الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / سلسلة ما قبل الحدث النادر جدا (1)

سلسلة ما قبل الحدث النادر جدا (1)

روبرت فروست:
مشاعر الفقد والتعود على الليل
1
شخصني الطبيب مؤخرا بمرض عادي غير خبيث ولا خطير. مرض عادي. لكنه أضاف أنه في حالات نادرة جدا يؤدي الى الوفاة المفاجئة!، وقبل أن يحصل الحدث النادر جدا اتصلت بأخي فيصل العلوي محرر هذا الملحق لأنشر سلسلة من المقالات هذا أولها. ثم أن المحبين كانوا يسألونني لماذا لم نعد نرى لك أي كتابات؟ وقد تكون هذه مناسبة للكتابة من جديد. وستكون هذه الكتابات عن كتب لها علاقة بذكريات من دروب الحياة.

2

رغم عادية أبيات قصيدة (متعود على الليل) للشاعر الأميركي روبرت فروست (1874- 1963) فإنها تخفي ظلالا من المعاني العميقة خاصة أصوات المعاناة الخافتة. إن عادية التعبير، لا الغموض، هي التي تسمح لنا بتشارك الخبرة وهنا تكمن معجزة الشعر. لذلك ينعي الفيلسوف العربي أبو يعرب المرزوقي الشعر العربي الحديث الذي يحاكي الشعر الغربي الحديث بقوله : ” انه يحاكي الشعر الغربي الحديث دون أن يفهم أسسه الفلسفية والوجودية الحلولية والتثليثية. ولذلك فهو مجرد نقل أغلبه سرقات أدبية تتخفى تجملا باسم التناص الذي بلغ درجة لا يمكن أن يذهل عنها أدنى ناقد. ولعل من أكبر سخافات هذا الشكل الظن بأن الهلاميات الصوفية معرفة عميقة بالنفس البشرية في حين أنها مجترات خاوية لا تعبر عن أدنى تجربة ومعاناة فعلية “(1) . فعندما قرأت (متعود على الليل) لأول مرة خيل إلي أنها تصف حالتي الداخلية في السنوات التي كنت أعالج فيها نوبات الكآبة والحيرة بالمشي على شاطئ البحر باتجاه غروب الشمس في المساء فلا ارجع إلى القرية إلا بعد حلول الظلام (فترة 1981-1982 بعد عودتي من القتال في جنوب لبنان إلى جانب القوات اللبنانية الفلسطينية المشتركة وبعد إطلاق سراحي بعد تحقيق في مسقط استغرق 71 يوما). وحتى عندما ابتعثت للدراسة في الولايات المتحدة عاودت المشي في المساء لكن هذه المرة بمحاذاة نهر صغير قريب من مسكني.إننا نعرف من سيرة فروست أنه نفسه عانى اضطراب الاكتئاب طوال حياته حيث عاودته النوبات بين الفينة والأخرى. فهنا هو يمشي في الليل. يمشي في الليل يحاور عالمه الداخلي حتى أطراف المدينة أو ابعد ليس لان الوقت مناسب بل لداعي حالة داخلية. يقول (ترجمة هذا الكاتب):

على الليل قد تعودت
تحت المطر مشيت وتحت المطر رجعت
وبآخر عمود إنارة في المدينة قد مررت.

إلى الزقاق الأكثر إثارة للحزن في المدينة قد أمعنت النظر.
مررت بالحارس الليلي يؤدي عمله المألوف
غير راغب في الشرح أغضضت البصر.

وقفت وتوقف وقع أقدامي…
من شارع آخر من خلف البيوت
انتهت إلى سمعي
صيحة مقطوعة
لا تدعني أن أعود ولا تودعني.

ومن ساعة أبعد مضيئة تطاول السماء
أعلنت ليس الوقت صحيحا أو خطأ
فقد تعودت على الليل أنا.
الى جانب معاناة نوبات الاكتئاب حفلت حياة فروست بالمحن. توفى والده وهو ابن عشر ثم ماتت أمه بالسرطان في شبابه. في عام 1920 اضطر الى إدخال أخته الصغرى الى مصح عقلي حيث ماتت هناك بعد تسع سنين. كما عانت زوجته من نوبات الكآبة وتوفيت عنه عام 1938 بسبب السرطان. في عام 1940 انتحر ابنه كارول وفي عام 1947 ادخل بنته ارما الى مستشفى للاضطرابات الذهنية والنفسية. توفى ولده أليوت بالكوليرا. في حين ماتت ابنته مارجوري بعد الوضع. ربما من هذه المحن والمعاناة النفسية نفهم قوله المأثور ” ثلاث كلمات تصف الحياة: إنها تمضي”.لا تتوقف لموت احد أو حياته. ولا لفرحه أو حزنه. لذلك فان الصوت الخافت في قصيدته القصيرة المشهورة ( لا شيء من ذهب يبقى) هو صوت الفقد. لذا قال عنها الناقد الأدبي جورج باجي عام 1993 إنها في مجاز مرسل مركز تبرز تصور كلي ينتقل من تفاصيل نمو النبات إلى تاريخ المعاناة الإنسانية (ترجمة هذا الكاتب):

أول خضرة الطبيعة من ذهب
لونها الأصعب
الذي لا يبقى
فما يلبث أن يذهب.

وأول أوراقها زهرة
وإنما لساعة
ورقة وراء ورقة.

جنة عدن تغرق في الأسى
والفجر يغرق في النهار
لا شيء ذهبي يبقى.

ولهذا الشاعر الأميركي الفذ قصيدة أخرى مشهورة هي (طريق غير مطروق) تعد الى جانب قصيدته القصيرة ( لا شيء من ذهب يبقى ) و قصيدة (إصلاح جدار) أشهر قصائده على الإطلاق.فلا غرو في ذلك ففروست يعتبر من أهم شعراء الانجليزية من المتقدمين والمتأخرين. يعرف بأسلوبه البسيط والموسيقى المستمدة من الالتزام بالقافية وبحور الشعر الانجليزي. يقول في قصيدته طريق غير مطروق (ترجمة هذا الكاتب):

في الغابة الصفراء افترق طريقان
واأسفاه! لا استطيع ان أسافر فيهما معا
أنا المسافر الوحيد أطلت الوقوف
حدقت في أحدهما الى منتهى البصر
أنى أنعطف عند الأعشاب تحت الشجر.
بعيدا نظرت الى الطريق الآخر كما نظرت الى الأول
فرب دعواه أفضل
فهو عشبي يريد البلى؛
بيد ان المشي قد أبلاهما معا
وفي ذلك الصباح امتدا
تغطيهما أوراق أشجار لم تبلها قدم,
آه! ليوم آخر تركت الأول!
ولأني اعرف كيف تقود طريق الى طريق
سلمت بأني لن أعود.
سوف أخبر بهذا مع تنهيدة
سنوات وسنوات من الآن:
في الغابة افترق طريقان
وأنا اخترت أقلهما وطء قدم
وهذا أحدث كل الفرق.

هوامش :
(1) أبو يعرب المرزوقي ، في العلاقة بين الشعر المطلق والإعجاز القرآني ، دار الطليعة للطباعة والنشر: بيروت 2000، ص 12

محمد عبدالله العليان
إعلامي عماني وعضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA

إلى الأعلى