الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / كن من ربك قريباً

كن من ربك قريباً

شرع الله لعباده النوافل والسنن، للترقي في مدارج الخير والفلاح والصلاح وأوحى بها إلى نبيه، والنافلة تكون من جنس فريضة، وفي الحديث القدسي:(ولايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) وما ثمرة هذه المحبة؟ وأي إنسان مؤمن لا يحرص على محبة الله له، أو لا يسعى إليها، فالثمرة كما قال الله عز وجل في الحديث : عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الله قال:(من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) ـ رواه البخاري.
لقد فرض الله عز وجل على المؤمنين خمس صلوات في اليوم والليلة وأمرهم بالمحافظة عليها وعدم التهاون بشأنها، وجعل قيام الليل نافلة وتطوعا وفرض سبحانه وتعالى عليا الزكاة في أموالنا وزروعنا وتجارتنا وغيرها من صنوف الزكاة وجعل الصدقة نافلة وفرض علينا سبحانه وتعالى صيام شهر رمضان فقط وغيره من الأيام سننا وتطوعا وكذلك فرض علينا سبحانه الحج إلى بيته الحرام وبين سبحانه، أن أحب عمل يتقرب به العبد إليه هو أداء فرائضه، ففي الحديث القدسي:(وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه).
ولقد كان من سنته (صلى الله عليه وسلم) المداومة على اثنتي عشرة ركعة موزعة قبل الفرائض وبعدها يروي الإمام مسلم أن عبد الله بن شقيق رحمه الله سأل أم المؤمنين عائشة عن تطوع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقالت:(كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعا ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيصلي ركعتين وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين ويصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر وكان يصلي ليلا طويلا قائما وليلا طويلا قاعدا وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم وإذا قرأ قاعدا ركع وسجد وهو قاعد وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين ) وفي صحيح الإمام مسلم عن أم حبيبة زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) أنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة أو إلا بُني له بيت في الجنة) قالت أم حبيبة فما برحت أصليهن بعد.
إن النعم العظيمة التي يتقلب فيها الإنسان والتي لا يمكنه حصرها مهما حاول سواء كانت هذه النعمة داخل جسمه كالحواس أو المواهب أو القدرات أو خارجه كالأكل والشرب واللبس والأمن وغيرها إنها نعم تستوجب شكر المنعم ولو تحولت خلايا الإنسان ألسنة تلهج بالشكر منذ أن خُلق إلى حين موته لما وفت شكر نعمة واحدة من تلك النعم التي لا تعد ولا تحصى وإن أقل ما يجب على الإنسان المؤمن أن يعمل جاهدا وقدر طاقته في أن يسأل الله تعالى أن يعينه على شكره وعبادته وإذا كان الله تعالى قد فرض على المسلم فرائض فإن أداء تلك الفرائض ما هو إلا الحد الأدنى لعمل المؤمن على أن المؤمن الصالح الذي يطمح في محبة الله والتقرب إلى ربه يكون حريصا في الارتقاء عن الحد الأدنى من العمل المطلوب لأن أداء الحد الأدنى يكون كافيا من قبل المسلم العادي الذي لا يتمكن من الزيادة لعوامل معينة منها على الأقل جهله وعدم وعيه وقد يكون منها العجز.
والقرآن الكريم عندما خاطب المؤمنين لم يفرق بين مؤمن وآخر لهذا فلا نريد أن نصنف المؤمنين على درجات ولكن التصنيف يأتي تلقائيا عندما يستشعر مؤمن واجبا معينا بل عندما يبادر بفعل نفل أو أمر مستحب بينما يتقاعس آخر حتى عن فعل أمر واجب، بينما بعض الناس ينتابهم وهْم بأن الذنوب والمعاصي هي التي تُغسل بالتنفل والتطوع ولكن هذا الوهم يدحضه فعل الرسول صلى الله عليه وسلم حيث كان يقضى ليله في عبادة الله تعالى راكعا ساجدا حتى تتورم قدماه وتسأله عائشة كيف يفعل ذلك بنفسه وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيجيبها قائلاً:(أفلا أكون عبد شكورا) إذن ليس التقرب إلى الله تعالى بالنوافل من الأعمال التي تعنى بالضرورة التخلص من الذنوب وإنما هي في المقام الأول شكر الله على نعمه وأنى للإنسان أن يفي شكر الله، على المؤمن التقي الذي يراقب الله تعالى أن يتهم نفسه بالتقصير والمعاصي فما أكثر وقوعه في المعاصي التي لا يعلمها ولا معصوم إلا الأنبياء هذا بالنسبة للمؤمن في توجيه عبادته التنقلية شكرا أو استغفارا وهناك من المؤمنين صنف أكثر حاجة إلى هذا النوع من العبادة أولئك الذين يحرصون على تقوية العلاقة بينهم وبين ربهم لأنهم يواجهون مخاطر في الحياة من خلال نهجهم وحملهم دعوة الرسل والأنبياء فإن الذي يحمل هذه الدعوة لابد أن يتيقن أنه بحاجة إلى الحماية ولن يجد الحماية إلا عند من يدعو إليه فهو حرى به أن يوطد العلاقة بالله ليضمن معية الله له في كل لحظة ثم إنه محتاج إلى قبول دعوته لدى الناس وهذا لا يأتي إلا إذا ضمن حب الله تعالى له لأن الله إذا أحب عبدا أمر مناديا ينادى في الملأ الأعلى بأنه أحبه فيحبه أهل السماء ثم ينزل الله له القبول في الأرض وكذلك بالنسبة لمن يبغضه الله والعياذ بالله وهذا ما تضمنه الحديث الشريف الذي أخرجه الإمام مسلم عن أبى هريرة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء قال ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه قال فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض).

وأن محبة الله لكي تتحقق لابد من فعل ما يحققها وهذا ما وضحه القرآن الكريم عندما أمر الله نبيه أن يخاطب المؤمنين (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) (آل عمران ـ 32)، فمحبة الله تعالى مرهونة باتباع النبي (صلى الله عليه وسلم) والطريق واضح يسلكه من شاء أن ينال هذه المحبة وهى تتمثل في اتباع سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بما تعنيه من أقوال وأفعال ومن بينها إجهاده صلى الله عليه وسلم نفسه في العبادة.
.. هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

أنس فرج محمد فرج

إلى الأعلى