الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / آباء وأبناء(1-2)

آباء وأبناء(1-2)

السيد عبد العليم

” .. ليس في الغرب من يقوم بايداع آبائه دار المسنين. فالحال هناك يختلف عن هنا تماما. فالذهاب الى دار المسنين يكون طوعا واختيارا من قبل الآباء ويذهبون إليها بأموالهم وهي درجات حسب نفقاتها. فلا يتم ايداعهم فيها من قبل أهلهم، أبنائهم او غيرهم. وليست دار المسنين في الغرب كحال نظيراتها في بلداننا. اي ان الآباء في الغرب يكون لديهم أموالهم ومدخراتهم التي ينفقون بها على أنفسهم في كل مراحل الحياة، ولا يجلسون بانتظار ان يحن عليهم ابناؤهم ـ”
ــــــــــــــــــــــــــ
اطلعني صديق على مقطع مرئي (فيديو كليب) لشاب فيإحدى بلدان الشام يفاجئ الحضور خلال برنامج مذاع على إحدى الفضائيات باعتلاء الطاولة وركل أمه برجله عدة ركلات في وجهها. ثم شاهدت على إحدى الفضائيات مذيعة أحد البرامج تقدم هدايا وتجري حوارات مع اشخاص تم ايداعهم دارا للمسنين في القاهرة بمصر. فسألت احد هؤلاء عن أحواله، وأسباب دخوله الدار، فاخبرها بأن لديه ابن مهندسا ومتزوجا وابنة معلمة ومتزوجة ولم يرغب أي منهما في أن يقيم معهما. ثم التقت بآخر كان منهمرا في موجة بكاء حار وهو يشكو بأنه قضى سنوات طويلة في العمل خارج بلده من اجل توفير بيت لابنتيه والانفاق عليها في التعليم وتجهيزهما للزواج، وانه بذل كل غال ورخيص وضحى بسنوات عمره من اجلهما، فكانت مكافأته على ذلك بان قامت البنتان بطرده من البيت الذي بناه لهما ليحل به المقام في دار المسنين. ثم شاهدت إمام مسجد في المغرب يذكر خلال برنامج عبر احدى الفضائيات الدينية ان لديه ولدين وبنتين متزوجين وأحوالهم طيبة، وانه لم يدخر جهدا في الانفاق عليهم حتى باع بيته من أجلهم، لكنهم تخلوا عنه ليصبح شريدا ولا يجد مكانا يؤويه الا دار العجزة في بلده. ويذكر انه كان ينفق عليهم بسخاء ولم يبخل عليهم بشيء، ويقر بان خطأه الوحيد انه لم يعمل حسابا للزمن حيث اعطاهم كل شيء ولم يدخر لنفسه شيئا.
في الواقع فان هذه المشاهد وغيرها الكثير محزنة وغير مقبولة ويؤسف لها. وان كان وراءها الكثير، حيث تثير تساؤلات من بينها: هل تعلم وعرف الآباء مسئوليتهم الحقيقية حيال ابنائهم. اي ما هو مستحق عليهم تجاه ابنائهم شرعا وعلما وليس عرفا أو سيرا وفقا لعادات وتقاليد قد تكون غير صحيحة وغير سليمة. فالآباء مكلفون بتربية أبنائهم والانفاق عليهم حتى مرحلة معينة مثل الانتهاء من التعليم او تعليم ابنه او ابنته حال عدم قدرته او قدرتها على السير في طريق الدراسة مهنة او حرفة معينة يتقوت او تتقوت منها ويعتمدون على انفسهم عند هذا الحد. اعمالا بالقول المآثور “لاعبه سبعا وادبه سبعا وصاحبه سبعا، فان بلغ واحدا وعشرين، فاترك له حبله على غاربه”.
ثم يعمل الآباء ويجتهدون في حياتهم لأنفسهم وليس لابنائهم، الا اذا ألمت بابنه او ابنته ضائقة وكان في مقدور الآباء المساعدة من باب العطف والبر، وليس من باب الالزام. بل يمكنهم اقراضهم أموالا والاشتراط عليهم تسديدها حين ميسرة. فالآباء غير ملزمين ـ كما يتخيل البعض ـ بالانفاق على ابنائهم طوال عمرهم لتعليمهم وتزويجهم والانفاق عليهم على طول حياة الآباء. وكأن دور الآباء في الحياة مقصور على الانفاق على ابنائهم مهما كان جهد الآباء وكأنما فرض عليهم أن يفنوا اعمارهم لصالح ابنائهم. كلا، ليس هذا مطلوبا شرعا. بل عليهم ان يتولوهم حتى مرحلة معينة ثم يتركوهم يشقون طريقهم في الحياة. ويكون اهتمامهم بأنفسهم وان يستمتعوا بحياتهم على طريقتهم ويجتهد ابناؤهم ليحيوا حياتهم بالكاد والعمل والشقاء على طريقتهم ايضا مثلما كد واجتهد اباؤهم من قبل لتمضي دورة الحياة. وبعدما يعيش الآباء حياة كريمة من حر مالهم، ثم بقي مما ادخروه من أموالهم سواء أموالا او منقولات او عقارات او غير ذلك ومات الآباء فان ذلك ينقل للورثة وفي مقدمتهم الأبناء. اي انه يكون للابناء نصيب من مال آبائهم بعد وفاتهم حسب الميراث الذي حدده الشرع. وهنا يكون ترغيب الآباء في ان يتركوا لابنائهم ما فاض عنهم، والا يقوم الاب بتبديد أمواله في المفاسد او حتى بالتنازل عن كل امواله لجهات معينة حتى لو كانت خيرية وعدم ترك شيء لابنائه. واذا رغب في ذلك، فعليه الوصية بثلث ماله كحد اقصى ثم تذهب بقية تركته للورثة وفي مقدمتهم الابناء. وهنا يأتي الحديث الشريف”ان تترك ابناءك اغنياء خير من ان تتركهم عالة يتكففون الناس” كما ورد في حديث الوصية. وليس كما يرى البعض بان هذا الحديث عام بمعنى ان يفني الاب عمره ويشقى ويتعب ويحرم نفسه من كل طيبات الحياة من أجل ان يترك ذلك لأبنائه الذين ربما ـ بل في الغالب ـ ما يقومون بتبديد ذلك في وقت قصير لانهم لم يتعبوا فيه من الاساس.
والشاهد انه في حال الابوين المذكورين هنا وهما مثال لكثير من تلك الحالات هو الجهل بصحيح الدين. اذ كيف يتنازل ويتخلى الاب عن كل ما يملك لابنائه؟ ففي اي شرع يكون ذلك؟ ان اقصى ما يمكنه فعله حسب الشرع هو الوصية وهي بثلث ما يملك ولا وصية لوارث. فكيف له ان يتنازل لهم عن كل ما يملك ـ البيت ـ اليس هذا تحايلا على الشرع وانتهاكا له. لقد رأيت شخصا رزقه الله ببنات فقط ، فطلبت منه زوجته كتابة البيت لها حتى يكون لها ولبناتهما بعد وفاته ـ وكأنما ضمنت عمرها وعمره ـ ولا يرث معهم احد من اهله، ففعل ذلك. وقد شاهدته وهو يعيش ذليلا مهانا. فبعدما كان سيد البيت، صار ذليلا ومهددا بالطرد في كل حين ان لم يكن عن جاد فبالمزاح المهين أمام الأهل. ومن هنا فمن الخطأ القاتل ان يتخلى الاب عما يملك لابنائه. فيمكنه حسب قدرته المساعدة اذا كان ابنه او بنته تحتاج بالفعل. لكن لابد له ايضا من الاحتفاظ بالموجودات الخاصة به ويستمتع بحياته وبثروته التي ادخرها ولا يصبح عالة على ابنائه او غيرهم.
ولنا ان نتعلم من خبرات البلدان الاخرى في ذلك، فليس كل ما لدى الغير وخاصة الغرب شرا مستطيرا كما يرى ويروج البعض. ففي الغرب ينفق الاباء على ابنائهم حتى سن الجامعة ثم يتركونهم لحالهم. ويواصل الاباء حياتهم يستمتعون بها بطريقتهم الخاصة فنراهم يقومون بالرحلات والاستمتاع بكل مباهج الحياة والمشاركة في الاعمال الخيرية وغير ذلك.
وليس في الغرب من يقوم بايداع اباءه دار المسنين. فالحال هناك يختلف عن هنا تماما. فالذهاب الى دار المسنين يكون طوعا واختيارا من قبل الآباء ويذهبون اليها بأموالهم وهي درجات حسب نفقاتها. فلا يتم ايداعهم فيها من قبل اهلهم، ابنائهم او غيرهم. وليست دار المسنين في الغرب كحال نظيراتها في بلداننا. اي ان الآباء في الغرب يكون لديهم أموالهم ومدخراتهم التي ينفقون بها على انفسهم في كل مراحل الحياة، ولا يجلسون بانتظار ان يحن عليهم ابناؤهم ـ بعدما تخلوا لهم عن كل ما يملكون ـ ان شاءوا اعطوهم وان شاءوا حرموهم ورموهم في الشوارع.
ويجب ان يتم تعليم ذلك والتأكيد عليه حتى يصبح اسلوب حياة. وهو امر شرعي وليس ترفا او محاكاة لغير المسلمين وغير ذلك مما يرغب في ترويجه ضعاف التفكير وقليلو العلم.
فالحكمة ضالة المؤمن اينما وجدها اخذها. وعلينا ان نتعلم من تجارب وحالات نجاح الآخرين طالما لم يكن ذلك على حساب ديننا ومعتقداتنا الصحيحة. وليس الامر اتباع عادات وتقاليد تخالف العقل والشرع. وللحديث بقية.

إلى الأعلى