الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (14)

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (14)

الارتجــال : لا يخفي أن هناك فرقاً بين عرض الأفكار المرتجلة وبين الإلقاء الارتجالي.
أما عرض الأفكار المرتجلة فهو عيب ينبغي اجتنابه،ولقد شاع من مأثور كلام القدماء أنهم كانوا يستعيذون بالله من الرأى الفطير، والعاقل هو من لا يستهين بالاقدام على عرض مالم يكتمل نضجه من أفكاره، فإن ذلك مغامرة قلما تسلم فيها العواقب ،ومن هنا رأينا فرسان البيان ماكانوا ينزلون إلى ميدان القول إلا وهم على أتم استعداد.
روى ابن هشام في السيرة النبوية أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ذكر الناس في إحدى خطبه بما قد حدث عند مبايعة أبي بكر رضي الله عنه بالخلافة فذكر أن أنصارياً تكلم قبله يومئذ،ثم قال عمر:(فلما سكت أردت أن اتكلم وقد زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر .. فقال أبوبكر على رسلك يا عمر فكرهت أن أغضبه وكان أعلم مني و أوقر، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهة أو مثلها أو أفضل) (السيرة النبوية لابن هشام).
فإذا كان عمر رضي الله عنه يحتاج إلى تهيئة خطابه، وإنتقاء كلماته بعناية فهل يستغني عن ذلك من يكون دون عمر تفكيراً وتعبيراً؟! ولقد قال ابن المعتز:
الفكر قبل القول يؤمن زيغه
شتان بين روية وبديهة
والبديهة الصائبة قد تكون موهبة لبعض الناس كبديهة أبي بكر في خطبته التي أشار إليها عمر ـ رضي الله عنه ـ غير أن في كلام الجاحظ ما يدل على أن البديهة سجية في كل العرب فهو يقول:(وكل شيء للعرب فهو بديهة وارتجال ، وكأنه الهام ،وليست هناك معاناةء،ولا مكابدة، ولا إجالة فكر ، ولا استعانة ، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام، وإلى الرجز يوم الخصام ، أو حين يمتح على رأس بئر، أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة أو المنافلة، فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب، وإلى العمود الذي إليه يقصد فتأتيه المعاني ارسالا، وتنثال عليه الالفاظ انثيالاً.
وكانوا أميين لا يكتبون ،ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر، وهم عليه أقدر وأقهر، وكل واحد في نفسه أنطق ومكانه من البيان أرفع ،وخطباؤهم أوجز ،والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ، أو يحتاجوا إلى تدارس، وليسوا كمن حفظ علم غيره، واحتذى كلام من كان قلبه، فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم ،والتحم بصدورهم واتصل بعقولهم، من غير تكلف ولا قصد، ولا تحفظ ولا طلب). البيان والتبيين للجاحظ.
ومن يشتهر بالقدرة على الارتجال في أيامنا هذه ، قد يفاجأ في بعض المناسبات فيطلب منه أن يلقى كلمة في موضوع ما، من غير إعداد سابق ولا اشعار متقدم، وقد يصحب ذلك الطلب إلحاح زائد ، وتتوجه إليه عيون الحاضرين فلا يجد مخلصا من القبول، فإن كان جيد الممارسة للارتجال كان آمنا من أن تخذله قدرته في مثل تلك الحال، ومع هذا فقد كان عليه أن لا يحضر مثل تلك المناسبات دون أن يستعد للكلام أتم استعداد، توقعاً لكل طارئة ،فإن لم يحدث ما توقعه ولم يفسح له مجال القول فليحمد الله على العافية.
وما من شك في أن الخطباء المرتجلين لابد أن تنال خطبهم أضعاف ما قد يكون لها من تأثير فيما لو قرئت من الورق، خصوصاً إذا أعدوا الأفكار بعناية ورتبوها أحسن ترتيب ،واهتموا بمراعاة فن الالقاء والأداء.
اما القارئ لأي خطبة من الورق فما هو الا قارئ وليس بخطيب إلا إذا قام بالقائها وإعدادها بالطريقة العلمية والفنية المعروفة، وإلا فان تواطؤ كثير من الخطباء اليوم على قراءة الخطب من الأوراق قد جرأ من لا يحسنون إلا القراءة والكتابة على أن اعتقدوا أنهم أهل للخطابة مادامت الخطابة بهذا المعنى لا تقتضى منهم إلا إن يقتني احدهم كتابا أو كتابين يشتملان على مجموعة من الخطب في مواضيع متنوعة، وفي كل أسبوع يختار منها موضوعا يقرأ عليهم ،وبهذا التصرف يعتقد أنه قد اصبح مؤديا لهذا المهمة على أكمل وجه.
إن الاستعداد الكامل للارتجال لا يتم الا إذا صحت في المرتجل قوى ثلاث وهي:القوة النفسية، والقوة العقلية، والقوة البيانية.
وكل خطيب لا تتفوق قدرته في مجال الارتجال إلا بمقدار نماء هذه القوى فيه، ولا تضعف قدرته الا بضعفها منه.
فالقوة النفسية هي أولى مؤهلات المرتجل أن يكون متمتعا بقوة نفسية كافية ،وهي التي يكون معها واثقا بقدرته الكاملة على كل ما يقتضيه الموقف،أما الضعف النفسى فهو أخطر الآفات التى تخذل المندفعين إلى ميدان الارتجال .
ومن مظاهر الضعف النفسى أن المصاب به يضطرب ويتلجلج في خطابه،وقد تعتريه حبسة لا يستطيع التخلص منها في موقفه وربما استحوذ عليه من أجلها خوف دائم فلا يعود معه إلى الارتجال في بقية حياته.
إن الضعف النفسي ينتج عن عدة أسباب،بعضها مستقر زمنا ليس بالقصير، وبعضها طارئ مفاجئ، ومن بين تلك الاسباب: تردد الخطيب في القدرة على الارتجال ولو كان على حظ عظيم من القوتين العقلية والبيانية، وتوقعه لبعض المفاجآت التي يضخم له الوهم أنواعها، وكذلك خشيته من العجز عن مجابهة بعض المفاجآت، ومن عدم تحمله لمرارة الهزيمة، وخوفه من أن لا يظفر بارتياح المستمعين لما يلقى عليهم، واحساسه بهذه الأسباب أو غيرها في صورة أمر مبهم، لا يدرك له حقيقة، ولكن رهبة الموقف الذي سيقدم عليه هي التي ابهمت عليه ذلك الأمر، وطمست معالمه، وضخمت حجمه لديه، فأصابه مجرد الوهم بالاخفاق، قبل اقدامه على أي أمر يمكن في الحقيقة أن يتسبب عنه الإخفاق.
إن هذه الأسباب المثبطة قلما تعترى النفوس المحصنة بالمران على الارتجال في الخلوات، أو في جمع صغير من الأصدقاء والاخوان، فإن لم تحصن النفس من قبل بالمران المناسب، سطا عليها الضعف ،واستولى عليها الخوف ثم الانهيار.
إن علاج الضعف النفسي في هذا المجال أمر ميسور،وذلك بإقصاء الهواجس المثبطة،وطردها عن النفس،وكلما مر بخاطره هاجس منها طرده سريعا، فلا يجتره،ولا يتركه يعود إليه قسراً، وكلما عاد إليه دفعه بضده، وأشعر نفسه بما يبعث فيها الثقة والاطمئنان، وذكرها بما عسى أن كان لها من مواقف الاقدام والثبات،وبما حققت في تلك المواقف من نتائج ، كما يذكرها بمواقف الرجال المتفوقين في هذا الميدان، وبأنهم ما انتهوا إلى تلك الغايات الا على مراحل لم تسلم لهم بدايتها من عثرات ، فلم ييأسوا من ادراك النجاح ،فكانوا لذلك من الفائزين.
كما يذكرها بأن عقلاء المستمعين إليه لابد أن يلتمسوا له الأعذار فيما لو يتعثر بعض التعثر، خصوصاً إذا كان في بداية اقتحامه لميدان الارتجال، فهم يدركون أن أصعب الأمور مباديها، وعلى احتمال أن تصيبه عثرات يحفضها عليه فريق من المستمعين ويعدونها من عيوبه فليمثل بقول القائل:(كفى المرء نبلا أن تعد معائبه).
ويجب أن يطعن بعنف في كل ما يساوره من أوهام التثبيط، حتى يسلم منها ويصح نفسيا، فينقلب تردده قوة عزم ويقين،ثم ليتوكل على الله وليشرع بكامل الثقة في إلقاء خطبته بنفسٍ مطمئنة لأن (إلقاء الخطاب بتردد وهمَة فاترة لا يكاد يكون له مفعول إيجابي ولذلك يلجأ المتكلم إلى كيفية عكسية ويتخذ مظهر الواثق من نفسه بصورة جريئة .. بمعنى أن من يتشجع يصبح شجاعا ومن يتقوى يصبح قويا قياسا على قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (.. من يتصبر يصبره الله)، ومهما تكن شكوكه وتردداته وتهيباته التي تساوره، فإنه لا يسمح لها بأن تظهر عليه في مسلكه.
والاحساس في سريرة نفس الشخص بأنه ـ يقيناً ـ على صواب قد يكون عوناً مهماَ في أحداث هذا الأسلوب المطمئن الواثق، وإن كان هذا الأحساس في الحقيقة غير ضروري لذلك.
فالخطيب المحنك الذي تعلم طريقة الأسلوب المطمئن الواثق يستطيع أن يجعل ذلك لنفسه كالقناع). (نقلا من كتاب(التفكير المستقيم) تأليف روبرت ثاولس).
.. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى