الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / فن في السلطنة .. طاهرة فداء في معرضها الشخصي الأول ..(هندسة الروح ) أنموذجا

فن في السلطنة .. طاهرة فداء في معرضها الشخصي الأول ..(هندسة الروح ) أنموذجا

في زحمة مشاهدتنا للأعمال الفنية الحديثة والمعاصرة في عالمنا الشرقي باتت تلك المشاهدات تثير الكثير من الأسئلة الجمالية حول (الفن النسوي ) كظاهرة إبداعية لافتة للانتباه في محاولة لخلق معادل موضوعي للرؤية الفنية واتجاهاتها إزاء ما يحدث للتجارب الفنية وديناميكياتها في المشهد البصري الذكوري.
ثمة محاولات تتحدث عن قيم جمالية ومعرفية في استنطاق فلسفة رديفة لعين المتلقي والباحث في ضروب الفن نحو إعادة الصياغة وإحالة الأثر الفني لعوالم لم تكتشف بعد. تلك المحاولات هي عمليات تنقيب ضمن ممرات المادة الفنية وأسرارها المعقدة لإنتاج نوع من الفوضى المنظمة تعيد ترتيب الأشلاء بعد جمعها ..لا للاعتراف بالموجودات بقدر الرغبة في تفسير الموجود وكل ما هو متاح عبر إقامة حوار بصري صريح يتعدى حدود المربع (اللوحة).وهناك ما هو اخطر من ذلك. فالإبداع الفني يتميز بالتجديد الدائم وباختراع أساليب جديدة وطرق تعبير لم يسبق استخدامها.
يقول بول كلي :1879_1940 الطبيعة هي فن من نوع آخر, وينبغي ان ننظر إليها كمثل قادر على ان يساعدنا في خلق شيء مشابه بالوسائل التي يمدنا بها الفن التشكيلي ..بمعنى آخر انه درس الطبيعة لا ليعيد تصوير ظواهرها من جديد بل يفهم قوانينها . وعندما يكتب شوبان (المازوركا) الخامسة والعشرين لن يكن يبحث قطعا عن ((الجميل))بصفة عامة، ولا عن السمو ، ولا عن الجاذبية ..لكنه أاراد ان يصل إلى (التحريكات الانفعالية ) أو الى (المحركات العصبية ).ونحن هنا حيال اشد أنواع الإنتاج المستقبلة أصالة وثروة والتي تجلت في تجربة الفنانة العمانية طاهرة فداء في معرضها الفردي الأول (هندسة الروح ) والذي أقيم في فبراير المنصرم على قاعة متحف بيت الزبير (بيت العود) برعاية السيدة فرجينيال آل سعيد وبواقع 60عملا فنيا. وبالقدر الذي نحاول به حل رموز والمسطحات اللونية للفنانة طاهرة فداء ضمن مختاراتها ..لابد ان نتوقف عند ماهية التفكير واعتمالاته الفلسفية في رسم ملامح التجربة والغائية الفنية في مسعاها الإبداعي .
إن المتلقي لأعمال الفنانة فداء للوهلة الأولى يجد ان هناك مساحات كبيرة للصبر أثناء عملية الاشتغال وان الحرية الحقيقية تكمن بالتنظيم المفعم بالالتزام .. هي نتاج زخرفة تشكيلية عميقة الحس والمشاعر تنطق بلغة جمالية أخاذة لتشعرنا أحيانا بالمغادرة اللونية على حساب المادة وتطبيقاتها .. وهي ثيمة العمل وبناءاته لتمنحنا فرصة أخرى لتقويم العمل بأنساق معمارية مغايرة عندما تجمع صفات الفن بطريقة المحاولة الواقعية في ترتيب شيئياتها المعلنة من جانب وبين لملمة الحداثة المفرطة وتوظيفها بالطريقة التي تفهمها وتؤمن بها من جانب اخر ..هو تفسير عما تختزله التجربة . ربما كادت ان تنهض بها ببساطة متناهية في وقت مسبق لولا التعقيدات المعاشة.
لعل المناورات التشكيلية من مرموزات التك لونية وتقنياته على متن مسطحاتها أضفى خصوصية وخصائص جوهرية على نصوصها البصرية بما يوازي إمكانياتها التعبيرية للبحث عن مخارج تشكيلية من خلال ما تبثه الصورة المركبة لإعطاء تصورات عقلية تنم بموجبها عن فلسفة جمالية ترتقي الى مستوى الفكر التأملي .ولعل ظهور بعض الأيقونات والمنمنمات الحروفية المشفرة على طريقة لافاريز كمدونات تأريخية هي إحالات الى تفهيمات صوفية عميقة المعنى تكشف ولعها الاركولجي لهذه الحاضنات النفسية لتوكد حجم الطاقة والفعل السحري لتلك الكائنات البصرية بفعل التمثيل الدقيق في بنية التكوين الفني .
ان الأنساق التجريدية في بعدها الواحد هي أشكال ذات أبعاد ومضامين روحية تحمل دلالات وعلامات تشكيلة فوق جمالية ,هذا الخطاب في عالم التشكيل هو تضمين ايضا للتعبير عن العالم الانساني والاجتماعي على حد سواء .ذلك ان صلة التشبية المادية المنظورة قد امكن الاستعاضة عنها بصلة روحية هي صلة الرمز .
وهنا نجد في هندسة الروح حروفية من نوع آخر تتجسد في أحداث خرق مغاير واختلاط اكثر غرابة عبر تصفيفه بشكل فسيفساء رصين وكأننا على ضفة أخرى من الرؤية وتأويلاتها لا إعادة النظر في المشاهدة الى لقاء بعين اثارية شديدة الصلة الى عصور ما قبل الكتابة بطريقة عمل الأختام الطينية لحضارة سومر من حيث متناولاتها لرسم المربع المقلوب والمثلث بزواياه المتعددة الى جانب المعوذات والأحجية بطلسمية لا تسمح لعين المتلقي ان يغادر هذه العوالم بسهولة وهي تدور حول دائرة لونية احادية وباقتصادية مفرطة الى حد ما وهي تلون بالأزرق وتدرجاته , والتركوازي ومساحاته .والرمادي وفضاءاته المعتقة في حميمية مطلقة مع رص المادة ومفرداتها جنبا الى جنب لتقول بانها لازلت ملتصقة بالجذور الموغلة في القدم لتأصيل أعمالها الحديثة والمعاصرة كما تبدو شخوصها في اللوحة ومعمارية البناء بفرادة نادرة في الأداء.
ربما يكون هذا نتاج تأثيرات لا واعية تعود الى مراحل من طفولتها ان لم نقل من حياتها الجنينية. ففي تركيبات طاهرة فداء شعرية قوامها تركيب خاص من الألفاظ والكلمات، لترتقي الى بنية الموسيقى، حتى الثمالة باستخدام التقنيات على السطح التصويري هي تخمة جمالية صعبة المنال. وهذا ما عناه (غوتيه):سواء كنت ازاء قطعة من رخام أم صدر الحبيبة فإن من المهم ان تعرف كيف ترى بعين سبق لها اللمس، وكيف تلمس بيد تجيد النظر. لذا تميزت أعمال الفنانة طاهرة فداء بفلسفة تعبيرية كنتاج تعبر عن عوالمها المحيطة برخاء .. تدلكه بحصى ناعم حتى تبدو وكأنها ملمس من حرير.

محمد سوادي
فنان وناقد تشكيلي عراقي

إلى الأعلى