السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ

رحاب

أحمد المعشني

الباقيات الصالحات في روضة أبي وقاص بالصين
**
قام بمسيرة طويلة من محيطات بعيدة. جاء إلى المشرق يدعو إلى الإسلام دين حياة، يدعو لنشر الحق. وفي الصين نال الاحترام منذ قرون. هذه مقاطع شعرية تمت ترجمتها من اللغة الصينية، ونقشت بخط عربي قديم على مدخل روضة الصحابي الجليل أبي وقاص، الذي جاء الى الصين كما تذكر المراجع الصينية في الفترة ما بين عام 622-628م، خلال فترة حكم أسرة تانغ. تشير النصوص التي كتبت عن هذا الصحابي أنه كان رجلا فطنا، عالما بالإسلام، لقي استقبالا مبجلا من الإمبراطور تانغ تي شونغ، الذي صرح له ببناء أول مسجد في الصين. ويسمى هذا المسجد في اللغة الصينية (هوايتشنغ ) ومعناه إحياء ذكرى النبي، أو الشوق إلى النبي. توفي أبو وقاص في العام الثالث من حكم أسرة تانغ، وبالرغم من اختلاف الروايات العربية إن كان هذا الصحابي هو سعد بن أبي وقاص أو صحابي آخر، إلا أن الرجل كان أول من نقل كلمة لا إله الا الله إلى الصين بالقدوة والفطنة والموعظة الحسنة. ويعرفه الصينيون حتى اليوم بأنه أول ناشر للدين الحق في الصين، وبسببه بقي الصينيون يحبون الدين الإسلامي حتى اليوم، وعلمت من مرافقي الصيني يوسف علي أن حكومة الصين بقيت تدعم المسلمين وتخصص لهم مقاعد دراسية بمعايير تنافسية أدنى من اقرانهم الصينين من غير المسلمين بنسبة 30%، بل وتساهم في دفع رواتب أئمة المساجد الأهلية، ويلقى المسلمون اليوم احتراما وتبجيلا بسبب الصورة المشرقة التي نقها أبو وقاص رضي الله عنه الى هذه البلاد.
خلال تواجدي في مدينة (جوانزو) بالصين أو ما يطلقون عليها (قوانغتشو ) تشرفت بزيارة تلك الروضة والصلاة في مسجد أبي وقاص، الذي يقع ضمن الروضة التي تسمى باسمه على ربوة جميلة تشعرك بالسكينة والطمأنينة، يرتادها المسلمون وغير المسلمين في أوقات مختلفة، فيدعو المسلمون لهذا الصحابي ثم يؤدون فروضهم في المسجد، بينما ينعم غير المسلمين بروحانية المكان. أدينا صلاة فريضة العشاء ثم صلاة القيام وصلاة الشفع والوتر في المسجد وكان مكتظا بالمصلين؛ النساء يصلين في الدور العلوي والرجال يصلون في الدور الأرضي. أمنا أكثر من قارئ للقرآن وجميعهم يقرأون القرآن بصوت واضح وجميل ومجود، ويبدو أنهم من الشباب العربي الذين هاجروا للدراسة أو للعمل واستقروا هناك. والذي لفت نظري ونال اعجابي أن الإمام بعد أن فرغ من الأربع ركعات الأولى من صلاة القيام، طلب من المصلين خلال الاستراحة التي يخصصها بعض أئمة المساجد عندنا للخواطر والوعظ الخفيف، طلب من المصلين أن يرددوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. تصرف يثلج الصدر ويظهر حكمة الإمام، حيث أن كثيرا من المصلين من غير العرب وهذا الذكر هو أفضل مضمون يجمع المسلمين على اختلاف مذاهبهم ولغاتهم، فمنهم الصيني والهندي والباكستاني والأفريقي وسحنات أخرى لم أستطع تصنيفها. لامست نشوة الذكر أعماقي وأنا أستمع إلى صوت المصلين وهم يرددون بصوت جميل خاشع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر مائة مرة حسبما طلب منهم الإمام. عادت بي الذاكرة إلى أعوام مضت عندما استقبلت زائرا هنديا يدعى الشيخ أحمد الباقوي، فسألته يومئذ عن معنى الباقوي، فأخبرني بأنها مشتقة من الباقيات الصالحات، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: الملة، قيل وما هي يا رسول الله؟ قال: الملة. قيل وما هي يا رسول الله؟ قال: الملة. قيل وما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى