الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / “العطاء” لـ : علي المرشودي

“العطاء” لـ : علي المرشودي

عند تأملك للعمل الماثل أمامك قد تسكب عليه قطرات كثيرة من كأس المعاني فأنت لن تقف حائراً في منحه المعنى الذي ستجود به مخيلتك ، بل ستجد ذهنك يُركب الرموز المشاهدة بشكل تلقائي واصفاً معها حالة الشعور التي ستدخلك في فتحة من الأخيلة والأحاسيس ، لتعيش بصحبتها النشوة الفكرية والشعورية التي يقدمها الفن التشكيلي لمتذوقيه ، وستخرج في نهاية المطاف بعنوان للعمل يُحدد ملامح ذلك الشعور الذي قابلك في الوهلة الأولى من إلتقائك بالعمل الفني ، وما ناخ على جسده من حس ومعنى . هذا بالضبط ما تماثل أمامي حين وقفت للمرة الأولى أمام هذا العمل المُشبَع بالمعاني والرموز التي قادتني إلى أن أجعل هذا العمل في مرتبة متقدمة من النماء الفكري وبُعد الخيال والقدرة على اختزال الكثير من الجُمل والكلمات في عمل فني واحد وبرموز وقوالب متحركة ، لتمنحك وصفاً متألقاً للشعور الذي تُرسله مثل هذه الأعمال الرمزية .
يقودنا الفنان على المرشودي في عمله الذي أطلقتُ عليه اسم (العطاء) إلى علاقة الإنسان المتكاملة ، وعطاؤه المتعدد الجوانب بالعالم المحيط به ، وهو في ذات الوقت تعبير خاص حسيٌ مباشر ، أكثرُ تماسكاً وكمالاً وتعبير عن هذه العلاقة ، وهو من حيث مضمونه الداخلي ومنشؤه ، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنظريات النفسية والأخلاقية وغيرها ولكنه لا يتطابق معها بل يحتفظ باستقلال ذاتي نسبي ، كما أن الإنسان ليس مخلوقاً بيولوجياً مجرداً بل هو مجموعة علاقات اجتماعية ، وهذا ما أكد عليه الفنان على المرشودي من خلال اللقطات التي قدمها وحملها برموز ذات قيم جمالية تخدم هذه الفكرة وتؤكد عليها وأضاف إليها في بنائها التركيبي خطوطاً تمد الجسور لذلك العطاء عبر فوهات تدخل في العمق ثم تخرج منها مُعبرة عن أن العطاء قد لا يكون ظاهراً للعيان بل متوشحاً بستار السرية ليرسل الخير للآخر بدون أن يشعر بيد المعطي ، وكما أن هناك يدا تعطي في الحياة فإن هناك يدا تقطع ، ومثَّلَها بالسمكة ذات الأنياب القاتلة الشبيهة بالحية التي قد تلتهم عطاء الآخر أو تلتوى على جسده وتوقف حركة خيره وعطاءه ، ولكنه أتى بهذه الصورة في لقطة واحدة في المربع الواقع يمين أسفل اللوحة لتعبر عن كونها الحلقة الأضعف في هذه السلسلة ، وأن قوة الخير هي الأصل ولن تُعطلُها هذه الشِرذِمة القليلة .. كما أن الفنان جسد عنصر المرأة وأشار إليه مرتين بشكل مباشر دوناً عن الرجل في تأكيد على أن العطاء متأصل لدى المرأة بشكل أكبر ، وهو صائب في تعاطيه لهذا المعنى فعطاء المرأة لا يماثله عطاء وهي في الحب والعاطفة والحنو والأمومة وسخاء اليد أغزر من كل عطاء .. كما جمّل المرشودى عمله بلعبة لونية ذات ألوان صريحة ومباشرة تناغم فيها بين الألوان الدافئة والحارة وبدرجات لونية متفاوته ليؤكد على حدة المعنى بين البسط والقبض في فلسفة العطاء .
عموماً أود أن أشير في نهاية هذه القراءة ، إلى أن الفنان علي المرشودي يُعد من الفنانين الرواد في الحركة التشكيلية العُمانية وهو من الصادقين في عطائهم الفني ، ودائماً ما تجده يقدم أعمالاً فنية تُعبر عما يختلج في نفسه من رؤى وأحاسيس تجاه الحياة في إطارها العام والخاص ويملك في رصيده الفني الكثير من الأعمال التي تشهد له بهذا الفكر.

عبد الكريم الميمني
al-maimani@hotmail.com

إلى الأعلى