.
* اختيار الألفاظ:
ينبغي أن تكون ألفاظ الخطبة سهلة النطق لا يتعثر اللسان في إبرازها، ولا تتزاحم حروفها فلا تتقارب مخارجها ولا تتباعد، كما ينبغي أن تكون ذات جرس خاص يهز النفس ويثير الشعور، وتكون الجمل ذات مقاطع قصيرة كل جملة في معناها، أما عبارات الخطبة فينبغي أن تتسم بالوضوح والبيان، لتكون سهلة الإدراك من السامعين، وعندما يتحدث الخطيب عن موضوع غريب عن مستمعيه فلا يظن أنه سيثير اهتمامهم بمجموعة من العموميات والألفاظ الطنانة الرنانة؟ هذا غير ممكن لأنه يجب أن يثير اهتمامهم أولاً، والمتابعة ثانياً، والفهم وهو المقصود أخيراً.
إن من البيان سحراً، عن عمار بن ياسر ـ رضي الله عنه ـ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) يَقُولُ:(إِنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِه، فَأَطِيلُوا الصَّلاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا).
* هل المراد بهذا الحديث المدح أو الذم؟
نقل الإمام النووي عن القاضي الخلاف في هذا الحديث، ثم ذكر أن الصحيح المختار أن المراد به المدح لأن الله امتن على عباده بتعليمهم البيان، وشبهه بالسحر لأنه يصرف القلوب ويميلها إليه.
إن من أهم خصائص الأسلوب الخطابي عنصر الشعور والوجدان والإثارة والتشويق الذي يسحر القلوب ويأخذ بالألباب، فعلى الخطيب أن يعتني بالأساليب البلاغية ويختار لكل عبارة قالبها المناسب، وإذا أراد السجع فليختر منه ما ليس بمتكلف، قصير الفقرات، سهل المأخذ، يخف على السمع، ويحرك المشاعر بحسن جرسه، ويرتبط بالسجع رعاية المقاطع والفواصل، واختيار الجمل القصيرة، نظراً لأثرها على المستمع عند الوقوف على آخرها.
* تجنب المصطلحات العلمية الدقيقة:
إذا كنت من ذوي الاختصاصات العلمية ـ عالماً أو طبيباً أو مهندساً ـ فضاعف حذرك حين تتحدث إلى الآخرين، وعبر بألفاظ واضحة مقدماً التفاصيل الضرورية، إنه لعمل جيد أن تختار إنساناً يبدو الأقل ذكاء من بين الجمهور وتحاول أن تثير اهتمامه بنقاشك، وهذا لا يمكن فعله إلا من خلال العبارة السهلة والأسلوب الواضح.
* مراعاة السامعين:
ينبغي للخطيب أن يراعي حال التأدية استعداد السامعين، فينزل في العبارة مع العامة على قدر عقولهم متجنباً الألفاظ اللغوية البعيدة عن مداركهم ويتوسط مع الأوساط، ويتأنق مع الخاصة، فيكون مع جميع الطبقات حكيماً يضع الأشياء في مواضعها، وفي كل حال يتجافى في كلامه عن كل زخرف باطل، وعليه أن يستعين بالشواهد من الحكم النثرية والشعرية، والملح التاريخية في إيصال رسالته إلى أذهان السامعين وإنفاذها في قلوبهم ودفع السآمة والملل عنهم.
* أسلوب الوصف التصويري في عرض القصص أو الحوادث:
هذه مسألة هامة، وهي في الحقيقة جانب من جوانب البلاغة في لغتنا العربية، وسر من أسرار الخطابة المؤثرة، ويكمن هذا السر في التعبير بالفعل المضارع في عرض المشاهد والأحداث عوضاً عن الفعل الماضي، وإن الغرض البلاغي من تصوير المشهد بهذا الأسلوب هو أن يستحضر المخاطب صورته في ذهنه، كأنها ماثلة أمامه، ويشعر أنه يعيش في أجوائه، فيستولي الخطاب على قلبه، ويحرك مشاعره.
أمثلة تطبيقية: تأمل قول الله تعالى على لسان إبراهيم ـ عليه السلام ـ وهو يقص رؤياه على ابنه إسماعيل عليه السلام وكأنها رأي العين:(قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك) .. الآية، وقال عز وجل في تصوير مشهد الأرض وهي تخضرّ بنزول الماء من السماء:(ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فتصبح الأرض مخضرة) .. الآية، وقارن بين هذين الأسلوبين:(في أحد أيام السنة الثالثة والعشرين من الهجرة خرج عمر بن الخطاب إلى المسجد في صلاة الفجر، وكان إذا أقيمت الصلاة سوى الصفوف بقوله استووا، فلما كبر هجم عليه الشقي أبو لؤلؤة المجوسي فطعنه عدة طعنات بسكين ذات حدين) ـ (المكان: مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة.. الزمان: اليوم الأخير من خلافة الفاروق)، يخرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من بيته ليصلي بالناس صلاة الفجر.. يدخل الفاروق المسجد .. تقام الصلاة .. يتقدم عمر ويسوي الصفوف بقوله: استووا .. استووا .. يرفع يديه ويكبر .. فإذا بالشقي أبو لؤلؤة المجوسي يهجم عليه فيطعنه عدة طعنات بسكين ذات حدين).
.. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى