الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الدنيا حلوة خضرة

الدنيا حلوة خضرة

عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) ـ صحيح مسلم.
عرف المتقون قبلنا أن الدنيا رأس كل خطيئة فلذلك ابتعدوا عنها وعرفوا أنها لا تساوى عند الله جناح بعوضة ولو أنها تساوى ذلك ما سقى الله الكافرَ منها جرعة ماء لذلك كان خوفهم منها شديد، رآها أهل البصيرة على حقيقتها وأيقنوا ما فيها حينما بدت أمامهم عارية من كل ستار فزهدوا فيها وخافوا من الوقوع في شباكها خشية السقوط من عين الله تعالى فمن عظم ما حقر الله فقد سقطت منزلته عند الله تعالى وأمثلة الصالحين الأتقياء الذين عرفوا الدنيا حق المعرفة علنا نقدي بهم.
فهذا أبو بكر الصديق ـ رضي الله تعالى عنه ـ ذات يوم استسقى فأُتى بإناء فيه ماء وعسل فلما أدناه من فيه بكى وأبكى من حوله فسكتوا وما سكت ثم عاد فبكى حتى ظنوا ألا يقدروا على مساءلته ثم مسح وجهه وأفاق فقالوا ما هاجك على هذا البكاء يا خليفة رسول الله فقال كنت مع النبي (صلى الله عليه وسلم) وجعل يدفع عنه شيئا ويقول:(إليك عني إليك عني) ولم أرى معه أحد فقلت يا رسول أراك تدفع عنك شيئا ولا أرى أحدا قال:(هذه الدنيا تمثلت لي بما فيها فقلت لها إليكِ عني فتنحت وقالت أما والله لئن انفلت مني لا ينفلت مني من بعدك) وقيل ذات يوم لأبى بكر: يا خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ألا تستعمل أهل بدر أي يجعل منهم عاملاً أو أكثر؟ ـ وكان يقال لأمير البلدة عاملاً قال: إني أرى مكانهم ولكني أكره أن أدنسهم بالدنيا.
وهناك صورة أخرى، عندما قدم سليمان بن عبد الملك المدينة وعمر بن عبد العزيز عامله عليها فصلى بالناس الظهر ثم فتح باب المقصورة واستند إلى المحراب واستقبل الناس بوجهه فنظر إلى صفوان بن سليم عن غير معرفة به فقال: يا عمر من هذا الرجل؟ ما رأيت سمتاً أحسن منه قال: يا أمير المؤمنين هذا صفوان بن سليم فقال: يا غلام كيّس فيه خمسمائة دينار فأتى به فقال لخادمه: ترى هذا الرجل القائم يصلى فوصفه للغلام حتى أثبته فخرج الغلام بالكيس حتى جلس إلى صفوان وقال صفوان: ما حاجتك؟، قال: أمرني أمير المؤمنين وهو ذا ينظر إليك أن أدفع إليك هذا الكيس فيه خمسمائة دينار وهو يقول استعن به على زمانك وعيالك، فقال صفوان للغلام: ليس أنا الذي أُرسلت إليه فقال له: ألست صفوان بن سليم؟ قال: بلى، قال: وإليك أرسلت، قال: اذهب وتأكد فإن تأكدت فهلم، قال الغلام: فامسك الكيس معك، قال: لا إن أمسكت فقد أخذت ولكن اذهب فتأكد أولاً وأخذ صفوان نعليه وخرج فلم يُر بالمدينة حتى خرج سليمان منها.
وصورة أخرى، دخل مَسلَمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز يعوده في مرضه فإذا عليه قميص قديم فقال لفاطمة بنت عبدالملك وهي أخته: يا فاطمة اغسلي قميص أمير المؤمنين أو بدليه فقالت: نفعل إن شاء الله ثم عاد فإذا القميص مخرق الجيوب كما هو فقال: يا فاطمة ألم آمركم أن تغسلوا قميص أمير المؤمنين فإن الناس يعودونه قالت: والله ما له قميص غيره, والله إنها قصص أشبه بالخيال من الحقيقة ولكنها والله الحقيقة إنهم رجال عرفوا الدنيا وعرفوا أنها تصير إلى زوال وعرفوا أن ما عند الله خير وأبقى فباعوا الدنيا واشتروا الآخرة .. ليتنا نفلح مثلهم.
وإليكم صور متتالية، قالت أخت بشر الحافي سألتُ الإمام أحمد بن حنبل قائلة: إنا نقوم نغزل بالليل على ضوء القمر في لياليه ومعاشنا منه وربما يمر بنا مشاعل بني طاهر ولاة بغداد ونحن على السطح فنغزل في ضوئها الطاقة والطاقتين أفتحله لنا أم تحرمه؟ قال لها من أنتِ قالت: أخت بشر الحافي فقال: آه يا آل بشر لا عدمتكم لا أزال أسمع الورع الصافي من قلوبكم.
ودخل هشام بن عبد الملك الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد الله فقال له: يا سالم سلني حاجتك؟ فقال له: إني لأستحي من الله أن أسال في بيت الله غير الله فلما خرج، خرج في أثره فقال له: الآن قد خرجت فسلني حاجتك؟ فقال له سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال: بل من حوائج الدنيا، فقال سالم: ما سألت الدنيا من يملكها فيكيف أسأل من لا يملكها.
جاء ابن التياح إلى على بن أبى طالب فقال: يا أمير المؤمنين امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء فقال: الله أكبر ثم قام متوكئاً على التياح حتى قام على بيت المال فقال: يا ابن التياح على بأشياخ الكوفة قال فنودي في الناس فأعطى جميع ما في بيت المال وهو يقول يا صفراء يا بيضاء غري غيري حتى ما بقى فيه دينار ولا درهم ثم أمر بنضحه وصلى فيه ركعتين.
وكان معاذ بن جبل ـ رضي الله تعالى عنه ـ يقول عند سكرات الموت: اللهم إنك تعلم أنى لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجرى الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لمكابدة الساعات وظمأ الهواجر (كناية عن قيام الليل وصيام النهار) ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.
هذه كانت عزة العلماء وكرامة الأتقياء وعفة الأصفياء، فكانوا لا يرون في لباس الدنيا عزا ولا كرامة ولذلك وقعت هيبتهم في قلوب الملوك والعظماء على مستوى البشر فهابتهم العيون ودانت لهم القلوب والنفوس واحترمهم الخلق. (المصدر ـ كتاب المبتكرات والمحاضرات).
.. هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

أنس فرج محمد فرج

إلى الأعلى