الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / السلسلة الرمضانية

السلسلة الرمضانية

الحلقة (2) المقاصد في فضائل الصوم وفواضله
يأتي الحديث متتابعا لاستجلاء المغازي والحكم الإلهية في مدرسة الصيام، وقد سبق الحديث عن مقاصد الصوم من خلال نصوص الشريعة الدالة على وجوبه ومشروعيته. وفي هذه الحلقة نتكلم عن مقاصد الصوم في فضائله وفواضله، وقبل أن نتعرف على ذلك نشير أن توضيح المراد من الفضائل والفواضل للشيء؛ حيث إن الفضائل جمع فضيلة ويقصد بها كما قررته كتب اللغة كتاج العروس، ولسان العرب، ومختار الصحاح وغيرها: الدرجة الرفيعة من الشيء. أما الفواضل فهي جمع فاضلة، وبقد بها: الاسم من الفضيلة وتأتي بمعنى النعمة العظيمة. فمثلا عندما نقول: هذا الرجل شجاع، فهو متصف بفضيلة الشجاعة، وكل اسم وتصرف لهذه الفضية يطلق عليه فاضلة، فالشجاعة درجة رفيعة وهي فضيلة وكل ما يندرج تحتها من صفاتها كالإقدام والقوة والشهامة والمروءة فهي فواضل تجمع اسمها. وحيث أن مقام الحال يتضح مقاله بمثاله، فإنني سأضرب أمثلة بفضائل الصوم وما يتبعها من فواضل جمة لا يصل إليها إلا الواقف عند نصوص الشريعة، العارف بمقاصدها، المتفقه بأحكامها، الواقف عند حدودها بأوامرها ونواهيها. وسوف يكون ذلك بتناول الفوائد التي تجنى من هذه الشريعة حسبما بينتها الأحاديث القدسية التي يرويها النبي – صلى الله عليه وسلم – عن ربه، والأحاديث النبوية الشريفة الأخرى التي يقولها – صلوات ربي وسلامه عليه -. ونأخذ في هذا حديثا قدسيا، ونكمل في الحلقة القادمة حديثا نبويا شريفا حول مقاصد فضائل الصوم وفواضله. يقول النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحديث القدسي حكاية عن ربه:(كل عمل ابن آدم له، إلا الصّيام، فإنه لي، وأنا أجزي به. والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ ولا يسخب فإن أحد سابه أو قاتله، فليقل: إني امرؤٌ صائم، إني صائم. والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم، أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك. وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه). إن لكل مفردة من مفردات هذا النص دلالة إيمانية، ومقاصد إلهية، منها: المقاصد التي تستوعب من نسبة المولى الكريم عبادة الصوم إليه دون غيرها من العبادات، والتنصيص عليها دون سائر الأحكام، مع العلم أن كل الدين لله وحده، وهو المتفرّد بالتشريع دون سواه. ومن تلك الحكم والمغازي الربانية أيضا، بيان التشريف والتمكين والرفعة لهذه العبادة؛ لمباعدة الرياء عن الصيام فلا يمكن أن يرائي الإنسان في جوعه وجهده للتزلف إلى ملك أو مسؤول أو غيره. كما أن بعض الفقهاء ذكروا أسرارا أخرى لذلك منها: السرية والخصوصية الواقعة في عبادة الصيام بين الخالق ومخلوقه؛ حيث أن الصائم لا يمكن أن يطلع على حقيقة صومه وما يصاحبه من ترك المحرمات الخفيّة، والمحاذير الباطنية، إلا خالقه جلّ في علاه؛ فهو يترك ما تهوى إليه نفسه، وتطمح إليه غريزته، وتهفو إليه وجدانيته، لله وحده دون سواه، ويكون ذلك كله خلال فترة زمنية متواصلة طوال نهاره، بخلاف بقية العبادات التي يكون الترك فيها للمباحات في فترات دون أخرى كالحج الذي يترك في الإنسان الجماع وغيره من المباحات حال فترة إحرامه، والصلاة التي يترك فيها الإنسان الأكل والشرب وغيره في فترة زمنية وجيزة. أما الصوم فإن العبد يترك ذلك كله طول نهاره، ويؤمر أن يكفّ عن ذلك كله، فكان لأجل هذه الإضافة الربانية لهذه الشعيرة الفضل دون سواها. ولأجل ذلك جعل الله تعالى جزاء الصوم منفردا بالذكر؛ لبيان التعظيم والمكانة المرموقة للصابرين من الصائمين فهو يتكفل في إسداء عظيم الأجر والثواب لهم على مصابرتهم في أداء هذه الشعيرة. يقول الله تعالى مبينا عاقبة الصابرين:{ إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب }”الزمر/10″، وبلا شك أن الصائمين هم من الصابرين المرابطين على رباط التقوى، وهم جامعون لجميع أنواع الصبر المتمثل في الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على قدر الله بما يحصل للصائم من ألم الجوع والعطش، وما قد يتعرّض له المريض بمرض مزمن من آثار الصيام. ثم يبين النص القدسي فضيلة الثواب الذي هو “الجُنّة” بضم الجيم، والذي يراد به المكان الرفيع الذي يكون عليه الإنسان في الجزاء من صومه؛ من حيث إن الصوم يقي صاحبه من العذاب والعقاب الأخروي، وفواضل تلك “الجُنة” بأن يتحرّز الإنسان حال صومه من جميع ما يؤدي إلى الوقوع في العذاب، وبذلك يحمي نفسه ويحصّنها من أوحال الذنوب المهلكة والعياذ بالله تعالى. كذلك يتبيّن من مفردات النص القدسي المقاصد الشرعية التي تجنى من فوائد الصوم المضّمنة في فضائله وفواضله؛ حيث يتضح أن من حِكَمِ الصوم ترك الإنسان للخصام والقول الفاحش وسائر المنكرات، ولذا بُيّن في النص الإجراء الواجب اتباعه في حال تعرض الصائم لأي نوع من الخصومات والمخالفات وآفات اللسان من غيره بأن يتقي الله في صومه فيذكرها بحاله، ويذكّر غيره بحال صومه بقوله: “إني صائم إني صائم”. ومن المقاصد أيضا، بيان الفضل الكبير الذي ينبغي للإنسان كسبه من خلال عدم التضجّر والتذمر من رائحة فم الصائم؛ فيبيّن الله سبحانه ثواب رائحة فم الصائم في الدنيا والآخرة، وأنها أطيب عنده من ريح المسك. كذلك من فضائل الصيام بيان حسن الختام للصائم، من خلال ما يناله من عطاء وثناء وجزاء حال قيامه بأركان الصيام؛ فهناك فرحتان عظيمتان، الأولى: التوفيق من مولاه بأن بلغه إتمام عبادته وجعل له عيدا يباهي به المولى في مشهده الملائكة. والثانية: النعيم الذي يلقاه الإنسان عندما يلقى ربه يوم القيامة وصحيفته تشهد له على بره في صومه. وسنتناول في اللقاء القادم – بمشيئته تعالى – بيان المقاصد في فضائل الصيام من خلال حديث نبوي يوضّح مثوبة الصائمين وسبب استحقاقها، والجزاء العظيم، والنعيم المقيم، والثناء العميم الذي خص به الصائمون دون غيرهم في الجنة. وإلى ذلك الحال أستودعكم الله في الحل والترحال…

بقلم/ محمد بن سيف بن دويّم الشعيلي

إلى الأعلى