الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: تكـريـم الله للإنسان (94)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: تكـريـم الله للإنسان (94)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد: فـلا زال الحـديث مـوصولاً عـن مـوضـوع مـن مـواقـف الـرجـال:
ـ مـرّ أمـير المـؤمنـين عـمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عـنه ـ بأولادٍ يـلعـبـون، وفـيهـم عـبـدالله بن الـزبـير، فـلـمـا رأى الأولاد أمـير المـؤمنـين عــمـر قــادماً فـروا وبقي عـبـد الله بن الــزبـير في مكانه، فـقـال له أمـير المـؤمنـين: كـيف لـم تـفـر مع أصحابـك؟.
قال عـبـد الله بن الـزبـير: يا أمـير الـمـؤمنين لـم تكـن الطـريـق ضـيقـة فأوسـع لك ولـم أجـترم ذنبـاً فأخـافـك عـليه، إنها الشجاعـة والثقـة بالنفـس، أين شـبابنـا الــيـوم الـذيـن انسـلخـوا مـن دينهـم وأخـلاقـهـم وقـيمهـم، وصـاروا امـعة يهـرعــون وراء كـل ناعـق أين الشـجعـة وأين الإ بـاه؟.
كان رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) أفــصح العـرب لساناً، وأوضحهـم بياناً، أعـطـاه الله جـوامـع الكـلـم، فأحـبه العـرب والعـجـم، لأن الله أرسـله رحـمة للعـالـمين وسـراجـاً للمـهـتـديـن وبشيراً للمؤمـنين ونـذيراً للـكافـرين.
ـ روي أن مـروان بن الحـكـم قـال لحـويـطــب بن عـبـد العــزى، وكان كـبيراً مُـسّناً: أيهـا الشـيـخ لـقـد تأخـر إسـلامـك حـتى ســبـقـك الأحـداث، فـقـال حـويـطـب: الله الـمستعـان، والله لقــد هـممت بالإسـلام غــير مـرة، كل ذلك يـعـوقـني عـنه أبـوك وينهاني ويقـول: يضـع مـن قــدرك وتـترك ديـن آبائـك لـدين محـدث، وتصير تابعـاً فـذلـك الـذي أخّـر إسـلامي.
ـ وقال عـبـد الـمـلك بن مـروان لـثابـت بن عـبـد الله بن الـزبـير: أبـوك كان أعـلـم بـك حيـث كان يشـتـمـك، قال: يا أمـير الـمـؤمنيـن: إنما كان يشـتـمني لأني كـنـت أنهـاه أن يقـاتـل بأهـل الـمـدينة وأهـل مكـة، فـإن الله لا ينـصر بهـما أحـداً، أما أهـل مـكة فأخـرجـوا النبي (صلى الله عـلـيه وسـلـم) وأخـافـوه، ثـم جـاء إلى المـدينة فآذوه حتى سـيرهـم.
ـ وكان ثابت بن عـبـد الله بن الـزبـير يعـرض بالحـكـم بن أبي العـاص طـريـد رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم)، وأما أهـل الـمـدينة فـخـذلـوا عـثـمان بن عـفـان حتى قــتـل بين أظهـرهـم ولـم يـدفـعـوا عـنه، فـال لـه عـبـد الـمـلك بن مـروان: عـلـيـك لعـنة الله.
ـ دخـل قـوم مـن الأنصار عـلى مـعـاوية بن أبي سـفـيان يـوما مـن الأيام فـذكـروا وصية الـرسـول (صلى الله عـلـيه وسـلـم) في قـوله:(اسـتـوصـوا بالأنصـار خـيراً)، فـرد معـاوية بقـوله: يا معـشـر الأنصار لـم تطـلـبـون ما عـنـدي، فـو الله لقـد كـنـتـم قـليـلا ً معي، كـثـيراً مع عـلي بن أبي طـالـب، ولـقـد فـلـلـتم حـدي يـوم صـفـين، حتى رأيـت المنايا تـتـلـظى مـن أسـنتـكـم، ولـقـد هـجـرتـمـوني بأشـد مـن وخـز الأســل، حتى إذا أقـام الله منا ما حـاولـتـم ميله، قـلـتـم أرع فـينا وصية رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) هـيهـات، هـيهات أبى الحـقـين الـعــذرة.
فأجابه قـيـس بن سـعـد بن عـبادة الأنصـاري الخـزرجي قال: أما قـولـك جـئناك نطـلـب ما عـنـدك، فـبالإسـلام الـكـافي به الله، لا بما تـمـت به إلـيـك الأحـزاب، وأما اسـتـقـامة الأمـر فعـلى كـره مـنا كان، وأما قـولك فـللـنا حـدك يـوم صـفـين، فامـر لا نعـتـذر مـنه، وأما عـداوتـنا لـك فـلـو شـئت كـفـفـتها عـنـك، وأما هـجـاؤنا إياك فـقـول يثـبت حـقـه ويـزول باطـله.
وأما وصـية رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) فـمـن يـؤمـن به يحـفـظـها مـن بعـده، وأما قـولـك:(يأبى الحـقـين العـذرة) فـليـس دون الله تحـجـزك مـنا، فـدونـك أمـرك يا معـاوية، لله قـوم عـرفـوا الـحـق فـتمسـكـوا به، ولـم تأخـذهـم في الله لـومـة لائـم، هـكـذا يجـب أن يكـون المـؤمـن شـجـاعـاً جـريئـاً مـقـاماً مـرجـاماً.
وأعـلم أن أعـظـم الشـدائـد التي تـنزل بالعـبـد في الـدنيا (الـمـوت)، وما يعـده أشـد مـنه، فـمـن ذكـر الله في حال صحـته ورخائـه، واسـتعـد للـقـائه بالـمـوت وما بـعـده، ذكـره الله عـنـد هـذه الشـدائـد، فـكان سعـيه فـيها مشكـوراً وعـمله مـقـبـولاً مأجـوراً، ولـطـف به وتـولاه وثـبـته وأعـانه عـلى الـتـوحـيـد، ولـقـيه وهـو عـنه راض، ومـن نسي الله في حـال صحـته ورخائه ولـم يسـتعـد لـلـقـائه، نسـيه الله في هـذه الشـدائـد، نسـوا الله فـنسيهـم، بمعـنى أن أعـرض عـنه وأهـمله.
فإذا نـزل الـمـوت بالـمـؤمـن الـمـسـتعـد لـه وأحـسن الظـن بـربه، جاءته البشـرى مـن الله، وأحـب لـقـاء الله أحـب الله لـقـاءه، ومـن كـره لـقـاء الله لمخـالـفـته أمـره، وتـمـرده عـلى أوامـر، كـره الله لـقـاءه، قال الله تعـالى:(لهم الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (يـونـس ـ 64).
وقال تعـالى:(وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ، سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (الـرعـد 22 ـ 24).
والـفاجـر العاصي بعـكـس ذلـك ، فحـين يفـرح الـمـؤمـن ويستبشـر بما وفقـه الله وقـدمه، مما هـو قادم عـليه، وتكـون حالة الفاجـر، حالة يأس ونـدم وما بعـده أشـد مما كان فـيه، نـعـوذ بالله مـن خـير بعـده شـر، إذ لا خـير في خـير بـعـده الـنار، ولا شـر في شــر بعـده الجـنـة.
مـن مـواقـف الشجـعـان:
كان يـزيـد بن المهـلـب بن أبي صـفـرة، قـد ولي خـراسـان لسليمان ابن عـبـد الملك وكان معـروفا بالشـجاعـة والكـرم التي تصـل درجـة المغـامـرة، إلا أن أكـثـر صـفاته المحـمـودة لـدى الناس كانـت الكـرم، إذ كان يجـود بما يضـن به الـكـثيرون ولـم يكـن أهـون مـن بـذل الـمال عـنـده للـمـحـتاجــين.
وحـدث أن حـج يـزيـد ذات مـرة، وبعـد أن أتـم السعي طـلب حلاقـاً، يحـلـق لـه رأسه فـجـاءوه بحـلاق عـرفـه، فاهـتم به اهـتماماً زائـداً، وعـنـدما فـرغ مـن حـلاقـته أمـر لـه يـزيـد بخـمسة آلاف درهـم.
لـم يصـدق الحـلاق ما سـمع، فـتحـير ودهـش، ولـم يـدر ما يقـول، فـهـذا الـمبـلغ مما لـم يحـلـم به يـوماً مـن الأيام، ولا يمكـن أن يحـصـل عـليه في عـــدة مـن سـنـوات العـمـل، فـقال: الله أكـبر، سآخـذ هـذا الـمال إلى أم فـلان (زوجـته) فـقـال الحـلاق: امـرأتي طالـق إن حـلـقـت رأس أحـد بعـدك أيها الأمـير.
ويـحـكى أن الأصمعي دخـل يـوما عـلى أمـير الـمـؤمـنين هـارون الـرشـيـد بعـد غـيبة كانت منه، فـقـال يا اصمعي: كـيـف كـنـت بعـدي؟ قال الأصمعي: ما لا قـتـني أرض فـتبسم أمـير الـمـؤمـنـين هـارون الـرشـيـد ، فـلـما خـرج الناس، قال يا أصمعي: ما معـنى قـولـك:(ما لاقـتـني أرض)؟ قال: ما اسـتـقـرت بي أرض، كـما يقال: فـلان لا يسـتـقـر معـه شيء.
فـقال الـرشـيـد: هـذا حـسن، ولـكـن لا ينبغي أن تكلـمني بين الناس بما لا أفـهـمه ،فإذا خـلـوت فـعـلمني، فإنه يقـبح بالسلطان أن لا يكـون عـالـمـاً، إما أن أسـكـت فـيعـلـم الناس أني لا أفـهـم إذا لـم أجـب، وإما أن أجــيـب بغـير الجـواب فـيـعـلـم مـن حـولي أني لا أفـهـم ما قـلت، قال ألأصمعي: فـعـلـمني الـرشـيـد يـومها أكـثر مما عـلـمـته.
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى