الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / (الحق في القتل) .. قرين الحلم الأميركي الذي يكفله الدستور
(الحق في القتل) .. قرين الحلم الأميركي الذي يكفله الدستور

(الحق في القتل) .. قرين الحلم الأميركي الذي يكفله الدستور

مع معارضة لحظر امتلاك السلاح يتحالف فيها السياسي والقاضي والمواطن

هيثم العايدي

فتح حادث اطلاق النار الأخير الذي شهده ملهى ليلي بأورلاندو بولاية فلوريدا الأميركية ونفذه لأميركي من أصل أفغاني وأودى بحياة قرابة الـ50 قتيلا الباب أمام المزيد من الجدل حول الحق الذي يكفله الدستور للمواطن الأميركي في امتلاك السلاح وهو بمثابة حق في القتل ولو سيق أمامه مبررات كالدفاع عن النفس أو الموازنة أمام تغول سلطة الدولة ليبقى موضوع حظر امتلاك السلاح في مواجهة معارضة شرسة يتحالف فيها السياسي والقاضي بل وحتى المواطن العادي.
فحادث أورلاندو ليس الأول من نوعه الذي تشهده الولايات المتحدة فقد شهدت الولايات المتحدة على سبيل المثال خلال الأعوام الـ25 الماضية عددا من أسوأ حوادث اطلاق النار الجماعية في العالم منها مقتل 23 شخصا حينما اقتحم شخص يُدعى جورج هينارد بسيارته السياج الخارجي لمقهى في مدينة كيلين بولاية تكساس، وأخذ يطلق النار قبل أن ينتحر في العام 1991 أو حينما لقي 13 شخصا حتفهم حينما أطلق ايريك هاريس ودايلان كليبولد النار على زملائهما وأحد المعلمين في مدرسة “كولومباين” الثانوية في ليتلتون بولاية كولورادو عام 1999 أو عام 2007 عندما لقي 32 شخصا حتفهم حينما أطلق طالب يدعى سيونج ـ هوي تشو النار على الطلاب في جامعة فرجينيا للتقنية قبل أن ينتحر.
وفي العام 2009 لقي 13 شخصا حتفهم في حادث إطلاق نار نفذه الميجور في الجيش الأميركي نضال مالك حسن النار داخل قاعدة عسكرية في فورت هود بولاية تكساس قبل أن يلقى 13 شخصا أيضا في نفس العام حتفهم حينما أطلق شخص يُدعى جيفرلي وونج النار على مجموعة من الأشخاص في مركز للمهاجرين في نيويورك قبل أن ينتحر. وفي العام 2012 قُتل 27 شخصا حينما أطلق آدم لانزا النار على 20 طفلا تتراوح أعمارهم بين ست وسبع سنوات وستة أشخاص بالغين قبل أن ينتحر في ساندي هوك بولاية كونيتيكت.
وفي العام 2015: قتل 14 شخصا حينما فتح سيد رضوان فاروق وزوجته تشفين مالك النار على مجموعة من الموظفين في سان برناردينو.
بالاضافة الى العديد من الحوادث الاخرى التي تشهدها المدارس أو مراكز التسوق حتى بات اطلاق النار في أميركا حدثا شبه عادي من كثرة تكراره.
ويعود قانون حيازة السلاح إلى بدايات ما يسمى الحلم الأميركي والحريات حيث تم اقراره في الدستور الأميركي باعتبار ذلك حقا للمواطنين لتصبح الولايات المتحدة الدولة الصناعية الوحيدة في العالم التي تسمح لمواطنيها بحمل السلاح في الشوارع، وهو أمر متجذر في الثقافة الأميركية.

ففي ديسمبر عام 1791 تم اعتماد عشر مواد سميت “وثيقة الحقوق” أضيفت إلى الدستور الأميركي صاغها جيمس ماديسون المعروف باسم “أبو الدستور” وهي تحمي حق التعبير عن الرأي، وحرية الصحافة، وحق التظاهر.
ويستمد الدستور الأميركي مادة “الحق في التسلح” من القانون الإنجليزي الذي يؤكد أن هذا الحق من الحقوق الطبيعية، وتحمي المادة الثانية من الدستور حق الفرد في امتلاك سلاح لأغراض مشروعة وهي الدفاع عن النفس داخل المنزل.
ويرجع الدافع الأساسي لتأييد هذا القانون حين إصداره إلى القلق الشديد من استبداد الحكومة بالسياسة، خصوصا بعد الحرب الأهلية الأميركية، واعتبار حمل السلاح الشخصي الحق الأهم لحماية الحقوق الأخرى التي تم اعتمادها في إطار مواد سميت “العشر”.
وينص القانون الأميركي على أن عملية شراء سلاح بشكل قانوني تستلزم تحري مكتب التحقيقات الفدرالي عن بيانات سجل السوابق الجنائية للمشتري.
وتختلف القوانين المتعلقة ببيع الأسلحة من ولاية أميركية لأخرى، ففي ولاية مثل تكساس مثلا يستطيع الفرد حمل السلاح من دون ترخيص لأن القانون يبيح له ذلك.
وعلى الرغم من ذلك هناك الكثير من الطرق للالتفاف على تلك الإجراءات، حيث يمكن شراء الأسلحة والذخيرة عبر مواقع الإنترنت التي تعد سوقا ضخمة بأسعار متدنية، إضافة إلى انتشار تهريب الأسلحة عبر الحدود المكسيكية وعصابات المخدرات المسلحة.
وبهذه القوانين تزدهر تجارة السلاح في أميركا يوماً بعد يوم ، وقد بلغت أوجها في عهد الرئيس باراك أوباما رغم أن هذا الأخير يسعى جاهدا لفرض حظر على امتلاك السلاح.
وتشير الاحصائيات إلى أن أميركا تصنع مسدسا كل 10 ثوان وفي كل صباح يحمل مليون أميركي سلاحهم معهم خلال اليوم ، و مليونين آخرين يحتفظون بسلاح في سياراتهم.
كما أن 12% فقط من الأسلحة الموجودة في أميركا مرخصة و88% من الأسلحة الموجودة لدى الشعب الأميركي غير مرخصة.
وأكثر من نصف المسدسات التي تصنع في العالم كله تصنع في الولايات المتحدة لتكون أميركا هي الدولة الأولى في العالم في عدد المسدسات والأسلحة الموجودة بين المدنيين ، وهي الدولة الأولى في العالم في نسبة السلاح إلى عدد السكان.
ومع هذه الأرقام بالطبع تتزايد حوادث اطلاق النار حيث يتعرض 100 ألف أميركي كل عام لإطلاق النار عليهم.
كما يتم إطلاق النار على 75 طفلاً في أميركا كل يوم ، يموت منهم 9 كل يوم ، ويتعرض 6 كل يوم إلى إصابات وعاهات مستديمة.
وأمام معارضة طفيفة لانتشار امتلاك السلاح بين المواطنين الأميركيين تدافع مجموعات ضغط أميركية قوية عن هذا الحق في مواجهة أي تعديلات قانونية، وتشكل الرابطة الوطنية للأسلحة (أن آر أي) ـ ومقرها ولاية فرجينيا الشمالية ـ أقوى تلك المجموعات التي نجحت خلال سنوات طويلة في منع تقييد تجارة الأسلحة.
وكان نص قد أقر في 1993 في الكونجرس ويحمل اسم “قانون برادلي” فرض التدقيق بالسوابق الإجرامية والعقلية قبل بيع أي سلاح، لكن 40% من مبيعات الأسلحة لا يشملها القانون لأنها تجري بين أفراد على مواقع إلكترونية متخصصة تقوم بدور وساطة بين شخصين، ولا يطال القانون سوى التجار الذين يملكون تصريحا بهذه التجارة.
كما تسجل المنظمة الأميركية للسلاح حضورا قويا في الساحة السياسية ويخشاها الأعضاء المنتخبون في الكونجرس لتكون بمثابة لوبي شرس نجح على مدى عقود في مواجهة كل المساعي الرامية لفرض قيود على السلاح. وتمكن الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون من منع تداول البنادق الهجومية، في 1994، إلا أن المنظمة استطاعت أن تلغي القانون بعد 10 سنوات من تنفيذه.
كما يلعب لوبي السلاح في الولايات المتحدة دوراً مهماً في الانتخابات الرئاسية والمحلية لما يقدمه من دعم مالي للمرشحين سواء لانتخابات الكونجرس أو الانتخابات الرئاسية، إلى جانب التصويت لهؤلاء المرشحين.
وعلى المستوى القضائي تقف أعلى السلطات القضائية الأميركية إلى جانب امتلاك الأميركيين للسلاح حيث أكدت المحكمة العليا في العام 2010 قرارها التاريخي الذي اتخذته في 2008 والقاضي بحق الأميركيين في امتلاك السلاح في كامل المدن والولايات من دون استثناء بعدما كان ذلك محظورا في شيكاغو منذ 28 عاما.
وبموافقة خمسة ومعارضة أربعة أصوات وافقت المحكمة على تمديد قرارها التاريخي الذي اتخذته في 2008 بأن من حق الأفراد الأمريكيين امتلاك بنادق في كل المدن والولايات لأول مرة.
وقال القاضي صمويل اليتو مختتما قرار المحكمة الذي يقع في 45 صفحة “نرى أن حق التعديل الثاني ينطبق تماما على كل الولايات.”
وعلى المستوى الشعبي يقول رئيس المنظمة المستقلة لأصحاب السلاح، “هنا الملايين من الناس يقيسون الديمقراطية من خلال الأسلحة»، ويضيف فلدمان الذي كان عضوا بارزا في المنظمة الأميركية للسلاح، «إذا لم تأتمنهم الحكومة على السلاح سيسحبون، بدورهم، ثقتهم منها».
كما يتراجع وفقا لاستطلاعات الرأي عدد الأميركيين الذين يؤيدون حظر امتلاك الأسلحة إلى أدنى مستوياته حيث بلغ في آخر الاستطلاعات 26%، في وقت قال 73% انه لا يجب منع امتلاك السلاح.
وأظهر الاستطلاع الذي أجراه مركز “جالوب” الأميركي أن 26% من الأميركيين فقط يعتبرون أن امتلاك الأسلحة يجب أن يقتصر على الشرطة والأشخاص المخولين بذلك، في حين رأى 73% منهم انه لا يجب منع أي شخص من امتلاك الأسلحة.
وذكر الاستطلاع أن 60% من الأميركيين كانوا يؤيدون منع امتلاك الأسلحة يوم طرح عليهم هذا السؤال للمرة الأولى في العام 1959، لكن منذ العام 1975 عارضت الغالبية الحظر. وتبين أن 43% من المستطلعين يؤيدون تطبيق قوانين أكثر حزماً على بيع الأسلحة، فيما يرى 44% أنه لا يجب إجراء أي تغيير، واعتبر 11% أنها يجب أن تكون أقل حزماً.
وأيا كانت المبررات في المجتمع الأميركي والتي تصب في انتشار السلاح بين المواطنين فإن المنطق المتعارف عليه أن امتلاك السلاح هو حكر على الدولة ومؤسساتها التي يدخل حماية المواطنين في صلب اختصاصاتها كما أن سهولة الحصول على السلاح باعتباره حقا يكفله الدستور يجعل من القتل لأتفه الأسباب حقا أيضا ببنود هذا الدستور وتحت شعارات الحلم الأميركي.

إلى الأعلى