الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ـ 15

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ـ 15

القوة العقلية: النشاط العقلي في الارتجال نشاط متسع الآفاق ، يستلزم حركة ذهنية سريعة بين كافة مراكز الاهتمام.
ولا يخفى أن مراكز الاهتمام متعددة في كل خطاب، ولابد أن يظفر كل منها بحظ من عناية الخطيب إذ أنها تستوجب سلامة: أفكار الموضوع وتنسيقها وعرضها في صورة مشرقة وبسط الادلة عند الاقتضاء إضافة إلى العناية بجودة التعبير ورشاقته مع الاهتمام بعناصر التأثير ومراعاة خصائص الالقاء الجيد.
وكل هذه الجوانب تحتاج إلى جهد مكثف، ولا يقتدر على الايفاء بهذه المتطلبات على أكمل وجه إلا من كان ذا قوة عقلية سليمة،ولو لم تبلغ حد العبقرية أو درجة النبوغ.
إن الضعف العقلي لا ينتج في كثير من الحالات إلا عن ترك الارتياض على التفكير السليم، شأنه في ذلك شأن الجسم، فكما نشعر أن الجسم تتضاعف قواه بالارتياض والمران الكثير، نجد العقل يزداد حدة وقوة بالتدرب على التفكير تحت مراقبة ماهرة، وتوجيه سديد،وفحص لنتائجه، فيسهل بعدئذ أن تصدر عنه النظريات الصائبة والأحكام السليمة.
أما من لم يكن ذا حظ من هذه القوة يسهل أن ينخدع بمجرد النظر السطحي للأمور، وتلتبس عليه الحقائق بالأباطيل فيخطئ من حيث يعتقد أنه يصيب.
وقد ينتج نوع من الوهن العقلي عن سبب عابر يعترى أصحاب العقول السديدة أنفسهم، ومن الأسباب المؤثرة عليهم: انغماس النفس في حزن على شئ فائت واستغراقها في كآبه قاتمة لتوقع أمر مكروه وإحاطتها بقلق شديد ناشئ عن بعض المضايقات وتواصل السهر والسهاد ومعاناة بعض الآلام الجسدية .. إلخ.
إن مثل هذه الأعراض قد يطول أمدها وقد يقصر،وكلما طال أمدها كان أثرها أقسى، وعلى الخطيب أن يحرص على التخلص منها، حتى لا يقف المواقف وهو شارد الذهن مشتت التفكير، فإن ذلك يساعده على الظفر بالاجادة المنتظرة،بل إنه قد يقع في الخطأ الفادح وهو لا يشعر، وقد حدث لي شخصياً أثناء كتابتي لهذه الأوراق أن مرضت ابنتي الكبرى (تقى)، وكنت في نفس الوقت مكلفاً للقيام ببعض المهام، حيث كنت أحاضر في الجامعة، وكذا في احدى الدورات التدريبية بالإضافة لأعمال المسجد .. وطوال فترة مرض البنت كنت شارد الذهن مهموماً مما ظهر أثره أحياناً على أدائي في المحاضرات أو حتى في الصلوات حيث كنت أسهو في الصلاة أو أنسى بعض الآيات.
القوة البيانية: إن غاية كل خطيب هي أن يكاشف مستمعيه بما يزخر في ذهنه من معانٍ، يفترض أن المستمعين بحاجة إلى ادراكها، على وجه يستقبلونه بغاية الارتياح، وما من سبيل إلى بلوغ هذه الغاية الا قوة البيان.
والخطيب الأريب لا تقتصر مهمته على عرض أفكاره مجرد عرض، بل إن مهمته ترتفع عن هذا الحد إلى المستوى الذي يصنعه البيان البليغ في النفوس، وللبيان آفاق تكاد أبعادها تستعصي عن التحديد، ولقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في كلام ارتقى به صاحبه إلى افق منها:(إن من البيان لسحراً) ـ رواه أحمد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما.
وسبب هذا الحديث أن عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر وفداً على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فسأل الرسول عمراً عن الزبرقان، فقال في وصفه: مانع لحوزته مطاع في أذينه، فقال الزبرقان: يا رسول الله إنه ليعلم مني أكثر مما قال، ولكنه حسدني يا رسول الله في شرفي فقصر بي، فقال عمرو: أما لئن قال ما قال فوالله ما علمته إلا ضيق الصدر، زمر المروءة، لئيم الخال، حديث الغنى، فلما رأى أنه خالف قوله الآخر قوله الأول، ورأى الإنكار في عين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما عملت وغضبت فقلت أقبح ما علمت وما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الآخرة فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) عند ذلك:(إن من البيان لسحراً) (البيان والتبيين ج1ص70 و333).
وقريب من هذا النوع البيانبي (أن غيلان بن خرشة الضبى مر مع عبدالله بن عامر بنهر أم عبدالله الذي يشق البصرة، فقال عبدالله بن عامر:(ما أصلح هذا النهر، لأهل هذا المصر) فقال غيلان: أجل والله أيها الأمير، يتعلم فيه العوام صبيانهم، ويكون لسقياهم، ويسيل مياههم ويأتيهم بميرتهم.
ثم مر غيلان يساير زياداً على ذلك النهر (وقد كان عادى بنى عامر) فقال له:(ما أضر هذا النهر لأهل هذا المصر) فقال غيلان: أجل والله أيها الأمير، تندى منه دورهم ويغرق فيه صبيانهم ومن أجله يكثر بعوضهم.
إن تلوين الحديث عن الشئ الواحد في كلٍّ من المثالين السابقين ما صدر إلا عن ميل ذاتي وهوى نفسى، لا عن نظرٍ مجرد عن الهوى، مع أن عمراً وغيلان قد صدقا في الوصف الأول، ولم يكذبا في الثاني، وإنما حملهما الرضا على التنويه بالجانب المشرق أولاً، ودفعهما الغضب إلى الإعلان عن الجانب المقابل ثانياً.وعين الرضا تظهر المحاسن وعين السخط تبدى المساويا .. كما قيل.
إن معظم الأشياء وأحداث الحياة قلما تخلو من تلك الجوانب المتقابلة، وبإمكان كل متحدث أن يتناول الجوانب التي تلائم ما في نفسه، فإن كان ذا بيان صدق عليه قول الشاعر:
لقد وجدت مجال القول ذا سعة
ٍفإن وجدت لسان ناطقاً فقل
وإن تلك الظاهرة البيانية في المثالين السابقين تدل على أن أصحابها يتمتعون بحظ من النظر الفاحص، وبقدرة تعبيرية جيدة، يستطيعون بهما أن يعرضوا ما يشاءون من صفات الأشياء والأحداث في القالب الذى يريدون والإطار الذى يحبون، إلا أن مباحث الدين ينبغي أن لا تكون مجالا لتلوين على نسق ما في المثالين السابقين، وإنما على الخطيب أن يبسط الأمور في الإطار المقرر لها في الدين، لأن ما استحسنه الشرع هو حسن حقاً، ولو لم يكن حسناً في تصور بعض الأذهان، وما استقبحه الشرع هو قبيح حقاً ولو استحسنه فريق من الناس.
أما المثالان السابقان فما أوردتهما هنا الا للتنبيه على سعة مجال البيان، وعلى أنه بامكان الخطيب إذا كان بصدد الترغيب في أمر أن يتقصى ما يحيط به من الصفات المستحسنة، كما أن بإمكانه إذا حذر من أمر أن يتقصى صفاته المستكرهة، على أن لا يخرج في هذا البيان أو ذاك إلى ما يتنافى مع ما هو ثابت في الدين.
انحدار البيان: كثيراً ما تساهم بعض العوارض في إنحدار البيان عن المستوى الرفيع.
ومن تلك العوارض ما هو خلقي، ومنها ما ينشأ عن عدم الاهتمام بقواعد فن الخطابة.
أما العوارض الخلقية فكثيرة، من بينها الفأفاة والتمتمة واللفلفة والبحة واللثغة.
وقد بينَا بعضها عند حديثنا عن عيوب الخطابة ولكننا نفصل اكثر في هذا المقام.
فالفأفاة هي: التعثر في حرف الفاء أثناء الكلام، فيردد المتكلم عند بداية النطق بالكلمة ولو لم يكن للفاء موقع في تلك الكلمة، وقد تقوى الفأفاة بصاحبها فيبدو لاهثاً عند النطق بأول الكلمة الواقعة في بداية الجملة.
والتمتمة هي التعثر في حرف التاء، سواء كان لهذا الحرف وجود في الكلمة أم لم يكن.
واللفلفة أو اللفف هي إدماج بعض الكلمة فيما بعدها، والبحة خشونة الصوت مع اختناق أو ضعف، والبحة قد تكون خلقية، وقد تكون عارضة تزول بالمعالجة.
واللثغة هى العجز عن النطق بحرف ما، وإبداله بحرف آخر وهى انواع كثيرة ،ذكر الجاحظ شيئاً منها فقال:(ذكر الحروف التي تدخلها اللثغة، وما يحضرني منها هي أربعة أحرف: القاف، والسين، واللام، والراء .. فاللثغة التى تعرض للسين، تكون ثاء، كقول الألثغ لأبي يكسوم، أبى يكثوم، وكما يقولون بثرة، إذا أرادوا بسرة، وبثم الله، إذا أرادوا باسم الله، والثانية: اللثغة التي تعرض للقاف، فإن صاحبها يجعل القاف طاء ،فإذا أراد أن يقول: قلت له يقول: طلت له ،وإذا أراد أن يقول: قال لي، قال: طال لي.
وأما اللثغة التي تقع في اللام، فان من أهلها من يجعل اللام ياء، فيقول بدل قوله أعتللت: اعتييت، وبدل جمل جمى، وآخرون يجعلون اللام كافاً، كالذى عرض لعمر أخى هلال، فانه كان إذا أراد أن يقول ما العلة في هذا؟ قال ما كعكة في هذا؟.
وأما اللثغة التى تقع في الراء، فإن عددها يضعف على عدد لثغة اللام، لأن الذى يعرض لها أربعة أحرف، فمنهم من إذا أراد أن يقول: عمرو، قال عمي فيجعل الراء ياء، ومنهم من إذا أراد أن يقول: عمرو، قال: عمذ فيجعل الراء ذالاً.
واللثغة في الراء إذا كانت بالياء فهي أحقرهن ،وأوضعهن لذي المروءة ،ثم التى على الذال ، فأما التي على الغين فهي أيسرهن.
ويقال: إن صاحبها لو جهد نفسه جهده ،وأد لسانه ، وتكلف مخرج الراء على حقها والافصاح بها، لم يكن بعيدا من أن تجيبه الطبيعة ،ويؤثر فيها ذلك التعهد أثراً حسناً.
وقد كانت لثغة محمد بن شبيب المتكلم بالغين، وكان إذا شاء أن يقول عمر، ولعمرى وما أشبه ذلك على الصحة قاله، ولكنه كان يستثقل التكلف والتهيوء لذلك فقلت له: إذا لم يكن المانع الا هذا العذر ، فلست أشك أنك لو احتملت هذا التكلف والتتبع شهراً واحداً أن لسانك كان يستقيم. (البيان والتبيين ج1 ص50 و51 بتصرف يسير).
هكذا نرى الجاحظ يشير على محمد بن شبيب بمحاولة اصلاح لسانه زمنا ًكافياً حتى يستقيم على النطق الصحيح ، وكم من خطيب حدثتنا ترجمة حياته أنه استطاع أن يتغلب على بعض العاهات اللسانية، فأصبح من أعلام الخطباء، وقد بيّنا من قبل ما كان من تعهد واصل بن عطاء زعيم المعتزلة للسانه وكيف كان لا ينطق الراء في كلامه، وكذا ما كان من ديموستين الذي كان يخرج إلى البحر ويتدرب في الهواء الطلق وكان يضع حصاة في فمه حتى يضبط لسانه، وقد كان، وأصل ذلك كله إنما هو العزم والصبر والمثابرة.
وأما ما ينشأ عن ترك الاهتمام بقواعد الخطابة، فعيوب كثيرة تنحدر بالبيان قليلاً أو كثيراً وذلك على مقدار الاهتمام بتلك القواعد ،خصوصا ما هو مقرر منها في المؤهلات الصناعية، أو في جودة الالقاء.
ومهما تكن كفاءة الخطيب اللسانية والبيانية فإن عليه أن يعمل ـ بلا انقطاع ـ على إخصاب قواه البيانية، والنفسية والذهنية، حتى يكون حظه من مزايا الارتجال أعظم حظٍ يتمتع به الخطيب.
.. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى