الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ

أبعاد

التدريب .. أولوية أولا وأخيرا
ألقت الأوضاع المالية التي تمر بها السلطنة في الوقت الراهن بظلالها على العديد من القطاعات، وعلى إثرها أقرّت الحكومة بعض الإجراءات الاحترازية لمواجهة هذه الأوضاع، وذلك بترشيد النفقات العامة في القطاع الحكومي. ومن ضمن هذه الإجراءات تقليص الإنفاق العام على أنشطة التدريب، والحد من التدريب الخارجي ما لم يكن ضرورياً.
وكما نعلم بأنّ السلطنة مُقبلة على مرحلة جديدة في تعزيز التنويع الاقتصادي، وذلك باعتمادها مشاريع تنموية ضخمة كمشاريع النقل والمواصلات والسياحة والتعدين والموانئ وغيرها. هذه المشاريع وغيرها تُحتّم علينا تدريب كوادرنا الوطنية حتى يكونوا قادرين على إدارة دفّتها. ومثل هذه المشاريع تتطلب تدريباً مستمراً لهذه الكوادر لتجديد المعارف والعلوم.
عربياً، أكدت بعض الدراسات بأن حجم الإنفاق العربي على التدريب يتراجع سنوياً، بل إن كل المؤشرات تشير إلى أنّ هذه الصناعة خاضعة لجهود شخصية، ولا توجد دراسات وإحصائيات دقيقة لحجم الإنفاق على التدريب في الوطن العربي. بالمقابل فإن حجم الإنفاق على التدريب عالمياً يبلغ قرابة 300 مليار دولار. ففي الولايات المتحدة الأميركية وحدها يبلغ نحو 152 مليار دولار بنسبة نمو سنوية تُقدّر بنحو 12 % .
وبناءً على ذلك، فإننا يجب أن نتعامل مع التدريب على أنه نشاط مؤسسي مهم جداً، وجزء لا يتجزأ من نشاط أي مؤسسة سواء كانت حكومية أم خاصة، لأن العائد منه لا شك بأنه سيكون كبيرا وملموسا. فهو يُعتبر أولوية ماسّة وضرورة مُلحّة للتطوير والتحسين ورفع كفاءة العاملين، وإكسابهم المهارات والمعارف الجديدة، مما يُسهم في تحسين الإنتاجية ودفع عجلة التنمية. إن التقدم التكنولوجي والتطور يؤدي إلى حدوث تقادم في الوسائل والأدوات والتقنيات المستخدمة، وذلك بلا شك يُحتّم علينا أن نتماشى مع هذا التقدّم بالتدريب المستمر.
لا شكّ بأنّ عوائق وتحدّيات التدريب في المؤسسات كثيرة، ولكن هناك العديد من الاستراتيجيات والوسائل للتّغلّب عليها. فعلى سبيل المثال تنفيذ البرامج التدريبية الجماعية سواء كانت داخل المؤسسة أو خارجها لما لها من فائدة وعائد ملموس على العاملين. وهذه الوسيلة لا شكّ أنها ستُساهم في تقليل التكاليف المالية إذا ما قُورنت بتكاليف البرامج التدريبية الفردية.
إن الابتكار في بيئة العمل وتحسين الإنتاجية، وغيرها من المفاهيم، كلها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمدى قُدرة المؤسسة على استثمار مواردها المالية لتدريب كوادرها ورفع كفاءتهم وقدراتهم المهنية والفنية.
وقد ذكر جون رينجرز في كتابه (٢٢ سراً إدارياً لتحقيق الكثير بالقليل) : “إن الحاجة ماسة للتدريب بالفعل. فالمنافسة العالمية والقوى العاملة دائمة التغيير والأشكال الإدارية الجديدة والتكنولوجيا الحديثة كلها أمور قد فرضت متطلبات وأعباء ضخمة على أفرادنا. وإذا كان على قوى عاملة صغيرة في شركة قلصت حجمها أن تؤدي وحدها كل الأعمال فلا بد من أن نرفع من مستوى مهاراتها”.
نعم، فالتدريب هو ركيزة مهمة لتطوّر المؤسسات، وبالتالي تطوّر الصناعة وازدهار الاقتصاد. فنحن بحاجة ماسّة إلى تدريب وتأهيل مواردنا البشرية وصقل قدراتهم ومهاراتهم.
أعتقد بأن التوجه الأمثل في ظل هذه الظروف وغيرها يجب أن يكون نحو إيجاد وتفعيل استراتيجيات وأدوات فاعلة لتطوير هذا المجال وليس تقنينه، بل التركيز عليه وإعطاؤه أولوية قصوى، وذلك بالطبع لا يتأتّى إلا بتكاتف جميع المؤسسات.
إن الفترة المُقبلة تُحتّم علينا إعادة النظر في بعض السياسات المالية وآلية تطبيقها بما يتناسب واحتياجنا الحقيقي والفعلي، ولا أشكُّ بذلك. وينبغي كذلك أن تكون القرارات مبنيّة على رؤى طويلة الأمد، وذلك حتى نتلافى المعوّقات والتحدّيات، حتى نكون جميعاً شركاء في صُنع النجاح وتخطّي الأزمات.

عبدالعزيز بن محمد الروشدي
a.alroshdi@squ.edu.om

إلى الأعلى