الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / الحركة الإسلامية الجزائرية: شيءٌ من التاريخ لفهم المستقبل
الحركة الإسلامية الجزائرية:  شيءٌ من التاريخ لفهم المستقبل

الحركة الإسلامية الجزائرية: شيءٌ من التاريخ لفهم المستقبل

مقدمة:
أضحت الحركات الإسلامية الظاهرة البارزة على المسرح السياسي فى بعض الأقطار العربية، ثمة جانب هام في هذه الحركات لم يحظ باهتمام كاف ألا وهو التنوع والتباين بين فصائل الحركة الإسلامية وعلاقاتها ببعضها البعض من ناحية، وبفصائل الحركة الإسلامية فى الأقطار الأخرى.
ــــــــــــ
دخلت الجزائر في الإسلام عام 647م ، بعدها شهدت المنطقة قيام عديد من السلطنات والدول الإسلامية مثل الدولة الفاطمية، ودولة المرابطين 1056- 1147م، ثم دولة الموحدين 1138- 1269م. واحتل العثمانيون الجزائر في العام 1516م بعد معركة دابق مع مصر، وبعدها دخلها الفرنسيون في1830م. كان الاستعمار الفرنسي للجزائر استيطانيا سعى لإدماج المجتمع الجزائري في المجتمع الفرنسي بالكامل واعتبرت الجزائر جزءاً من فرنسا حيث أعلن الدستور الفرنسي لعام 1848م أن ولايات الجزائر الثلاث ولايات فرنسية. كما أصدرت فرنسا في عام 1881م قانون التبعية الأهلية الذي منح الإداريين الفرنسيين صلاحيات واسعة لفرض سيطرتهم على الشعب الجزائري ومواصلة سياسة الإدماج من خلال محاربة المؤسسات الإسلامية كالقضاء الشرعي والتعليم الديني مع خلق طبقة إسلامية رسمية مدعومة من السلطة الغازية للإشراف على العبادة في المساجد. لم يقف الجزائريون مكتوفي الأيدي حيال ما جرى بهم وببلادهم ولكنهم انخرطوا في حركة مقاومة شرسة انطلقت منذ عام 1881م بصورة مقاومات متقطعة ومتجددة حتى بلغت قمتها باندلاع الثورة الجزائرية المسلحة عام 1954م والتي امتدت لسبعة أعوام ونصف وانتهت بخروج المستعمر الفرنسي عام 1962م. وقد أدّى البعد الإسلامي دورا أساسيا في إشعال الثورة الجزائرية وامتد تأثيره إلى ما بعد الاستقلال، وسنحاول إلقاء مزيد من الضوء على دور الحركات الإسلامية في الجزائر.
الحركات الإسلامية: البدايات
تطورت حركات الإسلام السياسي في الجزائر بسبب التحوُلات السياسية التي مرت بها البلاد، وتوافر هامش من الحرية بعد التحوُل نحو التعدُدية الحزبية، وخرجت من نطاق العمل الدعوي والتلقين الديني إلى السعي نحو تكوين قاعدة شعبية تُمكنها من الوصول للسلطة، مُستخدمة في ذلك الخطاب الديني لإقناع الناخبين ببرامجها الإنتخابية، وتمثلت الحركات الإسلامية التي واكبت التطور في ثلاث حركات اسلامية أساسية هي تنظيم الإخوان المسلمين الجزائريين، وتنظيم حركة الجزائرة أو الجزأرة، والحركة السلفية، وقد تأثرت هذه الحركات الثلاث في تطوُرِها بموجة الصحوة الإسلامية وانتشار حركات الإسلام السياسي، فقد انطلقت حركة الإخوان المسلمين الجزائريين من التجربة المصرية، وانطلق تنظيم حركة الجزأرة من تجربة ودور جمعية العلماء المسلمين التاريخي في الثورة الجزائرية وما بعد الإستقلال، وقد نبعت الحركة السلفية وتأثرت من الحركة الوهابية القائمة على افكار ابن تيمية.
بدأت المقاومة الإسلامية بحركة الأمير عبد القادر الجزائري خلال الفترة من 1830- 1847 حيث تعتبر تلك الثورة أول حركة مقاومة مسلحة ضد الوجود الفرنسي وفتحت الطريق لحركات مقاومة أخرى أعقبتها مع بداية القرن العشرين حركات مقاومة سياسية مهدت الطريق للثورة الجزائرية الشاملة ضد الاستعمار الفرنسي. تأثرت الجزائر بالدعوة السلفية الإصلاحية حيث أسس الشيخ عبد الحميد بن باديس عام 1924 في قسطنطينة أول مدرسة إصلاحية في الجزائر شاركت في الحركة الوطنية السياسية والثورة الجزائرية وقد وقف العلماء المسلمون الجزائريون إلى جانب العثمانيين.
ظهرت آثار الحركة السلفية في الميدان السياسي بعد الحرب العالمية الأولى مع حركة الأمير خالد الهاشمي حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، وكان ضابطا في الجيش الفرنسي وبعد الحرب كون وفدا وطالب الحكومة الفرنسية بتطبيق مبادئ “ودرو ويلسون “على الجزائر وإعطاء أبنائها حق تقرير المصير، وكانت تلك بداية الكفاح الوطني من خلال تكوين هيئة سميت ” وحدة النواب المسلمين “وأنشأ لها جريدة سماها الإقدام، طالب فيها بضرورة إصلاح الأحوال في الجزائر على أساس مبدأ المساواة بين الفرنسيين والجزائريين وإلغاء القوانين الاستثنائية والسماح للجزائريين بدخول مجلس النواب الفرنسي، وأعقب ذلك ظهور هيئات وجمعيات سياسية ذات اتجاهات مختلفة في ثلاثينيات القرن الماضي. من الجمعيات ذات الأهمية القصوى أيضا جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي نشأت في عام1931م لأغراض دينية في الأصل بهدف المحافظة على الثقافة العربية الإسلامية للجزائر ضد مساعي طمس الهوية الاستعمارية التي تدخلت في شأن من شؤون الجزائر.
انطلاقاً من انقسام الحركة الإسلامية في الجزائر الى عددٍ من التنظيمات المتباينة، فقد تميزت بتعدد المرجعيات الفكرية، أبتداءً بالفكر السلفي من إبن تيمية إلى محمد بن عبد الوهاب، والفكر الاصلاحي لمدرسة الأفغاني وعبده وتلاميذهما المتمثل
بمدرسة أبن باديس في الجزائر، الى جانب فكر الجماعات الإسلامية المستمد من مدارس شتى كمدرسة البنا ومدرسة المودودي ومدرسة قطب وتفرعاتها، مع هيمنة الفكر السلفي والأخواني على الساحة الجزائرية عموماً.
في حقيقة الأمر، تنطلق السلفية ، مستندة الى ابن تيمية، من خلال التأكيد على المبادئ الخالصة للاسلام من قرآن وأحاديث نبوية، هذا التوجه ترك تأثيره على محمد بن عبد الوهاب المؤسس للحركة الوهابية الذي تحول معه الفكر السلفي الى عقيدة وحركة سياسية تجاوزت حدود الجزيرة العربية. وفي بيئة محمد عبده الفكرية ظهر محمد رشيد رضا، وعلى هدي منهجه الإصلاحي سار متفقاً حيناً ومختلفاً حيناً آخر ليرسي مكونات ما اصطلح عليه بالإسلام السياسي الذي جعل من الإسلام ركيزة للعمل السياسي وللمواقف السياسية، فنظّر الى القضايا الناشئة بتأثير التنافس الإستعماري الأوروبي في مطلع القرن العشرين على اقطار الشرق الإسلامية واضعاً خطاً سلفياً اسلامياً، فالتفكير الأجتماعي السياسي عند رضا يصب في بلورة نظرية اسلامية تقف بوجه المد الأوروبي على مستوى الفكر لا الأخذ من الأوروبيين أي أنه كان يميل الى الدعوة نحو تجديد الدولة العربية الواحدة. وهكذا أثر رضا مع عبده والأفغاني فكرياً على الحركات الدينية التي ظهرت مع بداية الثلاثينات من القرن العشرين مع حسن البنا الذي سيطلق تنظيم الاخوان المسلمين.
تبع قسم كبير من أفراد الجماعات والحركات الإسلامية الجزائرية البنى الفكرية لتنظيم الأخوان المسلمين حيث أثرت المدرسة الأخوانية على الكثير من الجزائريين عن طريق كتبها التي امتلأت المكتبات الجزائرية بها، والدليل على ذلك أنه في نهاية السبعينات بدأ الظهور العلني لشباب الإسلام في الجامعات الجزائرية، وتقاسم العمل الإسلامي المنظم في مدة ما قبل عام ١٩٨٨م، ثلاث جماعات هي: جماعة الأخوان الدوليين بقيادة محفوظ نحناح الذي قاد تيار الأخوان المسلين حتى وفاته من عام ٢٠٠٣م
ـ جماعة الأخوان المحليين بقيادة عبدالله جاب الله.
ـ جماعة الطلبة أو جماعة مسجد الجامعة المركزي .
ويذكر البعض أن جبهة الإنقاذ تعود في جذورها ومنطلقاتها الفكرية الى جانب فكر جمعية العلماء المسلمين، الى كتابات الأخوان المسلمين بدءاً بحسن البنا وسيد قطب، حيث التقت الجبهة مع حركة الأخوان المسلمين في عدد من المبادئ مؤكدة أن الإطار الأساس لحركتها هو الكتاب والسنة في مجال العقيدة والتشريع والحكم. كما هو معروف، أن حسن البنا ركز على قضية المجتمع والفساد الإجتماعي وأهم مظاهره، حاصرا أسبابها في الغزو الأوروبي وتصدير القيم الأخلاقية المنافية لآداب الأسلام. وتحول سيد قطب نتيجة تأثره بمفكرين إسلاميين معاصرين كالندوي والمودودي من الإسلام الثوري الإجتماعي الى الإسلام المستقبلي النظري.
لقد تركز المنطلق والأساس الفكري للإسلاميين قبل الاستقلال على نقاط محددة أبرزها محاربة الاستعمار والمحافظة على المجتمع الجزائري المسلم، ولذلك تأثرت الجزائر حينذاك بالدعوة السلفية الإصلاحية مما دفع الشيخ عبد الحميد بن باديس في عام ١٩٢٤ م أن يؤسس في قسطنطينية أول مدرسة أصلاحية شاركت في الحركة الوطنية السياسية والثورة الجزائرية، لينشأ في ١٩٣١م جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لأغراض دينية في الأصل بهدف المحافظة على الثقافة العربية الإسلامية في الجزائر ضد مساعي طمس الهوية الاستعمارية، الى جانب محاربة الجمعية البدع التي تفشت في المجتمع الجزائري ، كما أعتمدت جمعية العلماء المسلمين بقيادة بن باديس على الاسلام، للوصول بالجزائر تدريجياً الى الاستقلال عن طريق الإعداد للأمة الجزائرية بوسائل الأعلام والتربية والتعليم، ولهذا رفضت الجمعية التفاهم مع الأحزاب السياسية الفرنسية أو المساومة على حقوق الجزائر، ورفعت شعار الإسلام ديني – والعروبة لغتي – والجزائر وطني ، الذي شكل برنامجاً، دينياً وثقافياً وسياسياً، رمى بها في أحضان العمل السياسي النشيط الذي كان من أهم مظاهره محاربة التجنس، حيث أطلق ابن باديس فتاوى عدة كان لها أثر حاسم في غلق الأبواب أمام الامتزاج الأجتماعي ، أو إذابة الأمة الجزائرية في المجتمع الفرنسي. استمر نشاط الجمعية خلال الحرب العالمية الثانية، حينما قدم رئيسها الشيخ البشير الإبراهيمي مطالب عدة الى السلطات الفرنسية في مجال الإصلاحات السياسية، داعياً من خلالها إلى ترسيخ المواطنة الجزائرية، وإنشاء حكومة جزائرية تكون مسؤولة أمام برلمان جزائري. ثم استمر نشاطها ليفرز قيادات أخرى بارزة على مستوى العمل الإسلامي والوطني، مثل عبد اللطيف سلطاني، الذي كان محور التحرك الإسلامي في بوادره الأولى بعد استقلال الجزائر، وأحمد سحنون، زعيم الرابطة الإسلامية، وعباس مدني.
يتضح أن الحركة الإسلامية الجزائرية استمدت مرجعيتها الفكرية من فكر ونشاط ورموز جمعية العلماء أولا، الأمر الذي حدا بالبعض الى القول ، إن ما يشد الحركة الإسلامية في الجزائر من روابط، انما يعود لتلك الجمعية التي أسسها ابن باديس، فضلاً عن استنادها ثانيا بعد الاستقلال لاسيما في منتصف الستينات الى فكر جمعية القيم ، المنحدرة من جمعية العلماء، التي تأسست في عام ١٩٦٣ م، برئاسة الدكتور الهاشمي التيجاني، لتعويض حظر جمعية العلماء المسلمين ، إلا أنها منعت من مزاولة نشاطها بسب احتجاجها على إعدام سيد قطب حينما قامت بإرسال برقية الى الرئيس المصري جمال عبد الناصر تطالبه بالإفراج عنه مع جميع المسجونين من قادة الاخوان المسلمين في مصر، مما عدته السلطة الجزائرية تدخلا صريحا في الشؤون الداخلية لدولة دعمت الثورة الجزائرية خلال مرحلة الكفاح، فحلت رسميا في مارس عام 1970م، كما تجد بعض الجماعات مرجعها في فكر مالك بن نبي الذي تجند للعمل الفكري لأجل تنشيط النهضة الحضارية التي نظّر لها في كتبه التي كانت محاصرة في الجزائر، كما عمل على تكوين نخبة مسلمة مثقفة واجبها التصدي للتيار اليساري، فاستهل عام ١٩٦٦ نشاطا ملحوظا في إقامة ندوات فكرية في بيته، وأخرى في الجامع الكبير، فقام بتنشيط حلقات فكرية علنية تحولت فيما بعد الى نواة لملتقيات الفكر الإسلامي التي تبنتها الدولة لاحقاً الى حين إلغائها في عهد الرئيس محمد بو ضياف. وقد تابع نشاطه الفكري رغم المضايقات الى أن مات وهو يقوم بمهمة ثقافية في الصحراء عام ١٩٧٣م . لقد انطلق أول ملتقى للفكر الإسلامي بالجزائر العاصمة بمبادرة من بن نبي وتحريك ميداني لرشيد بن عيسى ساهمت وزارة الشؤون الدينية في إنجاحه.ثم انعقد المؤتمر الثاني الذي قدم فيه بن نبي محاضرة تحت عنوان مشاكل الإنسان في العالم الثالث. أما في السبعينات فقد انتظم ملتقى العاشور الذي ضم رموزا ً من الاتجاه السلفي الإصلاحي، والاتجاه الأخواني، وجماعة التبليغ، والاتجاه الصوفي ، وجماعة الطليعة. وكما يبدو أن المرحلة الممتدة بين السبعينات والثمانينات من القرن الماضي كانت من أكثر مراحل العمل الدعوي ثراء ، أذ عرفت الصحوة انتشارا واسعا، تجاوز الجامعات الى الثانويات والمجتمع المدني علاوة على دور المساجد وخطاب أئمتهم وحلقاتهم الفكرية في الترويج لنوع من الحركية في الفكر السلفي الإصلاحي فبرزت أسماء في هذا المجال أمثال الشيخ أحمد سحنون وعبد اللطيف سلطاني وعمر العرباوي. حتى فتحت المساجد داخل الجامعات والثانويات وما مسجد الجامعة المركزية الذي أسس بمبادرة وتشجيع من بن نبي، إلا مثال على ذلك الذي أدى دورا في تنظيم وترسيخ الحركة الإسلامية بل أصبح مكاناً للتنظيم والحركة والعمل الجماعي ، محاولاً إعطاء مفهوم وتصور جزائري للإسلام السياسي، وقد عرف هذا التيار باسم الجزأرة الذي دخل في صراع مفتوح مع اليسار المتواجد بالجامعة . وهكذا ومنذ أواخر السبعينات خرجت الحركة الإسلامية من الجامعة وتدفقت إلى الشارع.
وما يمكن ملاحظته والتأكيد عليه أن الحركة الإسلامية الجزائرية، منذ مرحلة بن باديس وجمعيته الى مرحلة الستينات كانت ذات اتجاه اصلاحي هدفت الى نشر الثقافة العربية في سائر الأوساط وتطهير العقيدة الإسلامية من الخرافات وتقوية الشعور بالشخصية العربية. في الوقت الذي أصبحت فيما بعد ذات اتجاه راديكالي، نتيجة ما فرضه الواقع عليها من تغيرات وتحولات ارتبط قسم منها باستخدام أساليب العنف السياسي.
إن من أهم التنظيمات الإسلامية في الجزائر هي جبهة الإنقاذ الإسلامية التي ظهرت نتيجة للأحداث المتتالية التي وقعت في ثمانينيات القرن الماضي، حينما تصاعدت في أواخر عام ١٩٨٢م بوادر التمرد المسلح لإقامة الحكومة الإسلامية ، بقيادة مصطفى بويعلي، الذي يعتبر مؤسس الحركة الإسلامية المسلحة في الجزائر. ومع المحاولات المتكررة للحكومة الجزائرية لاحتواء هذا التيار المتشدد، ظهرت تيارات أخرى انتهجت أسلوب العنف أيضا ، مثل جماعة النهضة بزعامة عبدالله جاب الله . على أثر ذلك، اضطرت الحكومة عام ١٩٨٩م ، وتحديدا بعد اضطرابات عام ١٩٨٨م ، الى إقامة بعض الإصلاحات السياسية عن طريق صدور دستور فبراير ١٩٨٩م ،الذي نصت المادة ٣٩ منه على أن حريات التعبير والجمعيات والتجمع مضمونة للمواطنين ، إلى جانب ما نصت عليه المادة ٤٠ من الحق في إنشاء جمعيات ذات طابع سياسي معترف به. لقد تم الاعلان عن تكوين جبهة الانقاذ رسمياً من الدعاة والعلماء ووعاظ المساجد وأساتذة الجامعات، الذين اتفقوا على هدف محدد لها هو إقامة الجمهورية الإسلامية في الجزائر دون الاتفاق على التفاصيل، كما اتفقوا على مبدأ القيادة الجماعية وتعيين عباس مدني ناطقا باسم الجبهة والداعية بن عزوز زبدة نائبا له. في سبتمبر 1989م. صدر بيان الاعتراف بالجبهة في الجريدة الرسمية، وعد تّ أول حزب ذي اتجاه ديني تمنح له الشرعية القانونية. لقد شهدت جبهة الانقاذ الإسلامية انقساما بين ثلاثة تيارات أساسية هي التيار المتشدد، يمثله علي بلحاج الذي يميل الى اعتناق التشدد والتيار الاصلاحي، مثله عباس مدني ، الذي حاول التوفيق بين التيارات المتعددة داخل الجبهة و تيار الجزأرة، مثله المثقفون المتأثرون بالثقافة الفرنسية، أمثال محمد سعيد، عبد القادر حشاني، الذي مثَل الأخير التيار الأكثر سياسة واقعية ومن ثم اعتدالاً .
تميزت تيارات الجبهة بغياب رؤى واضحة حول بعض المسائل لاسيما مسألة الديمقراطية والتعددية ،الأمر الذي أدى الى اختلافها ، ففي الوقت التي وجدت قبولاً لدى عباس مدني الى جانب تأكيده على ضرورة ثبات والتزام الجبهة بها ورفض العنف كوسيلة للوصول الى الحكم ، أصّر علي بلحاج على رفضها مطلقاً. ورغم انقسام الجبهة الواضح هذا الا أنها مثلت الصوت الاسلامي السياسي الأكثر جماهيرية وشعبية في الجزائرمن خلال فوزها بأول انتخابات نيابية تشهدها الجزائر لعام ١٩٩١ م، بل أنه ورغم حلها بعد ذلك ، إلا أن شرعيتها الشعبية لم تهتز ويذهب بعض المحللين الى أن قوة جبهة الإنقاذ تعود لأسباب عدة منها:
1 ـ أن الإنقاذيين على درجة عالية من الكفاءة التنظيمية والانضباط ، الذي تجلى في تنظيم المظاهرات وضبط الجماهير والذي ظهر بجلاء في يوم ٨ اكتوبر من عام ١٩٨٨م ، عندما خرجت مظاهرة ضخمة من أعضاء الجبهة تقدر بحوالي ٣ ملايين، والذي تكرر أثناء الإعداد للانتخابات البلدية والمحلية في يوم ٢٠ ابريل عام ١٩٩٠م ، وصفه المراقبون بأنه كان نوعا من عرض القوة ، فضلاً عن انتشار ممثلي الجبهة في يوم الانتخابات نفسه في مختلف أرجاء الجزائر.
2ـ التأكيد على أهمية الالتزام بمنظومة القيم الإسلامية بوصفها المخرج من إخفاقات النظم السياسية والاقتصادية.
3ـ التنظيم المحكم للجبهة وتكتيكها مثل: التعليم واستخدام المال ونشر خطاب واضح ، وتقنيات الحملة الانتخابية العصرية.
من المعروف أنه بعد صدور قرار حل جبهة الانقاذ، بحكم المادة ٣٣ من قانون الجمعيات السياسية الصادر عام 1989 التي خولت وزير الداخلية حق استصدار حكم بإيقاف نشاط هذه الجمعيات في حالة تمثيلها لأي خطر على النظام العام ،
عملت الجبهة في السرية والعلن، بعد أن غيرت تكتيكها السياسي، عندما سعت لتنظيم حركتها في الخارج محاولة إقامة حكومة منفى، وذلك بعد مغادرة عدد من قياداتها الجزائر الى السودان، وبعض الدول الأوروبية، بعدما توزعت قياداتها بين السجن والإقامة الجبرية والمهجر. و يذهب بعض المحللين للشؤون الجزائرية أمثال فرانسوا بورجا الى أنه لا ديمقراطية في الجزائر دون مشاركة جبهة الانقاذ.
تعتبر حركة مجتمع السلم ثاني أكبر القوى الإسلامية في الجزائر، التي نشأت كحزب عام ١٩٩١م، بعدما انتقلت الحركة من مرحلة العمل السري الذي بدأ في عام ١٩٦٣ م وقوي في السبعينات ، مستندا في مرجعيته الى منهج جماعة الأخوان المسلمين العالمية تحت راية جمعية الإرشاد والإصلاح ، الى مرحلة العمل العلني في منتصف السبعينات بمعارضة صريحة وعملية لحكومة هواري بو مدين باسم تنظيم جماعة الموحدين، بقيادة محفوظ نحناح الذي دعا الى العمل الاصلاحي الاسلامي ، وتجنب الصدام مع السلطة محاولاً فتح باب الحوار معها الى جانب التنسيق مع كافة القوى والفعاليات الإسلامية ، تغير وبمقتضى دستور ١٩٩٦م ، واستنادا للقانون الخاص بالأحزاب السياسية تغير اسم الحركة ليصبح :حركة مجتمع السلم(حمس) ، كما غيبت أية إشارة منفردة لمرجعيتها الإسلامية في مشروع برنامجها السياسي الجديد، الذي قدم بعد صدور القانون لتعوض بالثوابت الوطنية كمرجعية فكرية لها. لقد اتسم محفوظ نحناح بميله الى التدرج في الوصول الى السلطة وإلى طمأنة القوى الليبرالية من المشروع الاسلامي، فنحناح اختلف عن عباس مدني في طريقة تحقيق هدفه سواء في إقامة الدولة الإسلامية أو في خروج الجزائرمن أزمتها المستعصية ، ففي الوقت الذي رأى عباس مدني ان تحقيق ذلك يتطلب القيام بتغيير شامل ومنهجي ، وجد نحناح أن السبيل الأمثل لذلك لا يتم إلا عن طريق الحوار والاقناع واحترام الرأي الآخر والتعددية. و شاركت حركة مجتمع السلم في انتخابات عام ١٩٩٧م لتبرز كقوة اسلامية لا يستهان بها تحت قبة البرلمان فحصلت على ٦٩ مقعداً لتحتل المركز الثاني قبل جبهة التحرير الوطني.
أما حركة النهضة الإسلامية بزعامة عبدالله جاب الله ، فقد استندت في مرجعيتها لمنهج الأخوان المسلمين العالمية لغاية منتصف الثمانينات ، حيث أضاف جاب الله بعد ذلك الى أدبيات الحركة مصطلحاً جديداً هو الأخوان المحليين مقابل لفظة الأخوان العالمين ، كما أسست الحركة بعد أحداث عام ١٩٨٨م جمعية ذات طابع ثقافي واجتماعي تحولت مع نهاية ١٩٩٠ م الى حزب سياسي حمل اسم حركة النهضة الإسلامية. تغّير اسم الحركة ووفق دستور عام ١٩٩٦م وطبقا لقانون الأحزاب ليصبح حركة النهضة، كما غيبت أية إشارة منفردة لمرجعيتها الإسلامية في مشروع برنامجها الجديد الذي قدم في فبراير عام ١٩٩٨م لتعوض بأرضية الوفاق الوطني والثوابت الوطنية، وقد انفصل رئيس الحركة بداية عام ١٩٩٩ م نتيجة خلافات حول ديمقراطية العمل داخل الحركة من جهة والمشاركة في السلطة من جهة ثانية، ليؤسس حزباً جديداً باسم حركة الإصلاح الوطني، أما حركة التضامن الإسلامي الجزائري فقد شكلت بعد حل جبهة الإنقاذ عام ١٩٩٢ م بقيادة احمد سحنون ويوسف بن خدة، وضمت كلا من رابطة الدعوة الإسلامية، وحزب الأمة، وحزب الجزائر المسلمة والمعاصرة ، الا أن هذه الحركة الجديدة عجزت عن ملء الفراغ الروحي بدلاً من جبهة الإنقاذ ورابطة الدعوة الإسلامية بزعامة احمد سحنون ، لتدعو الى تدعيم الإسلام وتكريسه نظاما في الجزائر وتركيز هذا النشاط في مجال توجيه عدد من البرامج المتنوعة.

جدلية العلاقة بين الحركة الإسلامية والنظام السياسي في الجزائر :
لا بد من التأكيد أن بدايات الأزمة الجزائرية قد انطلقت من الاختلاف في المنطلقات الفكرية المتبناة من جانب كل طرف ، ففي الوقت الذي تبنى التيار الاسلامي الأفكار السلفية الإصلاحية كما ذكرنا سابقاً، فقد انطلق النظام السياسي ومنذ عهد الاستقلال عام ١٩٦٢ م لينهج نهجاً فكرياً آخر معززاً من خلاله اتجاه نظام اشتراكي يقوده حزب واحد، بدءا من أحمد بن بيلا ومن بعده هواري بو مدين ، الأمر الذي أدى الى الصدام المبكر بين التوجهين مما شكل جدلية في العلاقة ما بين التيار الاسلامي والنظام السياسي، تجلت بشكل أكثر بعد انقلاب يونيو عام ١٩٦٥ م المسمى بالتصحيح الثوري ليحول المسار جذرياً نحو اليسار الاشتراكي حتى أقر في عام ١٩٧١م قوانين الاشتراكية التي كان من آثارها تأميم ممتلكات باسم الثورة، بل أنه في عام ١٩٧٦م بدأ الحديث عن شيوعية الجزائر باسم الاشتراكية.
ولا بد من القول أن اتجاهات الحركة الإسلامية بقيت في إطار النشاط والعمل الدعوي والاصلاحي حتى عقد الثمانينات من القرن العشرين الذي بدأ مع تأسيس أول مسجد جامعي في جامعة الجزائر المركزية والذي أسسه مالك بن نبي.
ان عقد الثمانينيات يؤشر إلى تطور كبير في عمل الحركات الاسلامية، ففي ١٩٨١م خرج محفوظ نحناح وجماعته جماعة الموحدين من السجن ليشكلوا جماعة خيرية اطلق عليها جمعية الارشاد والاصلاح التي أدت دورا في توجيه الاحداث قبل ولادة التعددية الحزبية .كما شهد عام ١٩٨٢م مواجهات مع الطلاب اليساريين ومظاهرات للاسلاميين انتهت بإصدار نداء اكتوبر من عام ١٩٨٢م الذي عد المسودة الاولى للمشروع الاسلامي ، الذي وقع عليه كل من عبد اللطيف سلطاني، واحمد سحنون ، وعباس مدني، بل وفي العام ذاته كون مصطفى بو يعلي حركة عرفت باسم الحركة الجزائرية المسلحة حتى قام بمصادمات مع السلطة انتهت بمقتله في فبراير من عام ١٩٨٧م .
أن سياسة الانفتاح والمراجعة التي تبناها الشاذلي بن جديد، ساعدت على تسارع نشاط الحركة الإسلامية العلني، بالرغم من أعتقاد البعض أن النظام وظف سياسة خلق الصراعات المتوازنة للتحكم باللعبة السياسية برمتها، حيث لجأ النظام السياسي بعد ذلك الى استخدام العنف والقمع لأكثر رموز الحركة الإسلامية للمحافظة على الأمن العام والنظام ، بعد تفجر الأوضاع الداخلية عام ١٩٨٨م التي مثلت نقطة مواجهة اخرى بين النظام السياسي والحركة الإسلامية ، وقادت بدورها الى استجابة النظام الإيجابية للإسراع بمحاولات تغيير لتوجهاته السياسية المبنية على مبدأ نظام الحزب الواحد ليتحول الى مبدأ التعددية الحزبية في عهد بن جديد متخلياً عن سياسة الاقتصاد الموجه، لدعائم عدد من الإصلاحات ، من أجل الحصول على قبول الجماهير لنظامه السياسي، منها إعلانه عن مجموعة من الإصلاحات الدستورية في مقدمتها، تعديل دستور عام ١٩٧٦م نحو فتح المجال امام التعددية الحزبية. إذ صادق المجلس الشعبي الوطني في ١٢ يونيو ١٩٨٩م على قانون تنظيم الحياة الحزبية في الجزائر والذي أدى الى إقرار نظام التعددية الحزبية مما يعني تراجع النظام عن الاشتراكية فكانت الانتخابات الجزائرية مظهرا من مظاهر تجسيد عملية الانتقال الى النظام التعددي. سارت الحركة الإسلامية بخطى هادئة في عهد بن جديد الذي تولى الحكم في 1982م ، الى أن شكل عبد اللطيف سلطاني وأحمد سحنون أول تجمع كبير للجماعات الإسلامية طالب بوضع حد للتأثيرات الغربية لاسيما الفرنسية في المجتمع الجزائري، والدعوة الى إلغاء ميثاق ١٩٧٦م ، الأمر الذي أدى إلى اعتقال عدد من المجتمعين من بينهم عباس مدني الذي تم الإفراج عنه عام ١٩٨٤م، لتحدث فيما بعد انتفاضة اكتوبر ١٩٨٨م ،المتمثلة بأحداث عنف قادت إلى إصدار دستور عام ١٩٨٩م الذي أكد على حرية تكوين الأحزاب والجمعيات السياسية الى جانب إقراره بشرعية أحزاب المعارضة التي على إثره شكلت الكثير من الأحزاب ومنها الإسلامية كجبهة الإنقاذ وحماس والنهضة. لقد استطاعت جبهة الإنقاذ الإسلامية ان تفرض نفسها على الساحة السياسية كأكبر قوة معارضة في الجزائر، لتفوز في المجالس البلدية بحوالي ٥٥ % أي ٨٥٣ مقعدا من اجمالي ١٥٤١ مقعدا و ٣٢ ولاية من اجمالي ٤٨ ولاية كما حصلت في الانتخابات البرلمانية التي جرت في ١٩٩١م على ١٨٨ مقعدا من مجموع ٢٣١ مقعدا ، وكان من المؤكد أن تحصل على الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة لو قدر لهذه الانتخابات البرلمانية أن تستمر في جولتها الثانية، التي تأجلت بعد تدخل المؤسسة العسكرية باسم المجلس الأعلى للدولة، ليتم فيما بعد إلغاؤها، ثم حظرت الجبهة وفرض قانون الطوارئ، على أثر ذلك تصاعدت عمليات العنف والعنف المضاد على المستويات كافة، وعندها دخلت الجزائر بؤرة الأزمة الحقيقية.
ومع إجبار المؤسسة العسكرية الرئيس بن جديد على الاستقالة وإلغاء الانتخابات وحل جبهة الانقاذ بالاعتماد على المادة ٣٣ من قانون الجمعيات السياسية الصادرة عام ١٩٨٩م، ساءت العلاقة بين الطرفين بشكل غير مسبوق .
اعتمد الرئيس محمد بوضياف في تعامله مع الجبهة على مسألتين، الأول داخليا من عدم دستورية الجبهة حيث حظر الدستور إقامة الأحزاب على أساس ديني، فجرى اعتقال العديد من قيادات الجبهة مثل عبد القادر حشاني ورباح كبير ومحمد السعيد بعد اعتقال كل من عباس مدني ونائبه علي بلحاج. والأمر الثاني تكثيف النشاط الدبلوماسي بهدف اغلاق منافذ الساحة الدولية أمام الاسلاميين ومضايقتهم في الخارج مستبعداً أية إمكانية لفتح باب الحوار معهم.
وعاد الحوار من جديد إلا أنه ضم بمرحلتيه الأولى والثانية ،الاحزاب والجمعيات السياسية والإسلامية ما عدا جبهة الانقاذ، حيث بقت الجبهة خارج الحوار بسبب قرار حلها، وإصرار الحكومة على عدم الإعتراف بها والتحاور مع زعمائها، فضلاً عن الشروط التي وضعها بعض قادتها في خارج الجزائر للحوار
مع السلطة ومنها ضرورة اعتراف الحاكمين منذ استقالة بن جديد على أنهم أخطأوا، والقيام بإطلاق جميع المعتقلين السياسيين وعلى رأسهم قادة الإنقاذ، وإلغاء كافة القرارات والإجراءات التي أتخذت ضد جبهة الإنقاذ والشروع في رفع كافة العوائق التي تقف في طريق العودة الى إرادة الشعب واختياره باستئناف العملية الانتخابية . قاد الحوار الى تشكيل لجنة الحوار الوطني، الا أن الساحة شهدت ظهور حركات مسلحة مختلفة كحركة الدولة الإسلامية أو المجلس الاسلامي الأعلى للقوات المسلحة، والحركة الإسلامية المسلحة، ومجموعات أخرى أخذت تنشط في مختلف أرجاء البلاد ، غير ان الجماعة الإسلامية المسلحة التي تشكلت من جماعة التكفير والهجرة وبعض العائدين من أفغانستان ، كانت الأكثر قوة ودموية ونهجت خطاً أكثر تشدداً، واستطاعت كسب المزيد من الأنصار والأتباع نتيجة للعمليات النوعية التي شنتها وكذلك لأن جبهة الإنقاذ رفضت استخدامها كمظلة يُنفذ من خلالها العمل المسلح المتبع من جانب الجماعة الإسلامية المسلحة التي رفضت الديمقراطية والحوار، التي دعا اليهما الجيش الإسلامي للإنقاذ الذي يعكس رأي قيادة الجبهة الإسلامية، الأمر الذي أدى الى حدوث مواجهات حادة ومنظمة فيما بينهما وصل الأمر الى ان تحكم الجماعة المسلحة بالموت على عباس مدني وعلي بلحاج وكل ممثلي الحزب في المجال السياسي، إثر تبرأ الجبهة من أعمال الجماعة المسلحة ، قابله من جانبهم شن عمليات كثيرة ضد الجماعة المسلحة لوقف عمليات تشويه الجهاد.
أما الرئيس علي كافي فقد سعى إلى اتباع منهج التهدئة مع جبهة الإنقاذ وغيرها من التنظيمات الإسلامية في الحركة الإسلامية الجزائرية في اتجاه عقد مصالحة وطنية تاريخية دون تحديد الأطراف المشاركة في هذه المصالحة ،الا أن تلك الجهود لم تثمر في تهدئة الأوضاع ، خاصة لأن جبهة الإنقاذ رفضت ذلك ، الا أنها أعلنت عبر مذكرة وجهها علي بلحاج الى لجنة الحوار الوطني موافقة الجبهة للحوار وفق شروط معينة، في مقدمتها الإفراج عن السجناء السياسيين للجبهة من بينهم عباس مدني ،وإلغاء القوانين التي صدرت في ظل حالة الطوارئ. واستمرت محادثات السلام والحوار ما بين الجانبين حتى في زمن الرئيس اليمين زروال حيث توصل الجانبان إلى عقد هدنة بعدم إطلاق النار، دخلت حيز التنفيذ في بداية اكتوبر ١٩٩٧ وهذا ما يعد إنجازاً سياسياً وأمنياً كبيراً ، استمر على مدى عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي طبق قانون الوئام المدني التي من أهم مضامينه إصدار عفو شامل لصالح تنظيم الجيش الأسلامي للإنقاذ لدخوله في هدنة مع الدولة، مع الإبقاء على الحظر المفروض على نشاط جبهة الإنقاذ طالما أن هناك حكماً قضائياً بحل الجبهة مع إتاحة الفرصة لزعمائها بعد الإفراج عن المعتقلين منهم بممارسة النشاط السياسي بصفتهم الفردية سواء في إطار حزبي جديد يجمعهم تحت تسمية جديدة أو ضمن الفضاء السياسي والحزبي القائم والذي يتميز بوجود احزاب اسلامية تنشط بالفعل على الساحة السياسية. وفعلاً نجح النظام بالقضاء على تنظيمات كثيرة من الجماعات المسلحة، ولم يبق منها سوى خمسة تنظيمات دموية تتقاسم الأدوار في تنشيط الأعمال الأرهابية وتظهر تحت مسميات منها:
* الجماعة الإسلامية المسلحة يقودها رشيد أوكبلي ولها صلة بتنظيم القاعدة.
* الجماعة السلفية للدعوة والقتال بزعامة حسان خطاب.
* جماعة الدعوة السلفية يقودها محمد بن سليم الأفغاني أو سليم العباسي، ضمت الجماعة السلفية للجهاد – يقودها عبد القادر صوان
-* الجماعة السلفية المقاتلة – يقودها يحيى جواري المدعو بأبو عمار.
الخريطة الاسلامية الجزائرية الجديدة:
نتيجة أحداث ما يسمى الربيع العربي في المنطقة، بدأت مُحاولات إصلاح من قِبَل النظام الجزائري كان من أهمها اعتماد قانون جديد للأحزاب، كان من نتائجه، فتح الباب أمام أحزاب جديدة، مع استمرار الحظر على حزب جبهة الإنقاذ وحرمان قيادتها من المُشاركة في الحياة السياسية، أو انشاء أحزاب، أو الإنضمام إلى أحزاب سياسية قائمة، وذلك بموجب قوانين المُصالحة العامة التي قادها الرئيس بوتفليقة، ويبلُغ عدد الأحزاب الإسلامية المؤسسة بعد تعديلات الدستورية للرئيس بوتفليقة في إبريل عام 2011 الماضي، ثلاثة أحزاب هي حزب الحرية والعدالة ،الذي يتزعمه محمد السعيد، المُرشح للإنتخابات الرئاسية عام 2009، وهو إسلامي مُعتدل، والحزب الثاني هو جبهة التغيير، مؤسسه إخوة عبدالمجيد مناصرة، وحزب جبهة العدالة والتنمية المُنبثق من حركتي النهضة والإصلاح، ومؤسسهما عبدالله جاب الله.
1. جبهة العدالة والتنمية :
مؤسسه الشيخ عبدالله جاب الله بعد صراع طويل مع بعض قيادات الحركات الإسلامية المؤسسة منذ بداية التسعينيات، حيثُ كان عبدالله جاب الله مُشاركاً في ولادة العديد من الأحزاب والحركات القديمة، والتي كان يُقال منها بعد تأسيسها نتيجة مؤامرات داخلية بتلك الحركات والأحزاب والتي منها حركة النهضة، وحزب النهضة الذي أُقيل منه، وقد حصل حزب العدالة والتنمية على رُخصة مُمارسة العمل السياسي في مارس 2012، وقد خاض الحزب المعركة البرلمانية الأخيرة مُنفرداً رافضاً الإنضمام إلى تكتُل الجزائر الخضراء الذي ضم كلا من حركة (حمس) و(حركة النهضة) و(الإصلاح)، أو الإنضمام مع أي تحالُف اسلامي أخر ليحصُل على سبعة مقاعد في البرلمان الأخير.
2. حزب جبهة التغيير :
مؤسسه إخوة عبدالمجيد مناصرة في 21 مارس 2012، ليدخل المعركة الإنتخابية البرلمانية الأخيرة، ويُعد مؤسسة عبدالمجيد مناصرة امتداداً طبيعياً لحركة (حمس) الأولى بقيادة الشيخ محفوظ نحناح، وقبل أن يحدُث الخلاف داخل حركة حمس الأولى، وانقسام الحركة إلى تيارين مُتصارعين، الأول بقيادة عبدالمجيد مناصرة الداعي للتغيير ووضع مسافة فاصلة عن السلطة، وتيار رئيس الحركة أبوجرة سلطاني الذي تولى الحركة بعد وفاة مؤسسها 2003م . ونتيجة الصراع بين التيارين وانفصال الكتلة البرلمانية للحركة إلى كتلتين، الكتلة القديمة بقيادة أبوجرة سلطاني وكتلة عبدالمجيد مناصرة التي عُرفت بحركة الدعوة والتغييروالتي تأسس من روحها وفكرها الحزب الجديد (جبهة التغيير).
3. حزب الحرية والعدالة :
مؤسسه محمد السعيد المُرشح في الإنتخابات الرئاسية في 2009، لمُنافسة الرئيس بوتفليقة، وحزب الحرية والعدالة يُصنَف من الأحزاب الإسلامية غير الأصول الإخوانية، ويُعتبر من أحزاب الدرجة الثانية بالمُقارنة بـ (العدالة والتنمية) و( حمس) و (النهضة والإصلاح)، وترجع مًحاولات تأسيس الحرية والعدالة إلى عام 2009،حيث سعى منذ ذلك التاريخ محمد السعيد للحصول على الإعتراف من السلطة بمُمارسة الحزب لحقه السياسي والقانوني، لكن نتيجة ارتباط اسم المؤسس لحركة الوفاء والعدل الدكتور أحمد طال الإبراهيمي الوزير الأسبق وأحد أعمدة النظام في ثمانينيات القرن الماضي بالسيد محمد السعيد تأخرت المُوافقة على تأسيس الحزب، وإذا كان فيما بعد حاول محمد السعيد فك الإرتباط التنظيمي بحركة الوفاء، فإن السلطة في الجزائر لم تقتنع، مُعتبرة أن حزب الحرية والعدالة سيكون حزبا سياسيا بواجهة يقودها محمد السعيد، ويتحكم فيه في الواقع الإبراهيمي.
تتمثل أهم ملامح الحركة الاسلامية في:
1. جميع التكتُلات الإسلامية في الإنتخابات سواء القديمة منها أو التكتلات الإسلامية الجديدة واجهت تعثُرات كبيرة، فكانت مُجرد تحالُفات تنشأ بين أحزاب أو حركات تشعُر بالضعف وتتخوف من نتائج الإنتخابات، بدليل أن حزب جاب الله العدالة والتنمية و مُناصرة (جبهة التغيير) رفضا في انتخابات يوليو 2012 التشريعية الإنضمام إلى تكتُل الجزائر الخضراء، رغم العديد من اللقاءات والمُشاورات التي تمت بين قيادات الأحزاب الدينية على خوض المعركة في تحالُف واحد.
2. الإسلاميون في الجزائر انقسموا إلى شقين، الأول يؤمن بالتغيير السلمي والوصول للسلطة عبر صناديق الإقتراع، والثاني مُعارض للنظام ويرفُض التعامُل معه، والمُشاركة في الإنتخابات مهما كانت نزاهتها.
3. ثبات حالة الإنقسام داخل الحركة الإسلامية في الجزائر منذ 1991م، وهو تاريخ أول انتخابات تشريعية تعدُدية حتى موعد الإنتخابات التشرعية الأخيرة في يوليو 2012م، وبعدها مُتمثلاً في عدم وحدة الموقف تجاه نتائج الإنتخابات والموقف من تشكيل الحكومة، وحضور جلسات البرلمان.
4. التنافُس بين مشايخ وقيادات الحركة الإسلامية في الإنتخابات التشريعية والبلدية انعكس سلباً على نشاط الحركة الدعوى والتربوي، وبذلك تكون الحركة قد تفرغت من محتواها الأصلي في النشاط الدعوي والتربوي إلى العمل بالسياسة، وفقدت توازُنها كحركة اسلامية، وأصبح يتحول معظمها إلى أحزاب سياسية صرفة، وتخوف بعضها ساعياً إلى الدعوة إلى غلبة الجانب التربوي على الجانب السياسي فيها، ومنها حركة (الدعوة والتغيير).
5. على مدى 14 عاماً من حل جبهة (القيم الإسلامية)، لم يكن هناك نشاط للإسلاميين يُذكَر في الجزائر، لكنهم سُرعان ما عادوا للظهور من جديد بعد الثورة الإيرانية سنة 1979م، وتحولت المساجد مرة أُخرى مسرحاً لخطاباتهم، وكثف الإخوان المسلمون تواجدهم داخل الجزائر عن طريق الكتب الدينية والمجلات.
6. بعد انتصار الإسلاميين في الإنتخابات التشريعية عام 1991م، وحل جبهة الإنقاذ بحكم قضائي في مارس 1992م، انقسمت الحركة الإسلامية في الجزائر إلى أربعة توجُهات سياسية وقانونية وعسكرية وسرية مما أدى إلى ضعفها واقتناع قياداتها بالعودة إلى العمل السياسي القانوني والقبول بمشروعية المصالحة الوطنية، والإنخراط في العمل السياسي القانوني وتشكيل العديد من الأحزاب السياسية الذي أدى إلى إضعاف جبهة الإنقاذ الوطني اضعافاً أبدياً، كذلك تشتيت أصوات الإسلاميين في أي انتخابات وهو ما يُفسر سبب فشلهم في الإنتخابات التشريعية الأخيرة.
7. افتقاد الحركة الإسلامية في الجزائر مؤخراً لولاء نسبة كبيرة من الشباب الجزائري، بسبب عدم رغبتهم في الدخول في عُنف جديد، اضافة إلى قراءتهم للمشهد العربي بعد صعود التيارات الإسلامية هناك وارتباك دورها في خدمة المواطن، مما أدى إلي فُقدانها إلى أكثر من 70 في المئة من أصوات الناخبين في انتخابات مايو2012م والمُتمثلين في الشباب.
8.شكلت انتخابات مايو 2012م التشريعية تحدياً صارخاً للحركة الإسلامية الجزائرية، بسبب الفشل الإنتخابي وأيضاً بسبب صعود الإسلاميين في الدول القريبة من الجزائر، الأمر الذي قد يدفعها مُستقبلاً في حالة نجاح التجارب الإسلامية في المنطقة إلى التحوُل من دائرة الفرقة والتشتُت إلى التقارُب والتنسيق، ومن دائرة التنظيم والنُخبة إلى دائرة الشعب والمجتمع، ومن دائرة مُشاركة بعضها في الحكومة وليس في الحُكم، إلى دائرة الشراكة الحقيقية ووضعية في الحكومة والحُكم معاً.
9. احتمالات انعكاس ما يجري في مصر وتونس من اضطرابات. بالإضافة إلى عدم وضوح الرؤية بسبب حُكم الإسلاميين في هذه الدول، مع غياب التيار الإسلامي من المشهد السياسي الجزائري، أدى إلى تراجع الإقبال على أحزاب الحركة الإسلامية، وتفرُق أتباعها لأسباب عديدة، أهمها على الإطلاق، أحداث ووقائع عايشتها الجزائر في عقد التسعينيات (1991- 2001م) هذا من جهة، والعمل على التقارُب بالقوى الوطنية الديمقراطية لتحل محل التيار الإسلامي على الأقل في السنوات العشرة القادمة – بداية من الإنتخابات التشريعية المُنتهية في مايو، وانتهاء بالإنتخابات الرئاسية ( 2012-2014 م) من جهة أخرى.

محمد نجيب السعد
باحث أكاديمي عراقي
m.najeeb@bayancollege.net

إلى الأعلى