الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قصص الأنبياء للأطفال

قصص الأنبياء للأطفال

شعيب عليه السلام
كان أهل مدين بالجزيرة العربية يغشون في الميزان فيبيعون بضاعتهم ناقصة الوزن ويخدعون المشتري، وظنوا أن ذلك مهارة لزيادة الربح وفنا من فنون البيع والشراء يفتخرون به على غيرهم بكثرة ربحهم وبراعتهم في الاحتيال.
وصاروا يقطعون الطريق على المسافرين وينهبون أموالهم ويعتدون عليهم.
وكان لهؤلاء القوم واحة خضراء مليئة بالثمار والفواكه والأشجار الضخمة الملتفة.
أطلق أهل مدين على تلك الواحة “أيكة” وأخذوا يفتخرون بها ويطوفون حولها متعجبين من ضخامة أشجارها وروعة أزهارها.
وسوس الشيطان للقوم وزعم لهم أن تلك الأيكة أعظم شيء في الوجود ومعجزة باهرة تستحق العبادة والتقديس.
عكف أهل مدين على الأيكة في اهتمام شديد وانتهى الأمر بأن عبدوها وقدموا إليها القرابين واعتقدوا أنها تنفع وتضر.
وكان يعيش في مدين رجل مؤمن اسمه شعيب.. أوحى الله إليه وكلفه بدعوة قومه إلى عبادة ربهم الخالق وهجر عبادة الأيكة وعدم الغش في الميزان.
انطلق شعيب إلى قومه فرآهم جالسين في خشوع أمام الأيكة ويدعونها في توسل ورجاء .. اقترب شعيب عليه السلام من قومه وقال لهم:
((.. يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84)). سورة هود.
وأخبرهم بأن الله الذي رزقهم بالأولاد والأموال وأنزل عليهم الأمطار فأصبحت أرضهم واحة خضراء بعد أن كانت أرضا جدباء.. والله الذي خلق لهم السمع والبصر والأفئدة، ووهبهم عقولا يفكرون بها وألسنة يتحدثون بها.
وسألهم متعجبا: كيف تتركون خالقكم وتعبدون أيكة زرعتها أيديكم وسقاها الله بالمطر وأمرها أن تمدكم بالظل والثمر؟!.. كيف تعتقدون أنها تنفع وتضر وتشفي وهي مخلوق لا قدرة له ولا إرادة، وقد سخرها الله لخدمتكم؟!.
وأخذ النبي يذكر قومه بأنعم الله من حدائق مثمرة وسماء مرفوعة وأنعام مسخرة، ونهاهم عن قطع الطريق، وسرقة القوافل، والغش في الميزان، وبيَّن لهم أن ما يسمونه مهارة في التجارة هو في الحقيقة سرقة وغش.
وأوصاهم بأن يرضوا بما قسم الله لهم من الرزق فإنه يبارك في المال الحلال.
وأخبرهم أن الله أعد للمؤمنين جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، وفيها ما تشتهي الأعين من العز والنعيم والطعام والشراب.
غضب القوم من نبيهم وسخروا من كلامه فقالوا:
ـ (( .. يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)). سورة هود.
كنا نحبك يا شعيب ونظن أنك رجل صالح لكنك أغضبتنا لأنك سببت آلهتنا واتهمتنا بالانحراف والضلال.
قال شعيب في رفق: يا قوم لا أبغي سوى إصلاحكم وهدايتكم فقد أرسلني الله إليكم نبيا، وأمرني أن أدعوكم إلى عبادته، وأنهاكم عما يغضبه وما توفيقي إلا بالله عليه أتوكل في سائر أموري وإليه مرجعي ومصيري.
آمن عدد قليل من أهل مدين بنبي الله شعيب وفارقوا الأيكة وعبدوا الله، بينما استمر باقي القوم على عنادهم وكفرهم.
مكث النبي يدعو قومه في لين رغبة في إيمانهم، لكنه حين رأى آذانا صماء وعيونا عمياء وعقولا جوفاء لجأ إلى ترهيب القوم وتخويفهم من عذاب الله حتى تهتز قلوبهم فيبادروا إلى ربهم بالتوبة والإيمان فقص عليهم ما جرى للأمم السابقة كقوم نوح وقوم هود وقوم صالحوقوم لوط.
وختم شعيب عليه السلام حديثه قائلا:
آمنوا بربكم وتوبوا إليه قبل أن يصيبكم ما أصاب الأمم السابقة فإن عذاب الله شديد.. ارجعوا إلى ربكم فإنه أعد للكافرين نيران الجحيم، وجعل شرابهم الماء المغلي، وطعامهم الأشواك المرة.
غضب القوم من شعيب عليه السلام، وادعوا عدم فهمهم لكلامه وصاحوا في عناد:
(( .. يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز (91)). سورة هود.
اشتد حزن النبي وتعجبه لأن قومه خافوا من قبيلته ولم يخافوا من الله.
صاح شعيب عليه السلام: أقبيلتي أعز عليكم من الله وهو خالقكم ورازقكم ويعلم ما تبدون وما تكتمون؟!.
(( وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93)). سورة هود.
سخر كفار مدين من تهديد نبيهم، وشنوا حربا قاسية على المؤمنين، وانهالوا عليهم سبا وضربا كي يرجعوا عن دينهم، لكنهم ازدادوا تمسكا بدينهم، والتفوا حول نبيهم شعيب عليه السلام.
خشى الكفار أن يزداد عدد المؤمنين فتقوى جبهتهم وتشتد سواعدهم فضاعفوا من التعذيب ونهبوا أموالهم وأراضيهم وأسرع الكفار إلى شعيب وهددوه قائلين:
(( .. لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا.. (88)). سورة الأعراف.
تساءل شعيب متعجبا: تريدون أن يترك المؤمنون دينهم ويرجعوا للضلال؟!..
صرخ القوم في وجه المؤمنين: (( .. لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ (90)). سورة الأعراف.
قال المؤمنون: لن نترك ديننا أبدا مهما فعلتم.
قال الكفار لشعيب: ((.. إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186)). سورة الشعراء.
وبلغ تحدي أهل مدين ذروته فسخروا من شعيب وطلبوا منه أن يسقط عليهم نارا من السماء.
قالوا: (( فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187)). سورة الشعراء.
تألم نبي الله شعيب من تكبر قومه فلجأ إلى الله ودعا عليهم فاستجيبت دعوته.
سلط الله على كفار مدين الحر الشديد ومنع هبوب الرياح.. ارتفعت حرارة الجو بشدة.. وقف القوم تحت أغصان الأيكة الملتفة طمعا في نسمة هواء وقد أصابهم ظمأ شديد.. انهالوا على أوعية الشراب والآبار وعيون المياه فشربوا ما فيها.
استمرت موجة الحر المحرقة في مدين سبعة أيام دون أن يتخللها نسمة هواء تهدئ من قسوة الجو الخانق.
وفي اليوم الثامن أقبلت سحابة كبيرة فأسرع الكفار نحوها هربا من أشعة الشمس الملتهبة، ولما اكتمل عددهم تحت السحابة تساقط منها نيران أحرقتهم، وتزلزلت الأرض من تحتهم وعلت صيحة من السماء فأزهقت أرواحهم.
نظر شعيب إلى قومه الهالكين وخاطبهم قائلا:
(( .. يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)). سورة الأعراف.

ناصر عبد الفتاح

إلى الأعلى