السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / إصلاح القلب بعمل الصالحات

إصلاح القلب بعمل الصالحات

إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء, ولذلك كان من دعاء الرسول (صلى الله عليه وسلم):(اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، ومن أعظم ما يطلبه العبد من ربه أن يصلح له قلبه ويشرح له صدره، قال تعالى مخاطباً حبيبه محمد (صلى الله عليه وسلم):(ألم نشرح لك صدرك)، وقال تعالى:(أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نورٍ من ربه) (الزمر ـ 22).
فالقلب بالنسبة للأعضاء كالملك يتصرف في جنده, فهو الذي يُصدر الأوامر لأعضاء البدن, ومن أجل ذلك وضّح لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذلك فقال:(ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).
وقد وصف الله قلوب أهل الإيمان بأنها تطمئن بذكر الله تعالى, فقال تعالى:(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب) فهذا الاطمئنان: يكون في مقام الرحمة, وأما الوجل فيكون: في مقام الجلال، قال تعالى:(إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون) هذا حال أهل الإيمان، أما قلوب أهل الكفر والعياذ بالله وهم الذين جحدوا نعم الله تعالى, والذين لا يؤمنون بالآخرة, هؤلاء يقول الله تعالى عنهم:(وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذُكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون) (الزمر ـ 45)، يقول الإمام الرازي في تفسيره عند هذه الآية: أي ظهرت آثار النفرة من وجوههم وقلوبهم, وإذا ذُكرت الأصنام والأوثان ظهرت آثار الفرح والبشارة, في قلوبهم وصدورهم وذلك يدل على الجهل والحماقة, لأن ذكر الله تعالى رأس السعادات وعنوان الخيرات.
إذن قلوب أهل الإيمان عند سماع آيات القرآن تلين وتحنّ إلى الله عز وجل قال تعالى:(الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم, ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ..) (الزمر ـ 23)، فمعنى ذلك: أنهم عند سماع آيات الرحمة والإحسان يحصل لهم الفرح, فتلين قلوبهم إلى ذكر الله تعالى. وتأملّ معي أخا الإسلام هنا إلى أمر مهم جداً ألا وهو: لماذا قال الله تعالى:(إلى ذكر الله) ولم يقل:(إلى ذكر رحمة الله؟) يجيب على ذلك الإمام الرازي فيقول:(إن من أحب الله تعالى لأجل رحمته فهو ما أحب الله, إنما أحب شيئاً غيره، وأما من أحب الله لا لشيء سواه فهذا هو المحب الحقيقي, وهي أعلى درجة)، ثم تأمل: لم قال رب العالمين: في جانب الخوف قشعريرة الجلود فقط, وفي جانب الرجاء لين الجلود والقلوب معاً؟ الجواب: لأن المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف.
المهم أخي المسلم علينا أن نكون من أهل الإيمان الذين يملأ قلوبهم السكينة ويكسوها الوقار ويملأها اليقين بالله تعالى فينطبق عليها قول الله تعالى:(هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين, ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم)، ولقد سألت السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن أصحاب القلوب التي تملؤها الخشية من الله تعالى مهما كانت أعمالهم خيراً حين قرأت صفة هذه القلوب في قوله تعالى:(والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون, أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) (المؤمنون 60 ـ 61)، قالت السيدة عائشة: يا رسول الله أهو الذي يسرق؟ أهو الذي يزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل؟ قال: لا يا ابنة الصّديق, ولكنه الذي يصلي ويصوم, ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل.
وصاحب القلب يدعوه قلبه دائماً إلى أن يتطهر من الغل والحقد والحسد, فيبتعد بذلك عن الغفلة وعن أهل الجحود والكفر, والعياذ بالله تعالى ولو فكرنا في أي الأشخاص نقتدي بهم, لوجدنا تلقائياً أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم), هو خير ما نقتدي به ومن بعده أصحابه الكرام ـ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
ولقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(خير القرون قرني ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم) إنها قلوب امتلأت بالإيمان, قلوب امتلأت بالحب والرحمة والسكينة, إنها قلوب صفت واستنارت بنور الله تعالى, واستمدت هذا النور ممن هو نور (الله نور السماوات والأرض)، فقلوب المؤمنين خالية من النفاق والرياء لأنها قلوب طهرت من الحقد والغل والحسد, إنها قلوب راقبت ربها في السر والعلانية: فما أحوج المسلمين والمسلمات جميعاً, إلى أن يطهروا قلوبهم وينورها بنور الإيمان, واليقين التام , وهذا بفضل الله وتوفيقه قبل كل شيء, أما إذا استسلموا للراحة والسكون وإلى وساوس الشيطان, فسيصبح القلب ضعيفاً, يسهل على الشيطان أن يتغلغل فيه وعندها سيكون الندم الدائم.
ندعو الله العلي القدير أن يُطهّر قلوبنا من كل سوء وأن يرزقنا حبه , وحب كل عمل يقربنا إلى حبه .. اللهم آمين, والحمد لله رب العالمين.

إبراهيم السيد العربي
إمام وخطيب جامع الشريشة/ سوق مطرح

إلى الأعلى