السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (13)

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (13)

طول الخطبة:
فن الإيجاز والإطناب يختلف من حال إلى حال، بحسب حال السامعين في إقبالهم ومللهم، ونوع الموضوع، وظروف الإلقاء.
ويحسن من الخطيب أن يعود سامعيه على زمن معتدل ثابت يلتزمه، فإنهم إذا عرفوه بانضباطه ودقة التزامه أحبوه ولازموا حضوره.
ومن الخير للخطيب وجمهوره أن ينفضوا وهم متعلقون به من غير ملل أو سآمة.
إن الخطيب الذي لا يصيغ خطابه ليتناسب مع روح العصر السائدة والمتميزة بالسرعة لن يكون موضع ترحيب، وفي بعض الأحيان، يثير كراهية الآخرين. لذلك كن مختصراً.
عن أَبُي وَائِلٍ قال: خَطَبَنَا عَمَّارٌ فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ )صلى الله عليه وسلم (يَقُولُ:(إِنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا).
كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ فَقَالَ لَهُ رَجُل: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، قَال: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ َتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
ذكر عن أحد شعوب أفريقيا البدائية أنه عندما يلقي الخطيب خطاباً طويلاً جداً خلال اجتماع القرية، فإن الجمهور يسكته بالصراخ: كفى! كفى!.
ويقال أن قبيلة أخرى كانت تسمح للخطيب بالتحدث طالما يستطيع وهو مرتكز على ساقٍ واحدة. وعندما تلمس مقدمة ساقه الأخرى الأرض، يتوجب عليه التوقف عن الكلام.
الجدة والتغيير: ويعني ذلك ألا يلتزم الخطيب طريقاً واحدة أو وتيرة واحدة في أسلوبه وطريقة إلقائه، بل يكون استفهامياً تارة، وتقريرياً أخرى، وضرباً للأمثال، وتلمساً للحكم والأسرار، مع ما يطلب من معايشة الأحداث، ومتابعة المتغيرات.
ثالثًا ـ الخاتمة: بعد أن يفرغ الخطيب من عرض موضوعه، وسوق أدلته، وضرب أمثلته، وبيان دروسه، وعبره، وترهيبه، يحسن أن يُنهي خطبته بخاتمة مناسبة تكون قوية في تعبيرها وتأثيرها، لأنها آخر ما يطرق سمع السامع ويبقى في ذهنه.
كيف تختم الخطبة؟
هل تود أن تعلم في أي جزء من أجزاء خطبتك تظهر تجربتك ومهارتك وبراعتك؟ في الافتتاحية وفي الخاتمة. كما قيل:(تعرفهم من خلال دخولهم وخروجهم).
إن الخاتمة في الحقيقة هي أكثر النقاط إستراتيجية في الخطبة. فما يقوله الإنسان في النهاية ـ أي ما يبقى يرن في آذان المستمعين ـ هو الكلمات التي ربما تبقى عالقة في أذهانهم، وهناك من ينهي خطبته بـ (هذا ما لدي حول الموضوع) ثم يتوقف وقوفاً اضطرارياً، وهناك الخطيب الذي يقول كل ما عليه قوله، لكنه لا يدري كيف يختتم خطبته، إنه ليس من الحكمة أن تحاول إنشاء الخاتمة وأنت تواجه الجمهور فيما أنت واقع تحت ضغط وتأثير الخطبة، وفيما ذهنك مشغول بما تقول.
ما هو العلاج؟
يجب أن يخطط الخطيب للخاتمة مسبقاً، ويدرك بالتحديد الأفكار التي سينهي بها خطبته.
إن الخطباء المشهورين شعروا أنه من الضروري كتابة وحفظ الكلمات المناسبة لخاتمتهم. فإذا ما اتبع المبتدئ خطواتهم، فنادراً ما يندم على ذلك.
ولأن الخطاب المرتجل قد يعدل أو يختصر خلال عملية الأداء ليناسب التطورات غير المرتقبة ويتناغم مع انفعالات المستمعين، فإن من الحكمة أن تخطط لخاتمتين أو ثلاث، فإن لم تناسب إحداها ناسبت الأخرى.
مقترحات للخاتمة:
1 ـ آيات كريمة أو حديث نبوي: يمكن أن يختم الخطيب بآيات قرآنية لم يسقها من قبل تجمع موضوعه في الترغيب والترهيب أو التدليل والإثبات، وقد تكون حديثاً نبوياً مناسباً.
2. دعاء: بين يدي الخطيب طائفة من الأدعية القرآنية أو النبوية المأثورة،نجدها في كتب متعددة، يمكن أن يختار منها ما يناسب الموضوع، ويجعله خاتمة لخطبته. كما يمكن أن ينشئ من دعائه الخاص ما يدعم الهدف المراد من الخطبة ويقويه في نفوس المستمعين.
3. تلخيص الأفكار: الخطيب ميال لتغطية أفكار كثيرة حتى في خطاب قصير تتراوح مدته بين ثلاث أو خمس دقائق.
ومع ذلك، قلة من الخطباء تدرك ذلك. فهي تفترض أن تلك الأفكار واضحة وجلية في أذهانها، وبالتالي هي واضحة في أذهان المستمعين.
لكن الأمر يختلف كلياً لأن الخطيب كان قد فكر ملياً بما سيقوله. بينما أفكاره كلها هي جديدة بالنسبة للمستمع، بعضها يعلق في الذهن، ومعظمها يتدحرج باضطراب. فعلى الخطيب أن يتدارك هذا الأمر بأن يختم خطبته بخاتمة، تجمع أفكاره، وتلخص موضوعه، بعبارات مغايرة، وطريقة مختصرة.
وقد قيل: أخبرهم أولا ًبما تنوي إخبارهم به، ثم أخبرهم، ثم أخبرهم بما أخبرتهم.
4. مقتطفات شعرية: وفي الحقيقة، إذا استطعت الحصول على قطعة شعرية ملائمة لنهايتك، يكون الأمر مثالياً. فهي تمنحك النكهة المطلوبة، وستمنحك الوقار والتفرد والجمال.
ودواوين الشعر كثيرة جداً، والخطيب الناجح ينتقي منها أروع الشعر وأعذبه.
وإذا أعياه البحث في الدواوين أو ضاق به الوقت فليستعن بالكتب التي تعتني بجمع وتصنيف المقطوعات الشعرية الجيدة حسب المواضيع المختلفة.
5. خاتمة مرحة: فقد قيل:(اتركهم دائماً يضحكون عندما تختم حديثك).
إذا كنت تملك القدرة على فعل ذلك بلا تكلف، وكان نوع الخطبة والموقف مناسباً، فإن الأمر يكون جيداً.
.. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى