الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سر السعادة (5)

سر السعادة (5)

يوسف بن ابراهيم السرحني:
سر السعادة في سلامة الصدر من الأحقاد والآفات، وفي نقاء القلب من الأمراض والعلل، فالصدر إذا سلِم اتسع وانشرح، والقلب إذا صفا رقَّ وتهلل، فسلامة الصدر راحة وبهجة في الدنيا، ونجاة وفوز في العقبى، ونقاء القلب كمال الإيمان، وصدق اليقين، وحسن التوكل، يقول الله تعالى ممتنًا على نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) بنعمة انشراح الصدر:)ألم نشرح لك صدرك) ـ سورة الشرح، ويقول تعالى:(يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّـهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء 88 ـ 89).
ويقول تعالى واصفًا أهل الجنة:(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّـهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (الأعراف ـ 43)، ويقول تعالى:(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) (الحجرـ 47).
ان سر السعادة في تحري الصدق، والاعتراف بالخطأ؛ فالصدق في القول والفعل من أخص أخص صفات المؤمن، فالصدق منجاة، فهو يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة؛ فالصدق نجاة من المكروه، ومنجاة من الكرب يثمر راحة الضمير، وهدوء النفس، وسكون القلب، فالصادق تسكن نفسه، وتقر عينه، وينشرح صدره، ويطمئن قلبه، وتستجاب دعوته، وينجو من الحن، ويكثر خيره، وتسعد حياته.
والاعتراف بالخطأ خلق كريم، وفضيلة تكاد أن تكون نادرة؛ لأنها تحتاج إلى شجاعة، وتتطلب جرأة، فها هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول وهو على المنبر بأعلى صوته (أصابت امرأة وأخطأ عمر).
نعم كم يكون الإنسان سعيدًا عندما يعترف بخطائه؛ لتقويمه وتصحيحه؟! وكم لهذا الاعتراف من ثمرة وأثر على الفرد والأسرة والمجتمع؟! فكم من كلمة اعتذار قصيرة أطفأت نار الفتنة، وأخمدت لهيبها، وقضت على بذور الشقاق، وضمدت جراح الخصام، فرجعت الأمور إلى مجاريها؛ تحفها السعادة، وتظللها الرحمة، ويغلفها الود.
وسر السعادة في أن ينظر الإنسان في أمور الدنيا إلى من هو أقل منه، وأن ينظر في أمور الآخرة إلى من هو أعلى منه؛ ينظر في أمور الدنيا إلى من هو أقل منه حتى لا يزدري ويحتقر نعم الله تعالى عليه، بل عليه أن يحمد الله تعالى، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال‏:‏ قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)‏:‏(‏انظروا إلى من هو أسفل منكم‏.‏ ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تَزْدروا نعمة الله عليكم‏) ـ متفق عليه‏، وأن ينظر في أمور الآخرة إلى من هو أعلى منه؛ ليقتدي به، ويزداد في الخيرات، ويترقى في سُلم الكمالات (وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (المطففين ـ 26).
وسر السعادة في القناعة فالرزق مقسوم، والأجل محتوم معلوم، والقناعة كنز لا يفنى، فالرضا بما قسمه الله تعالى من النعم العظيمة التي يُنعم الله بها على أصحاب القلوب المشرقة المطمئنة، والنفوس الزاكية المؤمنة، يقول الله تعالى:(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (هود ـ 6)، وعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إن اللهَ لَيرضى عن العبد أن يأكُلَ الأَكْلة فيحمَدَه عليها، أو يشرَبَ الشَّربةَ فيحمَدَه عليها) ـ رواه مسلم.
وسر السعادة في الابتعاد عن الدَّين، فالدَّين هم بالليل مذلة بالنهار. الدَّين همٌ ولو درهم، فالدَّين حمل ثقيل مؤلمـ لذا فقد استعاذ منه النبي (صلى الله عليه وسلم)، حيث كان يدعو:(اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال) ـ رواه داود.
ولقد لخصَّ من أعطاه ربه تبارك وتعالى جوامع الكلم، وأمده بقبس الوحي نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) سر السعادة تلخيصًا رائعًا بليغًا دقيقًا في ثلاث: أمن وعافية وقوت يوم، فقال ـ عليه الصلاة والسلام:(من بات آمنًا في سربه معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فقد حيزت له الدنيا بحذافرها) ـ رواه الترمذي.

إلى الأعلى