الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من صفات المتقين .. الإنفاق الواجب والمستحب في وجوه الخير

من صفات المتقين .. الإنفاق الواجب والمستحب في وجوه الخير

إعداد محمد عبد الظاهر عبيدو:
في المقال السابق ذكرت لكم أيها القراء الكرام الحديث عن الإنفاق وأنواعه وآدابه ,وفي مقال اليوم نتحدث عن آثار الإنفاق وفوائده وجزاء المنفقين , والإنفاق له آثاره الدنيوية وآثاره الأخروية.
فمن آثاره في الحياة الدنيا، أنه مقتض لإزالة أمراض القلوب عن النفوس، ومقتض لاتصاف الإنسان بالفلاح لقول الله تعالى في وصف الأنصار:(والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) (سورة الحشر).
وكذلك من آثاره الدنيوية على الإنسان أنه سبب لنزول البركة في عمره وفي ماله فالصدقة وصلة الرحم كلاهما مدعاة لطول العمر ولتجنب الإنسان لموت الفجأة ولميتة السوء، وكلاهما سبب لأن ينسأ له في أثره ولأن يوسع عليه في رزقه، فما من يوم من أيام الدنيا إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: وأعط ممسكاً تلفاً، وكذلك ينادي منادي الله تعالى في كل يوم:(يا ابن آدم أنفق أنفق عليك)، والله سبحانه وتعالى تعهد بالخلف للمنفقين فقال تعالى:(وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين) (سورة سبأ).
وكذلك فإن من آثار الإنفاق ومحامده الدنيوية أنه أيضا مما يتمدح به ومن الأوصاف الحميدة، فالكريم ممدوح على كل لسان، بخلاف البخيل فهو مبغوض حتى لدى من كان بخيلا مثله، فالبخيل يبغضه جميع الناس حتى البخلاء يبغضونه ويذمونه ببخله.
ومن آثار الإنفاق الأخروية أنه ظل يستظل به الإنسان، فالإنسان يوم القيامة يستظل بظل صدقته فمن مستقل أو مستكثر، وقد ذكر الأعشى حين حضر خطبة النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الآخرة وأهوالها فقال:
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى
ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله
فترصد للموت الذي كان أرصدا
والإنفاق كذلك مدعاة للسلامة من أهوال يوم القيامة، فالمتصدقون الذين يكثرون الصدقة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وبالأخص من أخفاها منهم حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، والإنفاق كذلك سبب لعلو المنازل في الجنة، ولذلك قال الله تعالى:(إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم) (سورة الحديد).
والإنفاق له فوائد اجتماعية كبرى، فإن إنفاق الأغنياء على الفقراء يمنع حصول الانحراف في كثير من المجالات، فتفشي السرقة والنهب وكذلك تفشي المسألة في الشوارع، وكذلك تفشي الضياع وتفكك الأسر كله بسبب بخل البخلاء وعدم قيامهم بما عليهم من الحقوق، فإذا أنفقوا فإن حاجة الفقراء ستسد، وحينئذ يكون ذلك صوناً لوجوه مبتذلة، ويكون صونا كذلك لبيوت عرضة للتفكك، ويكون صونا للإنسان عن الخداع والاستدانة بالديون التي لا يستطيع قضاءها، أو عن السرقة أو عن نهب المال العام، فهذه من فوائد هذا الإنفاق الاجتماعية.
وكذلك من فوائده الخلقية أن فيه تهذيباً للنفوس وتطهيراً لها من أدران الدنيا وأوساخها، فالإنسان الذي يجمع الدنيا كأنما يوقد نارا كلما ازداد حطبها ازداد لهبها، وإذا أحس بأن الدنيا أصبحت مستغلة له ولم يعد هو مستغلاً لها، فلا بد حينئذ أن يستشعر الخطر الداهم الذي يواجهه، وكثير من الأغنياء لا يتذكر ذلك، بل كثير من الأغنياء هم مشغولون بتنمية أموالهم الليل والنهار، فلا يجدون راحة ولا طمأنينة، ولا يتمتعون بشيء من متع الحياة الدنيا لانشغالهم عنها، وإذا أراد الله تعالى انتزاع البركة من مال سلط صاحبه على أن يستغل كل وقته في تنميته وجمعه من غير حله ووضعه في غير محله، فيصاب هو بالأمراض التي تمنعه أن يأكل ما يشتهيه وتمنعه كذلك من اتباع شهوته، فلا ينتفع بشيء من ذلك لا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة، بل يكون وبالا عليه، فهو ثقيل في الميزان وويل لأصحاب المئين، والنبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر عندما ذهب معه فرأى أحدا بين يديه قال: أترى أحدا، قال: أجل يا رسول الله، قال: ما يسرني أن لي مثله ذهبا يمكث عندي ثلاثا لم أفعل به هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله وبين يديه إلا دينارا أدخره لقضاء دين أو نفقة أهل أو أجرة عامل.
من ثمرات الإنفاق المشروع وجزاء أهله:
1 ـ دخول الجنة، يقول تعالى:(وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ((سورة آل عمران).
2ـ الوقاية من النار وتكفير السيئات، روى الشيخان أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(اتقوا النار ولو بشق تمرة)، ويقول (صلى الله عليه وسلم):(الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) ـ رواه الترمذي وغيره.
3 ـ تكثير الحسنات ومضاعفة الأجور أضعافاً مضاعفة، يقول تعالى:(مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثلِ حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كل سنبلةٍ مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) (سورة البقرة)، ويقول سبحانه:(وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضاً حسناً وما تقدموا لأنفسكم من خيرٍ تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ((سورة المزمل)، في الإنفاق طهرة للمنفق وتزكية لقلبه وتنمية للمال وسلامة له من الآفات، يقول سبحانه وتعالى:(خذ من أموالهم صدقة تظهرهم وتزكيهم بها) (سورة التوبة).

- إمام وخطيب جامع محمد الأمين

إلى الأعلى