الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / حضور الغياب يجسده محمد الغزالي في “رمحه الشعري”

حضور الغياب يجسده محمد الغزالي في “رمحه الشعري”

رمح الغياب، حضور شعري متجدد يطل من خلاله الشاعر محمد الغزالي، هذا الديوان الصادر من المنتدى الأدبي ضم بين دفتيه أكثر من 35 نصا في الشعر الشعبي الحديث، فعناوين القصائد ابتعدت وبصورة واضحة عن النمط الكلاسيكي المعتاد مع البعض من شعراء السلطنة والذين يناصرون بقاء الصورة الكلاسيكية البحتة، خاصة وأن منهم من يرى في التجديد هو خروج عن المألوف وكسر لحقيقة الشعر.
تعودنا لأن نفهم أساليب التريث التي دائما ما تصاحب الشاعر محمد الغزالي، وبين سلوك التعود هذا، اتزان القلم واحترام الفكرة والاشتغال على القصيدة وعدم استسهال كتابتها، فهو دائما ما يحرص على إعطائها حقوقها كاملة، خاصة وأنه مترفع بكل إيجابيات الكتابة عن خذلانها والابتعاد عما يدنس قدسيتها، فاليوم وعندما يحط رمح الغياب على ضفاف الشعر الشعبي في السلطنة ورغم قسوة عنوان الإصدار، إلا أن الرقة والهدوء لا يزالان يخيّمان على مضامين الكتابة، كما أن الشاعر الغزالي عرفنا ابتعاده عن منصات الصخب والثرثرة وإنما دائما ما يكون حاضرا وبشدة في رسائل الجمال في قصائده.
“رمح الغياب” لم يتخلف عن جمال إصدارات الساحة الشعرية الناجحة إن صح التعبير، فهو يأتي ببانوراما مكملة للعشق والحنين والشوق وطغيان الذاتية، فحب الوطن حاضر وجمال الحنين والشوق مبتهج أيضا. يستفتح الشاعر غيابه بحضور الوطن في قلبه ودواخله من خلال قصيدة “صدق المشاعر” التي تغنت بمنجزات السلطنة والمفاخر التي تكاد لا تعد ونرى شواهدها في كل مكان في عُمان، مرورا بعمان العز والسير حيث الركب والمناسبات الوطنية الغالية، فَيصِل بالشاعر بأن يجعل من عمان عروسا في ثوبها الأبيض المطرز بعشق مواطنيها وأحبابها.
كما يأخذنا الشاعر بهدوء تام إلى قبلة الشرق العمانية ومسقط رأسه، نيابة “رأس الحد” فيقول “من هنا الشمس تشرق من هنا المجد قام .. من هنا الصبح يظهر ويتنفس ضياه”، فمن خلال حضور هذا البيت حيث البساطة وعمق التفاصيل نقف احتراما للأرض، للإنسان، للحرف، فنيابة رأس الحد هي أول بقعة عربية تشرق عليها شمس الكون كل صباح، وما أبيات الشاعر إلا دلالة لهذه العظمة الكونية، حتى يأخذنا في رحلة أخرى حيث المفردات الاجتماعية والبحرية التي تأصلت في الحياة اليومية.
ومع البحر لا تزال الحكايات حاضرة مع الشاعر الغزالي، ففي قصيدة تعنونت “بالبحر” نجد فيها عتاب المحب الذي يقر بحبه العميق له مع عدم الاستكانة ولا الرضاء بما يفعله البحر، هنا يقول الغزالي “البحر غدّار باحبابه .. وفيك تيارات عكسية.. جيت لك والنفس منصابه .. في الصميم ومهجتي حيّه” ، فالبحر هنا كما يصوّره الغزالي ليس كصفحة زرقاء تعانق السماء بصفاء ممتد حيث الطمأنينة وإنما العكس، فهنا صور متنوعة لعدم التوافق بينهما. لكن وفاء الشاعر للبحر لا يزال مستمرا عندما يذكر العديد من التفاصيل التي يقف معها القارئ في صور مدهشة.
كما أن في قصيدة “أنا والشعر” وقفت بهدوء على بدايات الأبيات الرائعة، وكما عوّدنا الشاعر الغزالي فهو يأتي واضحا مفصّلا لحرفه، عميقا في أبياته، فيقول “أنا والشعر تجمعنا صداقة” شعور جميل لا يخالطه أي شك ويتحول ليقول “وتربطنا مواثيق وعلاقة” ، “جرى مجرى الوريد وفي عروقي” ، “سكن قلبي وشدد في وثاقه”، المُطّلع إلى القصيدة وحتى نهايتها يرى أن هناك توأمة لا يمكن فصلها بين الشاعر والشعر، وما تلك الأبيات إلا حديث عشق عُتّق مع الأيام بشوق الحروف، فالشعر هنا الصديق والقريب ولسان حال الكاتب في أحيان كثيرة لا يمكن تجاهلها. إلى أن يختم قصيدته بقوله: “أنا لولاه ما عليّت صوتي.. ولا صادفتكم لولا اعتناقه”، ” ولا غنيّت من كثرة همومي.. أنا والشعر تجمعنا صداقة”. إذن لا يمكن اختصار الحال في أبيات قصيرة وإنما الحديث يبقى جاريا كنهر صاف، أو كما يقول في الشاعر “خليل وافي كل حالة.. جعل بيدّي حبسه وانطلاقة”.
من بين تلك القصائد التي لم ولن تسقط من مخيلتي للشاعر محمد الغزالي تلك التي أخذت عنوان “ليل المسافر” والتي جاءت في مطلعها:
ليل المسافر وجهته مرسومة
لأحلام ما تستاهل المتْعَني
والدرب ما كل القلوب ترومه
إلاك يا قلب الشقى ممحني
كل ما تمطّى واستثار همومه
أقول ونّي يا ضلوعي ونّي…إلخ
هذه القصيدة تحمل صراعا ذاتيا داخليا في نفس الشاعر، بالإضافة إلى حديث متحرك لا أتصور أن نهايته قد حانت، فهنا نقف وبكل بساطة ليأخذنا غناء القصيد حيث الشجن والحزن والألم والأمل في الوقت ذاته، فمع العجز الذاتي الروحي الذي يبديه الشاعر في الانطلاقة الأولى للقصيدة ، إلا أن هناك صراعا غير مبهم يأخذنا للتخلص من هذا العجز.
فعندما يقول الشاعر :
مسيرة أيام العمر محسومة
تحالفت مع ما يخالف ظني
وحبل الرجاء يا نفسي المحرومه
أملك زمامة ولا تباعد عني
أحلامنا صارت على المنظومه
مصيرها لأول طريق تْــثني
ندرك تماما أن العزم الداخلي الراغب في التغيير والانطلاقة نحو الأفق لا تزال ظاهرة، (وحبل الرجاء يا نفسي المحرومه .. أملك زمامة ولا تباعد عني).
كما إننا نجد الحكمة وبلوغ الصبر ذروته في بعض الأبيات الرائعة عندما يقول:
ولو كان رغبات الزمن مفهومة
قطعت عن درب التواصل فني
من يوم غبت وخاطري من يومه
ما عاد بأحوال السفر متهني
قلبي على طول الرجاء ما ألومه
وغير الصبر ما يملك المتمني
في المقابل يأتي الشاعر الغزالي ليبقينا في تفاصيل أخرى لا تقل روعة عن غيرها ، فالليل شاهد بكل ما هو مقلق أيضا لكن الرجاء لا يزال بالنهار والذي سيأتي لا محال بجوانب الفرج والدهشة فيقول:
الليل موحش وارتباك نجومه
خلاني استعجل وانا المتأني
على نهارٍ ما عرفت علومه
ما خذ عناوين السعادة مني
وأنا وبنات أفكاري الملغومة
ما غير أهوجس وآتعلل كني..
يبقى الشاعر وكأنه يعيش غربة في داخلة ليس لها مخرج واضح، ولكن ربما مع الأيام سيجد لهذه الغربة وجود عكسي مختلف عندما يقول:
غريب دار وحاجته معدومة
وأكبر عذاريبي عصيبه لني ..
نفسي بحزمه من شيم ملزومه
وقلبي على تركيبتي متجني”".
في الديوان الشعري ذاته، يأتي العنوان ليشكل حضور قصيدة بعينها، فالشاعر هنا اعتمد على قصيدة لتكون عنوان لديوانه “رمح الغياب”
(على المعياد ما هب الشمال وطالت المدة
ولا جاد الزمان لا وتلاطم موج وجداني
وأنا من مبتدأ همي إلى آخر مدى حده
عبث حاولت ألاقي لي ضميرٍ حيّ يقراني).
قصيدة تشكل اختلاف للكتابة النمطية لدى الشاعر، هذه القصيدة هي الفائزة بالمركز الثاني في مسابقة المنتدى الأدبي لعام 2004م، وهي تأتي لتشكل دعوة للتوقف والتأمل الرائع في الأبيات الجميلة التي أوجدت الاشتغال الحقيقي الصريح على القصيدة العمانية الحديثة، فعندما يطلعنا الشاعر الغزالي على (غديت المرتكز رمح الغياب بخاصرة كبده .. وصرت آنا الضحية والمصيبة إني الجاني)، هنا تضاد صريح في القضية التي طرحت في القصيدة، وإرسال إشارات شعرية مضيئة من أجل بسط أدوات الحكم للخروج بنتيجة واحدة للقارئ.
عناوين كثيرة لا يمكن إغفالها أو تجاوزها يبسطها الشاعر الغزالي في ديوانه الآتي “رمح الغياب” وهي أيضا دعوة للذهاب نحو شعر جديد مختلف هادئ، وعميق في آن واحد.
هذا الكم الرائع والنوع المتفرد الذي يأتي به الشاعر الغزالي أتى بفعل التجربة التراكمية التي خطت في سيرته الذاتية، فهو له العديد من المشاركات على مستوى الفعاليات المحلية والمسابقات المتميزة في السلطنة، فمشاركته في مسابقة المنتدى الأدبي لعدة سنوات أوجدت لديه نوعا من التفرد في اختيار القصيدة الجزلة، إضافة إلى المشاركة في مهرجان الشعر ومهرجان مجلس الشعر الشعبي العماني وكتابته لعدد من الأوبريتات المحلية وأيضا المشاركة في كتابة نصوص المهرجان الشعبي للعيد الوطني الأربعين المجيد وغيرها من الأعمال الرائعة الجميلة.

رؤية ـ خميس السلطي

إلى الأعلى