السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من الإصدارات العمانية

من الإصدارات العمانية

(قواعد النجاح في الحياة)
لقد شكّل الشيخ الراحل خلفان بن محمد العسيري ـ رحمه الله تعالى ـ الصورة المتوازنة للإنسان الذي جمع بين طيبات الحياة ومقوماتها ليسخرها في بناء الأرض وتنمية العقول وتبليغ رسالة الله وإن من أكثر الصفات التي ساعدته على بلوغ مراده التفاؤل والصبر، وكانت لقاءاته ومحاضراته تضج بالحضور للاستماع إلى حلو كلامه وخبرته وخلاصة تجاربه وحكايات من تجارب الآخرين من هذا نفهم معنى ما كان يريده ـ رحمه الله ـ حينما يتكلم عن خطوات النجاح وخطة الحياة التي ينبغي أن تكون حاضرة عند كل أمرىء لتحقيق الاهداف.
وقد وجّه الشيخ خلفان بن محمد العسيري معد هذا الكتاب إلى خطوات النجاح في الحياة وذلك من خلال اللقاءات التي جمعته مع الشيخ وجاء كتاب:(قواعد النجاح في الحياة) من إعداد: سليمان بن حمد الطوقي متضمناً الخطوات التي يجب أن يأخذها الإنسان في مشوار حياته الكتاب صدر عن مكتبة الصحوة.
وإلى قواعد النجاح في الحياة أولُ هذه القواعد:(العبادة)، فهي تحتاج لذهنٍ صافٍ وقلب نقي لتشعرَ بلذتِها، واعلم يا بني أنّ العبادة تؤثرُ على الروح حينما لا يكون هناك ما يحجبها عن بلوغ سويداء القلب، فإنّ العبَادة إن آتت أكلها في الإنسان انعكست على سلوكه وتحكمت في تصرفاتِه، وجعلته عبداً مخلصَاً لله، وبذلك يحققُ الهدف الأسمى من الخلقِ والإيجاد، (وما خلقتُ الجنّ والإنسَ إلا ليعبُدون) (الذاريات ـ ٥٦)، والعبَادة ليست محصورة في الصلاة والصيام فحسب، بل كل عملٍ وقولٍ تتقربُ به إلى الله عز وجل، غيرَ أنّ الصلاة من أهمّها فهي صلة مباشرة بينك وبين ربّك، وهي مقياسٌ تقيسُ به مدى قربِك وابتعادِك عن الله، فالله تعالى يقول:(وأقم الصَّلاة إنَّ الصلاةَ تَنهى عن الفحشاء والمُنكر) (العنكبوت ـ ٤٥)، فإن وجدتَ في نفسِك سلوكاً معوجاً فانتبه لصلاتِك فقد يكونُ الخللُ فيها، وإن رأيتَ ثقلاً في ذكرك لله فارجع لصلاتك، تلذذ بها واستشعر موقفك العظيمَ أمامَ الله وأنت تؤدي الصلاة، تهيأ لها وادخلها وأنت حاضرُ القلب، وتذكر حديث النبي الكريم (جُعلت قرةُ عيني في الصلاة)، واحذر المعاصِي فإنّها حَاجزٌ عن استشعارِ لذة العبادة، وحاجبٌ عن نعمِ الله ورحماتِه، فإذا طبقتَ قاعدة العبَادة الخالصَة لله فأنت قد حققت أهمّ قواعد النجاح.
والقاعدة الثانية هي:(المعرفة)، تذكر أن “اقرأ” أول كلمة نزلت في كتاب الله فأولها أهميّة بالغة، فما عُبد الله بجهل أبداً، فالمعرفة تزيدُك قُرباً من الله وتزرعُ في قلبك اليقين التامّ بحقيقة الخالق الحق وعظمتِه، وبالمعرفة ترتقي في حياتِك الدنيا والأخرى، فالله تعالى يقول:(يرفعِ الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلمَ درجاتٍ) (المجادلة ـ ١١)، والقراءة تزيدُك معرفة بما يدورُ حولك في شتى المجالات، وتستطيعُ بإذن الله أن تكون أكثر تأثيراً بالمعرفة، وفي المقابل يمكنُ أن تكون عُرضة للتأثر سلباً حينما لا تملك المعرفة.
إذن عليك بالقراءة والبحث، فالأمم ترتقي بما تملكُ شعوبُها من رصيدٍ علمي خلقي وتنحدرُ وتهوي حينما تكون المعرفة والأخلاقُ آخر اهتماماتِها.
أما ثالث هذه القواعد فهي:(الوقت)، فهو رأسُ مال الإنسان، وهو من أعظم النّعم التي تجبُ المحافظة عليها، ففي الحديث:(نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من النّاس، الصحة والفراغ)، فأنت إن ثمّنت الوقتَ وقدّرتَه فقد اختصرتَ لنفسِك مسافات طويلة، وإن أهدرتَ الوقتَ وأعطيتَ لنفسك المجالَ للخوضِ في القيلِ والقَالِ والكلامِ الفارغ الذي إن لم يجنبك الشر لن يأتيك بخير فقد ضاعت أمامَك فُرصُ النجاح لأنّ عِقداَ مهمّاً من قلادة قواعد النجاح قد انفرط، واحرص من التهاون في الدقيقة، فاليوم إن تهاونت في الدقيقة فغداً ستتهاون في عشر دقائق وبعدها في الساعة ثم في الليالي ثمّ لن يكون لعمرك قيمة عندك، وستعيشُ سبهللاً بلا هدف ولا رؤية وإن وصلت إلى هذا الحال فأنت حيٌ كميت.
ورابعُ القواعد التي لا يجوز أن تفرط فيها:(الرحِم)، فلا تجعَل اشتغَالك بأمر دنياك ملهياً لك عن صِلة رحِمك، فربنا تعالى قرنَ صلة الرحِم بتقواه حينما قال في كتابه العزيز:(واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) (النساء ـ ١)، وعدّ قطعهم من الفساد في قوله:(فهل عسيتُم إن توليتُم أن تُفسِدوا في الأرض وتُقطعوا أرحامكم) (محمد ـ ٢٢)، صلهم قدر ما استطعت، قدم لهم الهدايا، ولا تنس أن تقدم لهم النصيحة التي تحييهم فهي من أفضل الصِلة، أعنهم على شؤون دينهم ودنياهم فأنت مسؤول، ولا تُخل نفسك من هذه التبعة، فالله أمر رسوله الأكرمَ بذلك في قوله:(وأنذر عشيرتَك الأقربين) (الشعراء ـ ٢١٤)، وتذكر (من أراد أن يُنسأ له في أجله ويُبسط له في رزقه فليصل رحمه)، فالصلة كما هي استجابَة لنداء الله فهي تحببُك إلى أهلك وتعينُك على وضع بصمَة خير تُذكرُ بها بعد رحيلك، وما أطيبَ أن ترحلَ وقد تركت أثراً طيباً ودعواتٍ من أحبّة لا تنقطعُ عنك في وقت أنت في أشدّ الحاجة إليها، ومن القواعد الأساسيّة التي تحقق لك الاستمراريّة ـ بعون الله – للوصول إلى أهدافك.
والقاعدة الخامسة:(الصحة) وهي رأس مالك بعد الوقت، فكيفَ تتصورُ إنساناً اجتمعَ لديه المالُ والبنونَ لكنّه عليلٌ؟ ما الشعورُ الذي ينتابُه؟ إنّ مثلَ هذا الإنسان يعسرُ عليه أن يحققَ كثيراً من الأهدافِ على الوجه الأمثلِ، ناهيك عن عدم قدرتِه على القيامِ بشؤونِ أهله وذويه ومَن عليه عولهم، ليسَ في الجانب الماديّ فحسب، بل حتى في الجوانب الأخرى، من هنا تدرك أنّ الوقايَة خيرٌ من العلاج، قِ نفسَك من المرض بالمداومَة على الرياضَة واتباعِ الإرشادات العامّة في شؤون الأغذية الصحيّة وواظب عليها، وتذكر:(العقل السليم في الجسم السليم).
والقاعدَة السادسَة هي:(المال) فهو ليسَ حِكراً على أحد ولا هو لفئةٍ دون أخرى، فالمؤمن إن كان قوياً بدينه وإيمانه فهو أقوى بمالِه الذي استخلفه الله عليه، يمدُّ إحدى يديه لمُحتاجٍ والأخرى ليتيم والثالثةُ لمشروع خيريّ والرابعة لبرنامجٍ علمي، يمدُّها كلها في آنٍ دونَ تكلفٍ، ولك أن تتخيلَ أنّه بسيط الحالِ مادياً ما الذي يمكنُه فعله أمامَ هذه الأبوابِ المتلهفَة للمسارعين في الخيرات لترتوي من سخائهم فتروالمستحقين!! بل كيف ستنالُ أجر المتصدقين وأنت فقير؟ وكيف ستستقلُّ بحياتك وأنت محتاجٌ لكل فلسٍ من الراتب نهايَة الشهر تنتظرُه ولا تستطيعُ فعلَ شيء بدونِه؟ فالراتبُ يستعبدُك ويزيدُ الاستعبادُ حينما تنتظرُ الترقيَة فتأتيك أو لا تأتيك، وإن أتتك قد لا تشفي غليلك ولا تسدُّ حاجاتِك أمامَ متطلباتِ الحيَاة الكثيرة، وانظر في الجانب المقابل إلى الذين يقضون إجازاتِ الصيفِ خارج بلدهم للاسترخاء والاستجمام وتجدُ نفسَك غير قادرٍ أحياناً على السفر إلى دولة مجاورة فضلاً عن سفرك لرحلة ترفيهية في الخارج، ألا تدورُ في ذهنك هذه التساؤلاتِ فتحركُ نفسَك للجد والكسب؟!أطرقتُ برأسي وأنا أتصفحُ ذاكرتي وخيالُ المالِ يداعبُها، أتخيلُ سيارة فخمة، وفيلا راقيَة، وسفرتين سنوياً على أقلّ تقدير، وامتلاك مشروع يغنيني عن راتب وظيفتي، وبينما الخيالُ يتنقلُ بي بين جداولِ البساتين، والسُحب البيضاء من تحت الطائرات وهي تطير إلى حيثُ تمنيت، وإلى أحلام اليقظة، استوقفني بآخر عباراتِه في هذه القاعدة حينما قال وكأنّه يحذرني: لكن عليك أن تعلم جيداً وتوقن أنّ المال يكون في اليد لا في القلب، انتبه ولا تخاطر فتجعلَ المال في قلبك فيتحكمَ فيك ولا تتحكم به، يدعوك لتكثرَ منه على حسابِ أساسياتِ الحيَاة فتهملَ عبادتك وصحتك ورحِمَك، فإن كنتَ كذلك فقد فقدتَ الغاية الحقيقيّة من استخلافك فيه.
فإن توفرت لديك هذه القواعد واستجمعت أساسياتِها غدا لزاماً عليك لتحظى بالقربِ من الله الوهاب أن تستحضر هذه القاعدة المهمّة وهي: (النوافل) التي تقرب إلى الله تعالى بشتى صنوف العبادة، الصلاة والصدقات والابتسامة والكلمة الطيبة والصفح عن المسيء..إلخ، ولا تحقر من المعروف شيئاً، فإن أردت أن تتصدق ولا تملك سوى مبلغٍ ضئيلٍ فلا تتردد لقلته، فأجرك يكتبُه لك الله على قدر نيتِك، فإن كان الرحيمُ يكتبُها لمن لا يتصدق لأنّه لا يملك المال لكنّه نوى فكيف بمن يتصدق؟ ولا تحتقر ركعتين في جوفِ الليل أو قبلَ الفجر تؤديهما تقرباً، فركعتان خيرٌ من لا شيء، وإن داومتَ عليها مُخلصاً استشعرت اللذة وأدمنهما أو زدتَ عليهما، وكلما تقربتَ إلى ربك بالنوافلِ غدوتَ أقربَ إليه، وكلما تقربتَ منه ازددتَ حُبّاً، وإذا ازددتَ حُبّاً كان حظُك أعظم عندَه، وإن كنتَ كذلك فما الذي ترجوه أكثر في هذه الحيَاة؟! وتذكر أنّ كل ما تفعله من الخير أعلاه يعني التقرب إلى الله، وأنّ الله تعالى سخرك لخدمة البشرية وأنت أحدُ المعوّل عليهم لبناء الأرض وإعمارها، فلا تُقصِ نفسَك ولا تكن بمعزلٍ عن البناء هذا، فإن لم تقم بهذا الدور وأنت مؤمنٌ قام به غيرُك وشغل محلك، فكن المحورَ الذي يُديرُ الحياة فالمؤمنُ القوي أحبُ إلى الله.
وآخرُ هذه القواعد التي تنظمُ شؤونك (الأوليّات): فقد تعترضُك مواقفُ في حياتِك وتخيرُك بين أمرين أو أكثر ولا تجدُ أمامَك خيارٌ سوى أن تنفردَ بواحدة منها، هنا لا بد أن تعلم كيف تختارُ، فقد تُقدمُ على فعلِ شيء كان عليك تأخيرُه والقيامُ بما هو أولى منه، وبذلك تضطرُ لاستهلاك وقتٍ إضافي بسبب عدم اختيارك الصحيح، فلو خُيّرت بين مواصَلة دراسَتك العليا ووظيفة مثلاً فأيهما ستختار؟ قد تختارُ الوظيفة وبعدَ سنواتٍ تندمُ على ذلك لأنّ غيرك اختار الدراسَة وأخذت منه أشهر أو سنوات بسيطة لكنّه تفوقَ عليك في الوظيفة، وقد تختارُ العكس فتندم كذلك لأنّها وظيفة لا تفوّت من حيثُ الميزات التي تقدم فيها مثلاً، فأنت طبيبُ نفسِك، فاختيارُ الأولى يحتاجُ منك لدراسة متأنية وتفكير وهدوء وعدم استعجال واستشارة واستخارة، وبعدها إذا عزمتَ فتوكّل على الله فالله يحبُّ المتوكلين.

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري

إلى الأعلى