الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من صفات المتقين .. ينفقون في السراء والضراء

من صفات المتقين .. ينفقون في السراء والضراء

إعداد ـ محمد عبد الظاهر عبيدو
أيها القراء الأعزاء: لنعلم أن من أخص صفات المتقين الإنفاق في السراء والضراء قال تعالى:(الذين ينفقون في السراء والضراء) (آل عمران).
ان الخلق الجميل هو أمهر فنان يزين وجه الحياة .. ووجه الحياة يحتاج إلى أعمالك الجميلة ليزداد جمالاً ومن أجمل ما يتحلى به المرء ما قاله الله تعالى:(الذين ينفقون في السراء والضراء).
قال أبو جعفر :الطبري في تفسير هذه الآية يعني جل ثناؤه بقوله:(الذين ينفقون في السراء والضراء) ، أعدت الجنة التي عرضها السماوات والأرض للمتقين، وهم المنفقون أموالهم في سبيل الله، إما في صرفه على محتاج، وإما في تقوية مضعف على النهوض لجهاده في سبيل الله .
وأما قوله:(في السراء)، فإنه يعني: في حال السرور، بكثرة المال ورخاء العيش )والسراء) مصدر من قولهم:(سرني هذا الأمر مسرة وسروراً(، والضراء مصدر من قولهم:(قد ضر فلان فهو يضر)، إذا أصابه الضر، وذلك إذا أصابه الضيق ، والجهد في عيشه.
حدثنا محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:)الذين ينفقون في السراء والضراء) ، يقول: في العسر واليسر.
فأخبر جل ثناؤه أن الجنة التي وصف صفتها، لمن اتقاه وأنفق ماله في حال الرخاء والسعة، وفي حال الضيق والشدة، في سبيله .
أيها القراء: إن نعم الله سبحانه وتعالى كثيرة لا تعد ولا تحصى (وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها) (إبراهيم ـ 34)، ومن أعظم النعم: نعمة المال والرزق، هذه النعمة التي تقوم عليها وتؤدي من خلالها كثير من النعم، ولا يستغني عنها مخلوق حي حتى الطيور تبحث عن أرزاقها في غدوها ورواحها .
وهذا المال مال الله تعالى يودعه عباده، ليبتليهم أيشكرونه أم يكفرونه، قال تعالى: (وأمددناكم بأموال وبنين) (الإسراء ـ 6)، وقال سبحانه:(وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم) (العنكبوت ـ 60)، وقال جل وعلا:(لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) (إبراهيم ـ 7).
من ثمرات الإنفاق في جميع الأحوال:
1ـ دخول الجنة: يقول تعالى:(وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) (آل عمران 133 ـ 134.(
2ـ الوقاية من النار وتكفير السيئات: روى الشيخان أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(اتقوا النار ولو بشق تمرة (ـ أخرجه البخاري ومسلم، ويقول (صلى الله عليه وسلم):(لصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار. ( أخرجه الترمذي وأخرجه النسائي في الكبرى.
3 ـ تكثير الحسنات ومضاعفة الأجور أضعافاً مضاعفة: يقول تعالى:(مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) (البقرة ـ 361)، ويقول سبحانه:(وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضاً حسناً وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) (المزمل ـ 20).
4ـ في الإنفاق طهرة للمنفق وتزكية لقلبه وتنمية للمال وسلامة له من الآفات، يقول سبحانه وتعالى:(خذ من أموالهم صدقة تظهرهم وتزكيهم بها ..) (التوبة ـ 103).
5 ـ إنّ فيها دواء للأمراض القلبية، كما في قوله (صلى الله عليه وسلم) لمن شكى إليه قسوة قلبه:(إذا أردت تليين قلبك فأطعم المسكين، وامسح على رأس اليتيم) ـ رواه أحمد.
6 ـ إنّ الله يدفع بالصدقة أنواعًا من البلاء كما في وصية يحيى ـ عليه السلام ـ لبني إسرائيل:(وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم) ـ صحيح الجامع.
فالصدقة لها تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجرٍ أو ظالمٍ بل من كافر فإنّ الله تعالى يدفع بها أنواعًا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند النّاس خاصتهم وعامتهم وأهل الأرض مقرون به لأنّهم قد جربوه.
7 ـ إنّ العبد إنّما يصل حقيقة البر بالصدقة كما جاء في قوله تعالى:(لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّون ((آل عمران ـ 92).
8 ـ إنّ المنفق يدعو له الملك كل يوم بخلاف الممسك وفي ذلك يقول (صلى الله عليه وسلم) :(ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا( (في الصحيحين).

9 ـ إنّ صاحب الصدقة يبارك له في ماله كما أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك بقوله:(ما نقصت صدقة من مال( ـ في صحيح مسلم.
أيها القراء الكرام: لنعلم أن بذل الإنسان ما يستطيعه ويطيقه مع القلة والحاجة من أفضل الصدقات ولا يحرص علي هذا الإنفاق إلا أهل التقوي وهذا الإنفاق مع القلة ثوابه عظيم، لقوله (صلى الله عليه وسلم(:(أفضل الصدقة جهد المُقل، وابدأ بمن تعول( ـ رواه أبو داود، وقال (صلى الله عليه وسلم(:(سبق درهم مائة ألف درهم، قالوا: وكيف؟! قال: كان لرجل درهمان تصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عرض ماله، فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق بها( ـ رواه النسائي، صحيح الجامع، قال البغوي: والاختيار للرجل أن يتصدق بالفضل من ماله، ويستبقي لنفسه قوتا لما يخاف عليه من فتنة الفقر، وربما يلحقه الندم على ما فعل، فيبطل به أجره، ويبقى كلاً على النّاس، ولم ينكر النبي (صلى الله عليه وسلم) على أبي بكر خروجه من ماله أجمع، لَّما علم من قوة يقينه وصحة توكله، فلم يخف عليه الفتنة، كما خافها على غيره، أمّا من تصدق وأهله محتاجون إليه أو عليه دين فليس له ذلك، وأداء الدين والإنفاق على الأهل أولى، إلا أن يكون معروفاً بالصبر، فيؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة كفعل أبي بكر، وكذلك آثر الأنصار المهاجرين، فأثنى الله عليهم بقوله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ( (الحشر ـ 9)، وهي الحاجة والفقر.
* إمام وخطيب جامع الأمين

إلى الأعلى