الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الأساليب اللغوية في القرآن الكريم ودلالاتها وطرق استعمالاتها (9)

الأساليب اللغوية في القرآن الكريم ودلالاتها وطرق استعمالاتها (9)

أسلوبُ التعجبِ وصِيَغُهُ (3 ـ 3)
ومثالا على الفاصل الجار والمجرور والمنادى، نقول: قال عليٌّ- رضي الله عنه- عندما مر بعمار بن ياسر- رضي الله عنه- وهو مقتول، فمسح التراب عن وجهه، وقال :أعْزِزْ عليَّ أبا اليقظان أن أراك صريعا مجدلا .وإعراب القول المأثور عن عليٍّ- كرم الله وجهه- كالآتي:
أَعْزِزْ : فعل ماض ورد على صورة الأمر لا محل له من الإعراب .
عليَّ: جار ومجرور متعلق بالفعل “أعزز” .أبا : منادى منصوب بالفتحة الظاهرة لأنه من الأسماء الستة ، وهو مضاف .اليقظان : مضاف إليه .أن : مصدرية ناصبة . أراك : فعل + فاعل ضمير مستتر تقديره أنا ، والضمير مفعول به أول .صريعا : مفعول به ثان .مجدلا : صفة منصوبة .والمصدر المؤول مجرور بحرف جر محذوف قياسا ، وهو فاعل لأعزِزْ مجرور لفظا مرفوع محلا .
ملخص الفواصل: الفاصل، واحد منة هذه الثلاثة: الجار والمجرور، الظرف المنادى.
وأما الحكم الخامس : فيتلخص في حذف المتعجب منه ، يحذف من الصيغتين بشرطين:أ- أن يدل على المحذوف .ب- أن يكون المحذوف ضميرا ، ويشترط مع صيغة “أفعل به” أن تكون معطوفة على صيغة أخرى مثلها مذكور معها المحذوف .
أمثلة :”أسمع بهم وأبصر” ، وتحليله النحوي يكون هكذا ، أسمع : فعل ماض ورد على صورة الأمر مبني على السكون لا محل له من الإعراب .بهم : الضمير “هم” فاعل مجرور لفظا مرفوع محلا، وهو المتعجب منه. وأبصر: فعل ماض ورد على صورة الأمر والمتعجب منه محذوف لتوفر الشرطين السابقين والتقدير : وأبصر بهم .
وقال الشاعر:
فذلك إنْ يلقَ المنيةَ يلقَها
حميدا وإنْ يستغن يومًا فأَجْدِرِ
وتحليله النحوي هو: فذلك : اسم إشارة للبعيد مبتدأ مبني في محل رفع، واللام للبعد حرف لا محل له من الإعراب، والكاف حرف خطاب مبني على الفتح لا محل له من الإعراب .إنْ : شرطية جازمة حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب .يلق : فعل الشرط مجزوم بحذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره هو .المنية : مفعول به .يلقها حميدا: جملة جواب الشرط و”يلق” فعل مجزوم ،وعلامة جزمه حذف حرف العلة ، والفاعل مستتر تقديره هو ، والضمير مفعول به أول ، وحميدا : مفعـول به ثان ، والجملة لا محل لها من الإعراب جواب الشرط لأن الجواب لم يقترن بالفاء.
وإن: شرطية جازمة حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب .
يستغن: فعل مضارع مجزوم ، وعلامة جزمه حذف الياء لأنه معتل الآخر ، والفاعل مستتر جوازا تقديره هو. يوما : ظرف منصوب .
فأجدر: فعل ماض ورد على صورة الأمر، مبني على السكون وحُرِّكَ بالكسر لأجل القافية ، والمتعجب منه محذوف والتقدير: فأجدر به . والجملة في محل جزم جواب الشرط .
وقال الشاعر:
* جزى اللهُ عني والجزاء بفضله
ربيعة خيرا ما أعفَّ وأكرمَا
والتحليل النحوي للشاهد يكون كالآتي: جزى :فعل ماض مبني على الفتح المقدر لا محل له من الإعراب .الله: لفظ الجلالة مرفوع على التعظيم .عني: شبه جملة في محل نصب حال. و:الواو واو الحال حرف مبني على الفتح لا محل له من الإعراب .الجزاء: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة .بفضل: شبه جملة في محل رفع خبر ، والجملة في محل نصب حال ربيعة: مفعول أول للفعل “جزى” .خيرا: مفعول به ثان . ما: مبتدأ في محل رفع. أعف: فعل ماض ، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو ، والمتعجب منه محذوف تقديره: ما أعفها .أكرما: (فعل +فاعل) والمتعجب منه محذوف ، والتقدير: أكرمها، والحكم السادس: يدور حول جمود الصيغتين : كل من صيغة “ما أفعله، وأفعل به” جامدة غير مشتقة ؛ فلا تأتي منهما صورة أخرى؛ ولذلك لا يتقدم عليهما معمولهما : فلا يقال : فاطمة ما أعفَّ ولا بفاطمة أعزِزْ، والحكم السابع: يتعلق يزيادة (كان) بين ما التعجبية وفعل التعجب، تقول: ما- كان- أعف فاطمة (أي ما أعف فاطمة) ، ويكون إعراب “كان” هنا عندئذ فعلا، ماضيا، زائدا، لا محل له من الإعراب ، فصل بين “ما” التعجبية وفعل التعجب (أيّ بين المتلازمين)، والحكم الثامن يتصل بالأفعال الملازمة للبناء للمجهول ؛ إذ يجوز صوغ التعجب منها، فالأفعال : عُنِيَ وزُهِيَ وجُنَّ وزُكِمَ- هي أفعال ملازمة للبناء للمجهول ، فيقال عند التعجب منها : ما أعناه ! – * ما أجنه ! -* ما أزهاه ! – * ما أزكمه ! كأنها- لأجل لزومها صيغة البناء للمجهول- عوملت معاملة المبني للمعلوم، فصيغ منها التعجب بطريقة مباشرة، والأولى إعراب ما بعدها فاعلا، لا نائب فاعل، والضمير المتصل بها يُعرَب مفعولا به في نحو “ما أزكمه !”وما على شاكلته .
ومن الآيات التي ورد فيها التعجب بقسميه السماعي والقياسي في القرآن الكريم، قوله تعالى:” كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ” سورة البقرة (28)، ونحو:” وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” سورة آل عمران (101)، ونحو: “وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا: سورة النساء (21)، ونحو:” وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ” سورة المائدة (43)، ونحو:” وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ” سورة الأنعام (81) ، ونحو:” وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا” سورة الكهف (68)، ونحو:” قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ” سورة عبس (17)، ونحو:” أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ” سورة مريم (38)، ونحو:” قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا” سورة الكهف (26)، وهكذا تتضح استعمالات القرآن لأسلوب التعجب قياسيا كان أو سماعيا، وفي القياسي جاء بالصيغتين وصورهما ، نسأل الله ـ جل جلاله ـ أن يقفنا على أساليب كتابه، ومعانيها ، ودلالاتها، وجمال سياقاتها، وجلال معانيها، إنه ولي ذلك، والقادر عليه، وصلى الله، وسلم، وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين، وكل عام وأنتم بخير.

د/ جمال عبد العزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة
جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى