الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (97)
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله ، وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد : فـلا زال الحـديث مـوصولا عـن مـوضـوع : مـن مـواقـف الـرجـال:
مـن مـواقـف الكـرام : مـوقـف جابـر عــثرات الكـرام ، عـكـرمة الفـياض : يحكى أن عـكـرمة الفـياض كان كـثـير الاهـتمام بمساعـدة كـرام الناس ، الـذين تـتـقـلـب بهـم صـروف الـدهـر ، فـيفـتـقـرون تارة بعـد غـنى أو يـذلـون بـعـد عـز، أو يـتـنكـر لـهـم الأمـير عـملا بقـول الـرسـول الكـريـم صلى الله عـليه وسـلم :(ارحـمـوا عـزيـز قـوم ذل) ولـذلـك دعـي بالفـياض ، وبجابـر عـــثرات الكـرام ، وكان كـذلك مهـتـما بالأيـتام والفـقـراء والمساكـين وكان ذلك دأبـه.
وحـدث أن خـزيمة بن بـشـر الأسـدي ، وهـو كـذلـك كان مـن أهـل الـمـروءة والكـرم والشهامة ومـواساة الناس كـعـكـرمة الفـياض ، ألــزم بأمـوال خـراج كان قـد واسى بها الناس ، فـلـم يـبـق لـه شيء ، وبـقـيت عـليه بعـض الـديـون فـواسـاه بعـض معـارفه حـيـنا ثـم تـنـكـر عـلـيه أكـثر أصـدقائه وأصحـابه ، مما اضـطـره أن يـلـزم بـيـته وأقـفـل باب بيـته ، وأخـذ يـتـقـوت بما عـنـده حتى نـفــد واحـتار حـيرة بالغـة، ونال منه الهـم كل مـنال.
وكان عـكـرمة الـفـياض واليا عـلى الجـزيـرة ، وعـلم بـما آل إلـيه حـال خـزيمة بن بشـر الأسـدي ، فأخـذ أربعـة آلاف دينار وذهـب بها بنـفـسه إلى مـنـزل خـزيـمة لـيـلا ، وطـرق الـباب طـرقا شـديـدا حتى خـرج إلـيه خـزيـمة ، فأعـطـاه رقـعـة فـيها ألـف ديـنار وقال لـه : اصلـح بهـذا شـأنـك.
أمسـك خـزيـمة بلجـام الـدابة وقال : مـن أنـت جـعـلـت فـداك؟ قال عـكـرمة ما جـئت في هـذا الـوقـت وأنا أريـد أن تعـرفـني ، قال خـزيـمة : إذن لا أقـبله أو تخـبرني مـن أنـت؟ قال عـكـرمة : أنا جابـر عــثرات الكـرام قال خـزيـمة : زدني قال عـكـرمة : لا ولا كلـمة تسـمع مني غـيرها.
اثنى عـكـرمة عـنان فـرسـه ومضى ، ودخـل خـزيـمة بالكيـس إلى أهـله وقال لامـرأته : أبشـري فـقـد جـاء الـفـرج ، لـو كان في هـذا الكـيـس فـلـوس أو دراهـم لكانت كـثيرة ، قـومي فاسـرجي قالت : لا سـبـيـل إلى السـراج بقي خـزيـمة يتحـسـس الكـيـس طـوال اللـيـل آمـلا أن يكـون ما فـيه دراهـم لا فـلـوس ، فـلـما بـزغ الـفـجـر، وبـدأت الأمـور تـتـضـح ، وتظهـر ما في الكـيس عـلى حـقـيـقـته ، وظهـر أن ما بالكـيـس دنانـير لا دراهـم ذهـل ذهـولا شـديـدا ، وتـمـنى أن يعــرف مـن هـو الـذي يـدعـى جـابـر عــثرات الكـرام.
عـاد عـكـرمة إلى مـنزله فـوجـد زوجـته في غـاية القـلـق والخـوف عـليه ، فأخـذ يطـمـئـنـها إلا أنها بقـيـت تـولـول حتى أخـبرهـا بالحـقـيـقة ، وأكـد لها ألا تخـبر أحـدا كائنا مـن كان بـمـا كان ،صالح خـزيـمة غـرماءه ثـم ذهـب إلى أمـير الـمـؤمنيـن سـليـمان ابن عـبـد الـمـلـك بن مـروان ، وكان سـليمان يعــرفه جـيـدا قـبـل خـلافـته فـأذن له ، وبعـد السلام سـأله ما أبـطـأك عـنا يا خـزيـمة ؟.
قال خـزيـمة : ســوء الحـال يا أمـير الـمـؤمنـين ؟ . فــما منعــك مـن النهـوض إلـينا ؟ قال خـزيمـة ضـعـفي يا أمـير الـمـؤمنيـن . فـمـا أنهـضـك الآن؟ ، قال خـزيـمة : قـصـة غـريبة يا أمـير الـمـؤمـنـين .
فـحكى خـزيـمة قـصـته مـع عـكـرمة الفـياض حتى أخـذ سـليـمان يتـلهـف لـمعـرفـة هـذا الإنسان الكـريـم الشهـم الـوفي ، الـذي يأبى أن يـمـن عـلى أحـد بكـرمه.
فـقال أمـير الـمـؤمنيـن : حـبـذا لـو عـرفـناه وأعـناه عـلى كـرمه عـقـد أمـير الـمـؤمنيـن اللـواء لخـزيـمة عـلى ولايـة الجـزيـرة بـدلا مـن عـكـرمة ، فاتجـه إلـيها ، ولـم يلـبـث أن أخــذ عـكـرمة وحـاسـبه عـلى أمـوال الـولايـة ، فـبـقي عـليه مال فـحـبسه خـزيـمة ، وذهـب عـكـرمة إلى السجـن ولـم ينطـق ببـنـت شـفة وتـنكـر كـثير مـمـن لعـكـرمة عـليهـم أمـوال بعــد حـبـسه ، كحـال الناس الـذين هـم مـن أهـل الـدنيا في كل زمان ومـكان ، فأثـقـله خـزيـمة بالحـديـد ، حتى يـؤدي ما عـليه ، واسـتـمـر عـلى ذلك ثـلاثيـن يـوما ، فانـزعـجـت زوجـته عـليه ، فأخـبرت جـارية لها بما كان لعـكـرمـة مـع خـزيـمة ، وما جـازاه به خـزيـمة.
انطـلـقـت الجـارية إلى دار الإمارة واسـتأذنـت عـلى خـزيـمة مـدعـية أن لـديـها نصـيحة للأمـير ولا يمكـن أن تـبـديها لـغــيره ، فأذن لـها خـزيـمة ، فـقـالـت لـه الجـاريـة : ما كان جـزاء جـابـر عــثرات الكـرام عـنـدك أيهـا الأمـير أن تحـبسه والتضيـيـق عـليه ومـن هـو جـابـر عـثرات الكـرام ؟ قـالـت الجـارية : ســبحان الله : أما عـرفـت جـابـر عــثرات الكـرام ، وهـو سـجـيـنـك عـكـرمة الفـياض؟ قال خـزيـمة : واسـوأ تـاه جـابـر عــثرات الكـرام هـو غـريمي؟ قالـت الجـارية: أي والله أيها الأمـير.
جـمع خـزيـمة وجـوه الـبـلـد ، وذهـب بهـم معـه إلى السجـن ، ولـما رآه عـكـرمة نكـس رأسه ، فانكـب خـزيـمة عـلى عـكـرمة يـقـبـل رأسه ويـديه ، فـقال عـكـرمة : لـم هــذا أيها الأمـير؟، قـال خـزيمة : لـكـرم فـعـلـك وسـوء مـكافـأتي ، قال عـكـرمة : يغـفـر الله لـنا ولـك أيها الأمـير.
أمـر خـزيـمة بـفـك الحـديـد عـن عـكـرمة ، ووضـعـه في رجـلـيه فـقال عـكـرمة : ما ذا تـريـد مـن ذلـك؟ ، قال خـزيـمة : أريـد أن ينالني مـن الضـر ما نالـك ، أقـسم عـكـرمة عـلى خـزيـمة ألا يـفـعــل.
خـرج عـكـرمة وخـزيـمة معـا مـن السجـن ، وغــير خـزيـمة مـن حـال عـكـرمة الـفـياض ، ثـم أصـر عـلى أن يـذهـب به إلى أمـير المـؤمنيـن سـليمان بن عـبـد الملك ولما وصـل دخـل الحـاجـب فأخـبر أمـير الـمـؤمنيـن سـليمان ، فـقـال : والي الجـزيـرة يـقـدم عـليـنا بـدون إذن وبغــير أمـرنا مـع قـرب الـعـهـد به ، ما هـذا إلا لحـدث مهـم عـظـيـم.
فأذن لـه بالـدخـول فـدخـل خـزيـمة ، فـلـما رآه سـليمان سـأله : ما الـذي أقـدمـك ؟ قال أقـدمني العـثـور عـلى جـابـر عــثرات الكـرام قال أمـير المـؤمنيـن : فـمـن هـو ؟ قال خـزيـمة :هـو عـكـرمة الفـياض احـتـفى أمـير الـمـؤمنيـن بعـكرمة غاية الاحـتـفـاء ثـم أمـر لـه بـمال جـزيـل ، وعـقـد لـه اللـواء عـلى الجـزيـرة وأذر يـبـجـان وأرمـينية , وقال لـه : أمـر خـزيـمة إلـيـك ، إن شــئـت أبـقـيـته وإن شــئـت عـزلـته ، قال : بـل أرده إلى عـمله مـعــززا مكـرما يا أمـير الـمـؤمنيـن ، وبقـيا متحـابـين مـتعـاونـين متـنا صحـين حـتى فـرق الـمـوت بينهـما.

دوافـع العـمـل الصالح: قال الله تبارك وتعـالى:( ومن يعـمل من الصالحات وهـو مؤمن فـلا يخـاف ظـلما ولا هـضما ) (طه ـ 112)، وهـذا التصـور هـو الـذي سـيـدفـعه إلى العـمـل الصالح، أي العـمـل المعـتـدل المـتزن ، إلى العـمـل الــذي لا يصـدر إلا ممـن امـتلأ قـلبه إيمانا ، وبـذلك يصـبح راشـدا ناضـجـا في الإنسانية ، ويتصـور ما ينـفعـه فـيعـمله ، أو ما يضـره فـيجـتـنبـه.
وهـنا يـنـدفـع الإنسان الـمـؤمـن إلى العـمـل الصالح المـثـمر ، محاولا أن يجـعـل بينه وبين الـنـار وقـايـة ولـو بشـق تمـرة ، كـما ود في الحـديث النبـوي الشـريف:(اتـقـوا الـنار ولـو بشـق تمـرة)، وأن يطـعـم الطـعـام عـلى حـبه ابتغـاء وجـه الله سـبحـانه وتعالى، خـوفا مـن اليـوم العـبـوس القـمـطـريـر، قال تعـالى:( ويطـعـمـون الـطـعـام عـلى حـبه مسـكـينا ويـتيـما وأسـيرا ) ولسان حـالهـم يقـول:( إنـمـا نطـعـمـكـم لـوجه الله ، لا نـريـد منـكـم جـزاء ولا شـكـورا ، إنا نـخـاف من ربـنا يـوما عـبوسـا قـمطـريـرا ) (الـدهـر 8 ـ 10)
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى