الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : تصعيد أميركي هدفه الابتزاز

رأي الوطن : تصعيد أميركي هدفه الابتزاز

بغض النظر عن واقعية ومصداقية تعقيب البيت الأبيض على الوثيقة الموقعة من قبل واحد وخمسين دبلوماسيًّا منشقًّا بوزارة الخارجية الأميركية والتي تدعو إلى توجيه ضربات عسكرية على دمشق لإسقاط الحكومة السورية بالقوة، بأن الرئيس باراك أوباما لا يرى أي إمكانية لحل عسكري للأزمة السورية، إلا أن الوثيقة في حد ذاتها والتعقيب عليها بقدر ما يعبِّران عن عداء متأصل وحقد متجذر ضد كل ما هو عربي، دولة كان أم شخصية قيادية بارزة، تعتز بعروبتها وتدافع عن شرفها وسيادتها وعن شرف الأمة العربية وسيادتها، وترفض الخنوع والاستسلام والانبطاح أمام أعداء الأمة، بقدر ما يعكسان عجزًا أميركيًّا في الميدان السوري يؤهل الأميركي لأن يكون لاعبًا أساسيًّا ومتحكمًا في الأزمة السورية وبيده جميع الأوراق والمفاتيح، وما عداه تبع له، يريد الآخرين بيادق يحركها على لوحة شطرنج جغرافيا المنطقة متى شاء وكيفما شاء، وبما يخدم أهدافه ومشاريعه التدميرية والتخريبية.
وعلى الرغم من الأنباء المتسربة في وسائل الإعلام عن وقوف أصابع عربية وراء الوثيقة وتقديم التمويل اللازم لها، فإن اليمينيين الجدد لا يزالون فاعلين ومؤثرين في مفاصل القرار الأميركي، فمن بين الواحد والخمسين يمينيًّا متطرفًا الموقعين على وثيقة استخدام العمليات العسكرية ضد سوريا، مَنْ هندسوا الغزو الأميركي على العراق وقادوا الولايات المتحدة بقيادة الإدارة الصهيو ـ مسيحية السابقة إلى ارتكاب حماقة الغزو التي جرَّت ويلات على القوة العظمى لا تزال تداعياتها إلى الآن.
ولعل ترحيب البيت الأبيض بالوثيقة ومضمونها والذي جاء على لسان المتحدثة جنيفر فريدمان أمام الصحفيين، وأنهم منفتحون على كافة الأفكار الجديدة المتعلقة بطرح حلول للمسألة السورية، وأن الرئيس أوباما سيأخذ المقترح المقدم بعين الاعتبار، يشي بأن أوباما وكيري على دراية تامة بالوثيقة، ولذلك تسريب الوثيقة في هذا التوقيت الذي يشهد فيه الميدان تدحرجًا مستمرًّا لصالح الجيش العربي السوري وحلفائه، وهزائم وانتكاسات للتنظيمات الإرهابية التي تصنفها واشنطن بـ”المعتدلة” وتراهن عليها في تغيير موازين الميدان ليعطيها أوراق قوة ولو واحدة تسمح لها بممارسة ابتزاز موسكو ودمشق، إلا أن هذا لم يحصل بعد، ولهذا كان لا بد من إبداء شيء من التصعيد الكلامي بالتلويح بالعمل العسكري، في محاولة لإعادة سيناريو الأسلحة الكيماوية بهدف ابتزاز سوريا وحلفائها، حين قام معسكر التآمر والإرهاب الذي تقوده أميركا ضد سوريا بتزويد التنظيمات الإرهابية بالمعدات والمواد السامة لاستخدامها ضد المدنيين والجيش العربي السوري في الغوطة وخان العسل وحي جوبر، وتحديدًا في غوطة دمشق، وهو ما اعتبره آنذاك أوباما انتهاكًا للخطوط الحمراء ووجوب معاقبة دمشق عسكريًّا والبدء بحشد الأساطيل في المتوسط ، لتنتهي المواجهة بمبادرة تسليم الترسانة الكيماوية السورية مقابل التخلي عن العمل العسكري.
اليوم يحاول الأميركي استنساخ السيناريو ذاته لمحاولة ابتزاز موسكو ودمشق، وأي ابتزاز يريده الأميركي هنا؟ إنه تعويم إرهاب “جبهة النصرة” فرع تنظيم القاعدة الإرهابي في سوريا، ليقينه أن التنظيمات الإرهابية التي عمل على تعويم إرهابها بالصفة الكاذبة “المعتدلة” لا يمكن التعويل عليها، مثلما هو حال إرهاب “النصرة” وضم التنظيمات الإرهابية الموصوفة بـ “المعتدلة” إليها؛ وهو ما سيعطيه ورقة رابحة وخاصة في كل من حلب وإدلب وبما يمنع الجيش العربي السوري من استعادتهما من حضن الإرهاب بحجة أن هذا الإرهاب هو إرهاب معتدل وتدعمه واشنطن وحلفاؤها. غير أن الرد الروسي جاء أكثر واقعية وصلابة وحاسمًا هذه المرة؛ لأنه القادر على فهم انفعالات الأميركي، بأن هناك قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي لا بد من احترامها، وأن هذه المبادرة لوثيقة الدبلوماسيين الأميركيين المنشقين لا تتلاءم مع القرارات، علينا خوض مفاوضات والسعي نحو حل سياسي.

إلى الأعلى