الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / جنوب السودان يحتاج الحقيقة وليس المحاكمات
جنوب السودان يحتاج الحقيقة وليس المحاكمات

جنوب السودان يحتاج الحقيقة وليس المحاكمات

لقد عزمنا على إنشاء مفوضية وطنية للحقيقة والمصالحة على غرار ما حدث في جنوب إفريقيا وأيرلندا الشمالية. وسوف يكون لتلك المفوضية صلاحيات واسعة في التحقيق واستجواب الأشخاص من جنوب السودان ـ من أفقر مزارع إلى أقوى سياسي ـ لجمع بيانات حقيقية عن الأحداث خلال الحرب.

إن بناء دولة ليس بالأمر السهل. ونحن ندرك ذلك لأن هذا عملنا.
لقد حاربنا مع بعض في يوم ما كأشقاء لتحقيق استقلال جنوب السودان عن الشمال. وعندما ولدت بلدنا في 2011، كنا مفعمين بالأمل. واعتقدنا أننا يمكن أن نمضي قدما كدولة واحدة. ومع ذلك فقد أدركنا عندئذ أن ما ربط شعبنا في نضاله من أجل الحرية كان النضال ذاته؛ وأن ما جمعنا في الحرب لم يكن من السهل أن يستمر في السلام.
فقد انزلق جنوب السودان إلى صراع استمر لأكثر من عامين. وبنهايته، كان عشرات الآلاف من الأشخاص قد قتلوا وتم تشريد أكثر من مليون ونصف المليون. ونحن ملتزمون بضمان عدم انزلاق بلدنا مرة أخرى إلى حرب أهلية.
وبعد التوقيع على اتفاقية السلام في أغسطس 2015، رجعنا إلى بعضنا كإخوة مرة أخرى في الحكومة، كرئيس ونائب للرئيس. وحتى مع خلافاتنا ـ وفي الواقع بسببها ـ فقد عزمنا على المصالحة بين مجموعاتنا وخلق وحدة.
غير أن دمج جنوب السودان يمكن أن يتحقق فقط عبر طريق واحد وهو سلام منظم وعملية مصالحة بدعم دولي. في مثل هذه العملية، فإن كل واحد في جنوب السودان يمكن أن ينخرط في عملية تذكير عبر الحوار ومن خلال ذلك يتم تأكيد حقيقة ما حدث خلال حربنا الأهلية الدموية.
لقد عزمنا على إنشاء مفوضية وطنية للحقيقة والمصالحة على غرار ما حدث في جنوب إفريقيا وأيرلندا الشمالية. وسوف يكون لتلك المفوضية صلاحيات واسعة في التحقيق واستجواب الأشخاص من جنوب السودان ـ من أفقر مزارع إلى أقوى سياسي ـ لجمع بيانات حقيقية عن الأحداث خلال الحرب. وأولئك الذين يقولون الحقيقة بشأن ما رأوه أو ما فعلوه سوف يتم منحهم عفوا من المقاضاة ـ حتى لو لم يعلنوا عن ندمهم. والغرض من تلك العملية ليس بحثا عن العفو والصفح، بل لإعداد شعب جنوب السودان للمهمة الأساسية وهي بناء دولة بجانب أولئك الذين ارتكبوا جرائم بحقهم وبحق عائلاتهم وقبائلهم.
ندرك أن ذلك المسار ليس سهلا، لكنه سيعمل أحسن من غيره في ضمان استمرار السلام. كما يمكن أيضا أن يقلص خطر أن يدرك طرف أنه قبل بتسوية مذلة أو أنه كان لديه مسئولية أكبر من الآخر في الأحداث التي وقعت.
ونقيضا للمصالحة، فإن العدالة التأديبية ـ حتى لو أنجزت بموجب القانون الدولي ـ يمكن أن تقوض جهود توحيد بلدنا من خلال إبقاء جذوة الغضب والكراهية بين شعب جنوب السودان.
وهذا هو السبب في أننا نطالب المجتمع الدولي والولايات المتحدة وبريطانيا بشكل خاص، بإعادة النظر في أحد عناصر اتفاقية السلام والذين شاركوا في التوقيع عليها وهو دعم محاكمة دولية مخططة أو المحكمة الهجينة لجنوب السودان. فنحن نطالبهم بدلا من ذلك الالتزام بالتأييد الدولي للسلام الذي تم التوسط لتحقيقه وعملية الحقيقة والمصالحة.
ويتعين على المجتمع الدولي أن يأخذ بعين الاعتبار الوضع الحالي للدولة. فقد خلفت سنوات الحرب جنوب السودان بواحد من أعلى مستويات الإنفاق العسكري مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي في العالم. والجيش وخصومه السابقين بحاجة الآن إلى الاندماج. ومع مرور الوقت، سوف يتعين إخراج عشرات الآلاف من الجنود من الخدمة العسكرية وإدراجهم في الحياة المدنية.
ونحن نخشى أن تتعرض هذه المهمة للخطر حال وجد أفراد من القوات التي كانت معارضة أنفسهم مستهدفين بإجراء قانوني. فمن السهل أن ترى كيف يمكن أن يفضل البعض الذين لا يعرفون شيئا سوى الحرب العودة إلى ساحة الحرب عن المثول أمام محكمة في بلد أجنبي.
وفي الوقت الذي ننهج فيه هذا الطريق فإننا نعي العواقب. فنحن نعرف أنه قد يعني أن بعضا من أبناء جنوب السودان المذنبين بارتكاب جرائم قد ينخرطون في الحكومة، وأنهم يمكن ألا يواجهوا العدالة في ساحة المحكمة على الإطلاق. ومع ذلك، فإن هناك سوابق حديثة تظهر أن هذا الطريق هو الضمانة المؤكدة بشكل أكبر للاستقرار. ففي أيرلندا الشمالية، دفعت عملية السلام الأعداء الألداء إلى الجلوس معا على مائدة المفاوضات في ظل تعهد بالإعفاء القانوني ثم بمناصب عليا. والآن فإن البلد يتمتع بسلام مضمون. ونفس الشيء ممكن في جنوب السودان.
إننا لا نرغب في العفو عما حدث خلال صراعنا الأهلي. بل في الواقع فإن استذكار الكارثة التي وقعت خلال تلك الأشهر المروعة يتعين أن يبقى في ذاكرتنا بوصف ذلك تحذيرا وانذارا.
لم يكسب أي طرف حربنا. لكن كلا الجانبين معا يتعين عليه كسب السلام. وهذا هو المهم. وفي هذا المسعى، يوجد المبرر في أن أي شيء يمكن أن يقسم بلدنا فأن يكون ضد مصلحة شعبنا.

سلفاكير ورياك مشار رئيس ونائب رئيس جمهورية جنوب السودان، خدمة نيويورك تايمز خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى