الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (98)
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد: فـلا زال الحـديث مـوصولاً عـن مـوضـوع: مـن مـواقـف الـرجـال عـن دوافـع العـمـل الصالح، فحسب الـمـؤمـن إيمانه رقـيباً، عـلى أعـماله وتصـرفاته ، دون حـاجة إلى رقـابة خـارجـية عـنه.
والـذي يـتعـب الناس هـو عـدم وجـود المـراقـبة الـداخـلية (الإيـمان) للإنسان فـيتـصـرف في أمـوال الناس، تصـرف المـالك المطـلـق، غـير مـراعـي الأمـانة والـثـقـة التي وضـعـها ذوو الحـل والعـقـد فـيه، فهـم الـذيـن لا يـرقـبـون في مـؤمـنٍ إلاًّ ولا ذمـة فـويـل لمـن يـظـن الناس فـيه خـيراً، ولـيس فـيه خـير.
أما العـبادات التي أتى بها الإسـلام، فهي الطـاقـة الـدافـعة للنفـس نحـو العـمـل الصالح، العـمل الــذي ليس فـيه إفـراط أو تفـريـط، العـمل المـعـتـدل المتـوازن فـمثـلاً: الصلاة وهي عـماد الـدين، فـلـما في الصـلاة مـن الخـير في ذكـر الله سـبحانه وتعـالى، والـوقـوف بـين يـدي الله بخـشوع وتضـرع وتـذلل في اليوم واللـيـلة خمس مـرات يـدفـع النفـس الإنسانية إلى السـمو والـكمال الخلـقي والعـمل الصالح، والابـتعـاد عـن الفحشاء والمنـكـر قال الله تعـالى:(اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العـنكـبوت ـ 45).
وليست الصلاة هي مالها من ركـوع وسـجـود، تــؤدي تلك المـنـزلة العـالية والسمـو إلى الـكـمال، بـل بمـا فـيها مـن خـشـوع وتـذلل لـكـمال الله سـبحانه وتعـالى، وتخـليصها مـن الـرياء لله وحـده، قال الله تعـالى:(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهـف ـ 110).
قال الشاعـر :
إذا سـبحـت قـيطـون هـمت بسـرقـة
فحـذرك مـن قـيطـون حين تسبح

وقال آخر:
إذا لم يسـقها سـائق مـن ضـميرها
وإلا فأعـيـت سـائقا بعـد سـائق

فإذا أدى كل أفـراد المجـتمـع واجـباتهـم بـدافـع مـن ذواتهـم وضمائـرهـم، فـكل فـرد مـنهـم عـن طـريـق أداء هـذا الـواجـب سـيأخـذ حـقـه وافـياً، وسـتـراعى حـرمـته وحـقـوقـه كاملة.

حـياء بـريء: إن الـرجـال لا تقاس بملك ما تملك مـن المال والخـدم والحـشم، وإنما تتفـاضـل الـرجال بالمـواقـف عـنـد الابـتـلاء، والمـؤمـن الحـق هـو الـذي يصـمـد عـنـد وقـوع الشـدائـد، ومـن أولـئـك الـرجـال الأفــذاذ هـذا الـرجــل الـذي هـو مـوضـوع الحـديـث فـيـما يلي: قال منارة وكـيـل أمـير المـؤمنيـن هـارون الـرشـيـد: رفـع إلى الـرشـيـد أن هـناك رجـلاً أمـوياً بـدمشـق، عـظـيـم المال واسـع الجـاه مـطـاع فـيها وله جـمـاعـة كـثيرة مـن أولاده ومـماليـك ومـوال وأتباع، يـركـبـون الخـيــل حـامـلـين السلاح يغــزون الـروم، والـرجـل سـمح جـواد كـثير الـبـذل، واسـع العـطـاء مـبـذول الضـيافـة، وله مـنزلة عـالية التي لا يـؤمـن معـها مـن أن يـفـتـق فـتـقاً عـلى الـدولة يصـعـب رتقه.
اسـتـدعاني أمـير الـمـؤمنيـن هـارون الـرشـيـد وقال: إني دعـوتـك لأمـر أهـمني ومنعـني الـنـوم فانظـر كـيـف تـعـمـل، واخـرج الساعـة وقـد أعـددت لـك كل ما تحـتاجـه مـن الـرجـال والأمـوال والسلاح، وهـذا كتابي إلى نائـب دمشـق لمساعــدتـك، فإن سـمع لـك الـرجـل وأطـاع فأتـني به غـير مـروع، وإن عـصى وتمـرد فـعـلـيـك به أنـت ومـن معــك، وأحـمله في شـق المحـمـل واجـلـس أنـت في الشـق الآخـر ولا تـكل حـفـظـه إلى غـيرك حتى تأتيـني به.
قال مـنارة: ودعـت أمـير المـؤمنيـن وانطـلـقـت ومن معي حتى وصلنا دمشـق، وأتـيـت دار الـرجـل ودخـلت بغــير اسـتـئـذان، ولما جـلـست جـاء الـرجـل وسلـم عـلي، وسألني عـن أمـير المـؤمنيـن، ثـم جيء بمائـدة لا تكـون إلا للخـلـيـفة وقال: تقـدم يا مـنارة لا يـزيـد عـلى أن يـدعــوني باسـمي، كـما يـدعــوني الخـلـيـفـة فامتـنعـت فـما عـاودني، وأكـل هـو ومـن معـه، ولـما فـرغ مـن الأكل، قـام إلى الصلاة وصلى الظهـر وأكـثر مـن الـدعـاء، ولـما انتهى مـن الصلاة والـدعـاء الـتـفـت إلي وقال: ما أقـدمـك يا مـنارة؟.
أعـطـيته كتاب أمـير الـمـؤمنيـن، فـلـما قـرأه دعـا أولاده وحـاشـيته، وحـلـف عـليهـم أن ينصـرفـوا إلى منازلهـم، وألا يجـتـمع منهـم اثـنان ثـم قال: هـذا كـتاب أمـير الـمـؤمنيـن يأمـرني أن أتـوجـه إلـيه، ولست مقـيـما لحـظـه واحـدة، وما بي حـاجـة لأن يصحـبـني أحـد هات قـيـودك يا مـنـارة.
ركـبت مـع الـرجـل في المحـمـل إلى أن صـرنا بظاهـر دمشـق ، فابـتـدأ يحـدثـني بانبساط، يحـدثـني عـن أمـلاكـه وبساتينه بالغـوطـة، فاشـتـد غـيـظي مـنه فـقـلـت: إن أمـير المـؤمنين أهـمه أمـرك، فأرســل إلـيـك مـن أنـزعـك مـن بـين أهــلـك ومالـك وولـدك، ولا تـدري ما يـصـير عـليه أمـرك؟.
وأنـت فـارغ القـلـب تحـدثـني عـن ضـياعـك فـقـال: إنا لله وإنا إلـيه راجـعـون أخـطـأت فـراسـتي فـيـك يا مـنارة، لـقـد حـسبتـك كامل العـقـل، فـرأيـت عـقـلـك وكـلامـك يشـبه عـقـول العـوام وكـلامهـم، والله المستـعـان ولـتـعـلـم أني عـلى ثـقة مـن ربي الـذي بـيـده ناصيتي، ولا يملك أمـير الـمـؤمنيـن لنفـسه ولا لـغــيره نـفـعـاً ولا ضـراً إلا بإذن الله ومـشيئـته، ولا ذنـب لي عـنـد أمـير الـمـؤمنيـن أخـافـه عـليه.
وإذا عـلم أن الحـسـدة والأعـداء رمـوني بما ليـس فيّ، لـم يسـتحـل دمي وردني مـكـرماً، وإذا كان قـد حـضـر أجـلي فـلـو اجـتـمعـت الإنـس والجـن عـلى صـرف ذلـك عـني ما اسـتـطـاعـوا، فـلـم اتـعـجــل الغـم فـيـما فــرغ الله تعالى مـنه وأنا أحــسن الظـن بالله.
ثـم قال: لـقـد كـنـت أظـن أنـك تـدرك هـذا، أما وقـد عـرفـت مـبـلـغ عـلـمـك وفـهـمـك فـلـن أكلمـك بكلـمة واحـدة حتى تـفـرق حـضـرة أمـير الـمـؤمنيـن بينـنا.
أقـبـل الـرجـل عـلى قـراءة القـرآن والتسبيح، ولـم يكـلمني بكلـمة حتى وصلنا الكـوفـة وبـلـغ الخـبر أمـير الـمـؤمنيـن فـاسـتـدعـاني، وقال: هـات ما عـنـدك يا مـنـارة: فـسـقـت الحـديـث لأمـير الـمـؤمنـين بـكل دقـائـقـه وتفـاصـيـله، فـما زال وجـه الـرشـيـد يسـفـر وقـد اعــتراه خـجــل وحـياء لا مـزيـد عـليهـما ثـم قال: هـذا رجــل مكـذوب عـليه، وقـد أزعـجـنـاه وآذيـنـاه وروعـناه وروعـنا أهـله فـبـادر الآن بـنـزع قـيـوده واتـني به.
فـدخـلت به عـلى أمـير الـمـؤمنيـن الـرشـيـد، وما أن رآه حـتى رأيـت ماء الحـياء يجـول في وجـه أمـير الـمـؤمنيـن الـرشـيـد، ثـم رحـب به وحـياه وقال له: بلـغـنا عـنـك فـضـل في أمـور أحـبـبنا أن نـراك ونحـسـن إلـيـك فاذكـر حـاجـتـك نقـضها لـك.
قال الـرجـل: حـاجـة واحـدة، قال أمـير الـمـؤمنيـن: مقـضـية إن شـاء الله وما هي؟، قال الـرجـل: أن تـردني إلى بـلـدي وأهـلي وولـدي.
قال أمـير الـمـؤمنيـن: نـفـعــل إن شـاء الله، ولـكـن ســل ما تحـتاج إلـيـه في جـاهــك ومعـاشـك، قال الـرجـل: إن أمـوري منـتـظـمة وأحـوالي مستـقـيمة وكـذلـك أهـل بلـدي بالعـدل الشـامـل في ظـل أمـير الـمـؤمنيـن.
قال أمـير الـمـؤمنيـن: إذن تـنـصرف إلى بـلـدك، وأكـتـب إلـيـنا بـأي أمـر يعـرض لـك، ودع الـرجـل أمـير الـمـؤمنيـن، وحـملـته راجـعـا إلى بلـده كـما جـئـت به.
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى