الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “الخروج البريطاني” .. اللاجئون والأمن في مواجهة الاقتصاد

“الخروج البريطاني” .. اللاجئون والأمن في مواجهة الاقتصاد

محمد عبد الصادق

”.. تخشى أميركا من احتمال أن يؤدي الخروج البريطاني لانهيار الاتحاد الأوروبي وعدم استقرار أوروبا, وأن تطلب دولاً أخرى إجراء استفتاءات على النمط الأنجليزي, بما من شأنه انهيار المشروع الأوروبي بالكامل والتأثير على منظومة الأمن الجماعي الأورو/أميركي في مواجهة الدب الروسي الوحيد الذي أعلن ترحيبه بالخروج البريطاني وحث بوتين الإنجليز للتصويت لصالح الانفصال. ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تشخص العيون وتشرئب الأعناق ناحية الجزر البريطانية بعد غدٍ الخميس لمعرفة رأي البريطانيين في الاستمرار في عضوية الاتحاد الأوروبي أو الانفصال, وسيطر موضوع “الخروج البريطاني” على ما عداه من أحداث ساخنة حول العالم, وتحولت كلمة “بريكسيت” التي كنت أظنها نوعاً جديداً من البسكويت أو اسماً لأحد المضادات الحيوية ـ إلى أشهر كلمة على محركات البحث الأوروبية على الإنترنت , واتضح أنها كلمة إنجليزية تشير إلى احتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ويقود عمدة لندن السابق “بوريس جونسون” حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي ويرى أن الاتحاد يفتقر إلى الديمقراطية ويسير على خطى أدولف هتلر ونابليون بونابرت اللذين سارا وراء حلم أوروبا الكبرى وكان مصيرهما الفشل والانتحار ولم تجن أوروبا من ورائهما سوى الخراب والدمار, ويرى جونسون أنه لا يوجد أصلاً ولاء لفكرة أوروبا, وليس هناك سلطة يحترمها أو يفهمها أحد ويتسبب هذا في فراغ ديمقراطي هائل, ويريد جونسون أن يعود البريطانيون أبطالاً لأوروبا مجدداً ويردد مقولات رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وينستون تشرشل عن حتمية استمرار بريطانيا العظمى المنتصرة في جميع الحروب التي خاضتها.
ويتهم جونسون ألمانيا بالسعي للسيطرة على أوروبا وهي الدولة المهزومة في الحرب العالمية الأخيرة, وأنها وراء تنامي التوترات الاجتماعية والاقتصادية والصراعات بين دول الاتحاد بفتحها الأبواب أمام المهاجرين ليغرقوا أوروبا ويغيروا التركيبة السكانية والجغرافية للقارة العجوز؛ ليسهل لها ممارسة الهيمنة والسلطة داخل الاتحاد ويدلل على ذلك بسعي ألمانيا للاستيلاء على الاقتصاد الإيطالي وإغراق إسبانيا والبرتغال في الديون وتدميرها الاقتصاد اليونانية وتحويلها لدولة مفلسة ويعتبر جونسون من أقوى المرشحين لخلافة ديفيد كاميرون في حال نجحت مساعيه في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي .
وحتى قبل ساعات من موعد انطلاق التصويت على “الخروج” مازالت أصوات البريطانيين منقسمة بين الرغبة في البقاء أو تفضيل الخروج رغم كل المناشدات بالبقاء داخل الاتحاد من داخل بريطانيا ومن خارجها وكان آخرها من كريستين لا جارد مديرة صندوق النقد الدولي ؛ التي حذرت من تراجع الانتعاش والنمو الاقتصادي الذي ينعم به البريطانيون في ظل الاتحاد الأوروبي , وكانت أقوى مناشدات البقاء من الرئيس الأميركي باراك أوباما , الذي أفصح عن قلق أميركا الشديد من احتمال “خروج بريطانيا” والذي ترى أميركا أنه سيكون له تداعيات جيوسياسية أوسع نطاقاً من أوروبا.
وأميركا تعتبر بريطانيا طرفاً حيوياً للشراكة عبر الأطلسي, وكانت دوما وسيطاً غير نزيه لصالح أميركا وجسراً للتواصل وحل الأزمات بين أميركا وأوروبا, ونقل رسائل ومخاوف “بروكسل” بأمانة وإخلاص للجانب الأميركي, فضلاً عن التعاون الوثيق بين البلدين في الجانب العسكري والاستخباراتي بما فيها التجسس على دول وحكام أوروبا, كما يوجد أكثر من 800 جندي بريطاني يخدمون في الجيش الأميركي, وتخشى أميركا كما جاء على لسان “أوباما” من أن تقف بريطانيا وحيدة تتفاوض مع العالم, وألمح إلى أنها ستكون في آخر الطابور في أي اتفاق مستقبلي في حال خروجها من أوروبا.
وتخشى أميركا من احتمال أن يؤدي الخروج البريطاني لانهيار الاتحاد الأوروبي وعدم استقرار أوروبا, وأن تطلب دولاً أخرى إجراء استفتاءات على النمط الأنجليزي, بما من شأنه انهيار المشروع الأوروبي بالكامل والتأثير على منظومة الأمن الجماعي الأورو/أميركي في مواجهة الدب الروسي الوحيد الذي أعلن ترحيبه بالخروج البريطاني وحث بوتين الإنجليز للتصويت لصالح الانفصال.
وأزمة الخروج البريطاني انعكست على الاقتصاد العالمي, في وقت لم تتعافى دول العالم من تأثيرات الأزمة المالية التي حدثت في 2008م وانهيار أسعار النفط, وبدأت تداعياته مبكراً متمثلة : في تراجع أسعار المواد الخام وأسعار الأسهم في البورصات العالمية التي كانت شهدت تحسناً ملحوظاً خلال الشهر الماضي ولكنها سرعان ما انتكست تحسباً للخروج البريطاني.
السبب الحقيقي لترجيح كفة الانفصال؛ هي الأمن وأزمة اللاجئين وخوف البريطانيين من استغلال تدفق اللاجئين من جانب العناصر الإرهابية(داعش وأخواتها) للتسلل بطريقة شرعية وارتكاب عمليات إرهابية على الأراضية البريطانية, ويرى الداعمون للخروج أن الانفصال عن أوروبا سيحقق مكسبين مهمين :هما القدرة على التحلل من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والتي تفرض على الدول الأوروبية استقبال المهاجرين ومنحهم حق اللجوء في حال نجاحهم في الوصول والتسجيل على الأراضي الأوروبية, وهو الأمر الذي سيجعل بريطانيا أكثر أمنا.
وتشير استطلاعات الرأي أن الكفة بدأت تميل لصالح الخروج منذ أحداث التحرش التي اتهم بارتكابها اللاجئين في كولونيا بألمانياعشاة احتفالات رأس السنة الميلادية في يناير الماضي, وازداد العدد بعد اعتداءات باريس وتصاعد حتى وصلت نسبة المؤيدين للخروج إلى 53% عقب حادث أورلاندو الذي راح ضحيته 50 أميركياً وارتكبه أميركي مسلم من أصول أفغانية ضد ملهى ليلي يرتاده المثليون, ودعوة دونالد ترامب المرشح الأميركي البريطانيين للخروج من أوروبا وطرد المهاجرين.
بالنسبة لموقف بريطانيا من حلف الناتو؛ يتفق المؤيدون والمعارضون للخروج من الاتحاد على استمرار التعاون العسكري مع حلف الناتو التي تعد بريطانيا أحد مؤسسيه الرئيسيين, واستمرار العلاقات الاستخباراتية والترتيبات الأمنية مع ما يطلق عليه “الأعين الخمسة” والتي تشمل الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا وكندا ونيوزيلندا, ويرى الفريقان أن التنسيق مع الجهتين هو الاختيار الأفضل للأمن القومي لبريطانيا.

إلى الأعلى