الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (96)
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد : فـلا زال الحـديث مـوصولا عـن مـوضـوع مـن مـواقـف الـرجـال.

جـواهـر الـرجال: إن جـواهـر الـرجال لا تعـرف إلا عـنـد الابـتلاء وتقـلب الأحـوال، وفـيـما يلي: مـوقـف رجـل مـؤمـن آمـن بالله واليـوم الآخـر، لا تهـزه العـواصـف، ولا تغـيره الشـدائـد والـزلازل.
قال الـربيع حاجب أبي جـعـفـر المنصور: ما رأيـت رجـلاً أثبت جناناً، ولا أربط جاشا مـن رجـل رفـع إلى أبي جـعـفـر المنصور أن لـديه أمـوالاً لبني أمية ، فأمرني بإحضاره، ولـما أحضرته وأدخلته عـلى أبي جـعـفـر المنصور قال له: لـقـد رفـع إلينا أن لـديك ودائـع وأمـوالا لبني أمـية فأخـرجها إلينا، قال الـرجـل: أوارث أنت لبني أمـية يا أمـير الـمـؤمنين؟.
قال: لا، قال: أفـوصي أنت يا أمير الـمـؤمنين، قال: لا، قال: فـما سـؤالك عـما لـدي مـن أموالهـم وودائعهـم، أطـرق أبـو جـعـفـر المنصور مـدة ثم قال: إن بني أمية قـد ظـلـمـوا الـمسلـمين في أمـوالهـم ، وأنا وكـيـل المسلمين في حقهـم، وأريـد أن تـؤدي إلي ما عـنـدك وأجـعـله في بيت مال المسلـمين ، لينفـق في شـؤونهـم فـقال الـرجـل: يا أمـير الـمـؤمنـين تحتاج في ذلـك إلى إقامة البينة العـادلة، أن الـذي في يـدي لبني أمية هـو مما خانـوه وظـلـمـوه واغـتـصبـوه مـن أمـوال المسلـمين، فإن بني أمية كانت لهـم أموال غـير أموال المسلـمين.
أطـرق أبـو جـعـفـر المنصور مـرة أخـرى ثـم رفع رأسه إلي وقال: صـدق الـرجـل يا ربيع ما وجـب لـنـا عـنـده شيء ثـم قال: هـل لك مـن حاجـة نقـضيها لـك؟.
قال الـرجـل: نعـم يا أمـير الـمـؤمنين، قال: أمـير الـمـؤمنين: ما هي؟ قال: أن تجـمع بني وبين مـن سـعى بي إلـيـك، فـو الله ما لبني أمـية عـنـدي ولا في يـدي مال ولا وديعـة، ولكـنـني وجـدت ما قـلـته لـك أقـرب إلى الخـلاص والنجـاة، فـقال لي أبـو جـعـفـر المنصور: اجمـع بينه وبين مـن سـعـى به يا ربيـع.
قال الـربيـع: أحضرت الساعي، فـلـما رآه قال الـرجـل: هـذا غـلامـي، أخـذ ثـلاثـة آلاف دينار مـن مالي وهـرب.
فـشـدد أبـو جـعـفـر المنصور عـلى الغـلام: فاعــترف بـما نسب إلـيه، فـقال المنصور للـرجـل: نسألك أن تصفـح عـنه فـقال الـرجـل: صفـحــت عـن جـرمه، وأبـرأتـه مـن الـمال الـذي أخـذه، وأعـطـيته ثـلاثـة آلاف دينار أخـرى مـن مالي.
قال أمـير المـؤمـنـين أبـو جـعـفـر المنصور: ما عـلى ما فـعـلت مـن مـزيـد في الكـرم، وانصـرف الـرجـل، فـكان المنصور كلـما ذكـره قال: ما رأيت مثـل هـذا الـرجـل يا ربـيـع.
الـفـرج بعـد الشـدة: كان الشـيخ محمد الأوذن مـن عـلـماء الأزهـر الشـريف، تجـاوز عـمـره سـبعـين سـنة وكان مـن مفـسري كـتاب الله، وكان مـن الإخـوان المسـلمـين، ألقي عـليه القـبض في زمـن عـبـد الناصـر، ورمي في غـيابات السجـن، وأدخـل مـعـه كـلب عـقـور للإهـانـة وتعـذيبه.
فـلـما أدخـل الكـلب عـليه، قـام الشيخ محمد الأوذن يصلي تـنحـى الكـلب جـانـباً وديـعـاً ولم يقـترب مـن الشـيخ، وخافـوا عـلى الكلـب أن يصاب بنـزلة بـردية، ولـم يشـفـقـوا عـلى الشـيخ الـذي بـلـغ مـن العـمـر عـتيـاً.
ولـما عـلـم الملك فـيصـل مـلك المملكـة العـربية السـعـودية بـذلك، طـلب الملك فـيصل مـن جمال عـبـد الناصر رئيس الجمـهـورية العـربية المصرية أن يسـمح بإطـلاق سـراح الشيخ محمد الأوذن مـن السـجـن، وينـتقـل إلى المملكة العـربية السـعـودية، فوافـق واسـتقـبله الملك فـيصـل في الـمـطار، وقال له: اخـتر أيها الشـيخ أي مـكان تـريـد أن تعـيش فـيه بقـية حـياتـك، فالممـلكة تحـت رغـبـتـك فـقال الشيخ الأوذن: أخـتار أن أكـون بجـوار قـبر الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلـم) في المـديـنة الـمـنـورة، فأنشـأ الشـيخ قـائـلاً:
إلهـي نـجـني مـن كـل كــــربٍ
بهـدي المصطـفى مـولى الجـمـيع
وهـب لي في مـدينته مـقـامـاً
ومـوتــاً ثـم دفــنــا في الـبـقــيـــع

من مواقـف الشهامـة: حـج أبـو جـعـفـر المنصور مـرة، فـعـرض عـليه جـوهـر نفـيـس ذو قـيمة عـظـيمة ليشـتريه، فأمعـن النـظـر فـعـرفه فـقال: هـذا كان لهـشام بن عـبـد الملك وانـتـقـل إلى ابـنه محمد فـهــو إذن في الـمسـجـد، ولابـد لي مـنه ثـم نادى حاجـبه الـربيـع وقال له: إذا صليت بالناس غـداً في المسجـد الحـرام، وصلى الناس كلهـم فاغـلـق الأبـواب كلها، ووكـل بها جـماعة من الـثـقـات، وافـتـح باباً واحـداً وقـف عـليه، ولا تخـرج أحـداً حتى تعـرفه، فإذا ظـفـرت بمحمد بن هـشام فأتني به.
فـفـعـل الـربيع ما أمره المنصور، وكان محمد بن هـشام في المسجـد، فـعـرف أنه المقـصود، وأنه لابـد مأخـوذ حـتـماً ومقـتـول فاضطـرب وتحـير، ولم يـدر ما يـفـعــل وبينما هـو كـذلـك، جاء محمد بن يـزيـد بن عـلي بن الحـسين، فـرآه مضطـرباً متحـيراً فـقال له: ما بالـك يا هـذا؟ قال محمد بن هـشام: لا شيء، قال محمد بن يـزيـد: خـبرني ولـك الأمان إن شـاء الله عـلى نفـسك فـمن أنـت؟ قال: أنا محمد بن يـزيـد بن عـلي ان الحسين بن عـلي بن أبي طالب.
اضطـرب محمد بن هـشام واسـتبـد به الخـوف، وطار عـقـله وتحـقـق الموت، فـقال محمد بن يـزيـد: لا تجـزع فـلـست قاتـل أبي ولا جـدي وليـس لي عـنـدك ثار.
قال: أنا محـمد بن هـشام بن عـبـد الملك، قال محـمد بن يـزيـد: لا باس عـليك أنا اجتهـد في خـلاصـك إن شـاء الله، ولـكـن لـتعـذرني فـيما أنا صانع بـك من مكـروهٍ وقـبـيح خـطاب.
قال محمد بن هـشام: افـعــل ما شـئت، طـرح محمد بن يـزيـد رداء عـلى وجـه محمد بن هـشام بن عـبـد الملـك وغـطى به رأسـه، وسحـبه جـاذباً إياه بشـدة حتى وصـل إلى الـربيـع، فـلـما رآهـما الـربيـع، لـطـمه محمد بن يـزيــد لطـمات عـلى وجهه وجـاء إلى الـربـيـع وقال له: يا أبا الفـضـل هـذا الخـبيـث جـمال من أهـل خـراسان، أكـراني جـمـالاً، فـلما دفـعـت له الكـراء هـرب مني، وأكـرى جـماله لبعــض أهـل خـراسان، ولي عـليه شـهـود وأريـد مـنـك من يـوصـلني إلى القـاضي ويمسـك جـماله عـن الـذهاب إلى خـراسـان.
جـاء الـربيع بـرجـلـين من رجاله قائـلاً: لا تـفـارقـاه حتى تسـلـماه إلى القاضي وخـرجـوا جـميعـا من المسـجـد، فـلـما بعــدوا صرف محمد بن يـزيـد الـرجـلـين، وقال لمحمد بن هـشام بن عـبـد الملـك: اذهـب إلى حال سـبـيـلـك.
قـبـل محمد بن هـشام رأسه ويـديه، وأخـرج له جـواهـر عـظـيـمـة القـيـمة وقال: بالله يا ابن بنـت رسـول الله، شـرفـني بقـبـول هـذا.
قال محمد بن يـزيـد: اذهــب بمتاعـك، فـنحـن قـوم نسـتحيي من الله أن نقـبـل عـلى اصـطـناع المعـروف مـكافـأة، واحــرز عـلى نفـسك من هـذا الـرجـل إلى أن يخـرج فهـو مجـد في طـلـبـك، قال محمد بن هـشام: الله أعـلـم حـيث يجـعــل رسالته.
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى