الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / غياب السرد في عرافة المساء لشيمة الشمري

غياب السرد في عرافة المساء لشيمة الشمري

إن مزج القصة القصيرة والزج بها في عوالم النصوص التي تقترب إلى اللغة الشاعرية أو فيما يسمى بشعر الحداثة أو القصيدة النثرية يحيلنا إلى التمعن والتفكر في ملابسات الفكرة وخاصة إذا ما خلت القصة تماما من أي عنصر من عناصرها الرئيسية، فهل نحن أمام تيار جديد من الأجناس الأدبية التي تواكب العصر في السرعة وتحقيق الهدف أم ذلك يعد من الترف الثقافي المعرفي الذي يختلط فيه الغث بالسمين، ولا يدرك ذلك إلا بعدما عاث مجموعة من الشباب المتحمس للكتابة فسادا في اللغة القصصية وحولوها إلى هياكل لا قيمة لها ولا دلالة منها ترتجى ولا معنى.
ونحن نقرأ المجموعة القصصية “عرافة المساء” لشيمة الشمري الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي في طبعته الأولى للعام 2014م بالتعاون بدعم من وزارة الإعلام بالمملكة العربية السعودية ممثلة بالنادي الأدبي في منطقة الباحة، والتي دشنتها الكاتبة في معرض مسقط الدولي للكتاب هذا العام ، وذلك لننبش ذلك الترف الثقافي في ما يسمى قصة ولا وجود للقصة أصلا ، إننا في عرافة المساء نظل نهتدي لنقنع أنفسنا أي فن نقرأ هل نصوص أم سرد أم ماذا؟! لقد انسحبت عناصر القصة كلها فلم يبقى إلا هيكل من اللغة يسمى قصة، صحيح أن الكاتبة أطلقت عليها قصص بحجم القلب كرمز للقصص القصيرة جدا لكن الصحيح أيضا أنه لم تتشكل مقومات السرد والقصة القصيرة حتى في بعض النصوص فهي شبه قصة أو شبه نصوص فهل نحن أمام جنس آخر مبتكر يمزج بين القصة والشعر كما تمازج مع الشعر مع النثر ليولد لنا القصيدة النثرية؟!، ولكن الأمر مختلف تما مع القصة بحيث لو مثلا اتخذت هذه الذريعة ندخل مباشرة في القصيدة النثرية، لست أدري ولكنني متيقن أن ثمة خلطا موجودا في عرافة المساء في تصنيفه كقصص قصيرة أو يندرج ضمن نصوص القصيدة النثرية أو فيما يسمى بشعر الحداثة.

فلنأخذ نماذج كأمثلة ولك أن تحكم عزيزي القارئ وتفند المسألة فقد بدأت القصة القصيرة جدا بعنوان تردد: “لو كنت أعلم أن حبك سيعلق قلبي بين نجمتين لتعلمت كيف أصنع أرجوحة..!” انتهت القصة وفي اعتقادي مثل هذا النص وغيره في عرافة المساء لا يندرج أصلا ضمن القصة القصيرة مهما كان حجمها!!.
فلنأخذ مثالا آخر بعنوان حكاية صدفة: “في الأصداف حب مسجون.. ما زال يستنجد بالمارة..”. بطبيعة الحال انتهت القصة فهل قرأتم قصة قصيرة بحجم القلب؟!
إن القص والحكاية والسرد في عرافة المساء غاب تماما، وانعدمت كل عناصر القصة من حدث وزمان ومكان وشخصيات وحوار وحبكة وعقدة وحل، فأصبح الجنس الأدبي للقصة مهاجرا لا وجود له أصلا، ولنأخذ أيضا نصا بعنوان صدى: “عندما وهبتك صوتي.. وهبته بدورك إلى الريح، واختفيت.. أنا الآن بلا صوت.. صوتي يسكن الغابات..!”. هنا نحاول أن نتمعن في المفردات التي تقودنا إلى الحكاية فلا نجد غير نصوص تندرج ربما ضمن القصيدة النثرية أو فيما يطلق عليه بشعر الحداثة.
وهكذا نأخذ مثالا آخر بعنوان تحدٍّ: “ذات يوم سأبحر عكس التيار.. سأنجو؛ وسيغرق التيار..”. انتهت القصة، وقد كان حريٌّ لكل من ساهم في هذا الاضطراب للجنس الأدبي -القصة- والجناية عليه أن يتدارك مثل هذا الخطأ لأنه يؤسس لما يأتي بعد من فكر وثقافة تؤدي ربما إلى التطاول للأجناس الأخرى فتلحق بها الضرر الكبير وخاصة عندما تتماهى مع بعضها البعض لتشكل قوالب لا قيمة لها من الناحية الفنية ولا الثقافية، فلنأخذ نصا آخر بعنوان حدوتة: “عندما افترقنا ظلي لم يتبعني… كان هناك يراقص ظلك..!”.

عموما حتى لا نكون مغالين في نقدنا الأدبي الذي دائما ما نصفه أنه غير أحادي النظرة، ولا يتجه بالقاطرة والمقطورة نحو الهاوية إنما من أجل فتح مسارات الإبداع لتواصل الرحلة مسيرها دون خلل، وكذلك دعواتنا المتكررة بفتح باب نقد النقد حتى تكتمل مقومات ودوافع الرحلة الإبداعية كلها، لنؤكد كما يبدو في اعتقادنا وكما هو واضح فيما استقر من أذهاننا أن عرافة المساء ولدت ولادة سريعة؛ فكانت ولادتها عسيرة، وربما احتاجت إلى عملية قيصرية فجاء المولود مشوها لا يُعرف جنسه، وعليه يتطلب من الكاتبة أن تأخذ بهذه المرأة إذا ما أرادت أن تكتب فن القصة القصيرة، وذلك حتى تتجاوز مثل العوامل المؤثرة في التشوه الحاد لتلافي تكرار المشكلة في المستقبل، لنأخذ مثلا هذه القصة أيضا بعنوان بديل: “تلك الصغيرة تشعر بوحشة.. تحضن أمها قائلة: أنت دميتي!”.
ونختم هذه القراءة السريعة التي تسبر بنا في عوالم النصوص القصصية بكافة عناصرها المثيرة والمشوقة لنجد في عرافة المساء كل هذا الجدب وكل هذا المحل وكل هذا الغياب لفن أدبي جميل ألا وهو القصة، لنجد نصوصا أعطيت الجنسية القصصية وهي لا صلة لها بهذا الوطن من قريب أو بعيد، لنؤكد لكل المبتدئين من القاصين والقاصات في مختلف ربوع وطننا العربي بأن القصة أمانة يجب المحافظة عليها من الضياع، وهذه الأمانة باستطاعتكم تنميتها من خلال القراءة لكبار القاصين العرب والعالم لتطوروا هذا الجنس وتعملوا على حبكه ونسجه بما يجعلكم راضين عن كل ما تقدمونه خدمة للأدب والثقافة والحضارة، ولنحترم جميعا القارئ العربي في أي زمان ومكان، وأقول لمن ساهم في تغريب هذا الجنس الجميل لن ترحمكم الأجيال القادمة فيما كتبتموه من قصص لم يبق فيها عنصر واحد يكون لكم حجة بأن ما كتب فعلا يدُّ قصة، ولدور النشر المساهمة في هذه المأساة نقول لهم لا بد من قراءة الأعمال المقدمة للنشر قراءة فاحصة دقيقة، فأنتم أس الطبخة وأساسها إن احترقت فلن تحترق وحدها فقد يطولكم شررها ، وإن قدمت بشكل لائق وحضاري ستكون لكم الرفعة والفائدة ولو بعد حين، ونختم بقصة لكم أن تتأملوها وتفحصوها وتصنفوها إن كانت قصة أو جنسا أدبيا آخر!. وهي بعنوان حدث: “كل ما أذكره أنك لم تكن أنت حين افترقنا.. لذا لم تعد!”.

ناصر الحسني

إلى الأعلى