الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / صوم الأولياء والصديقين

صوم الأولياء والصديقين

قال تعالى:(الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس ـ 63)، يخبر تعالى عن أوليائه وأحبائه، ويذكر أعمالهم وأوصافهم، وجزاهم على ما أسلفوا، لأنهم لم يسلفوا إلا صالح الأعمال، وإذا كانوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ثبت لهم الأمن والسعادة، والخير الكثير الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، فكانت عبادتهم في الدنيا خالصة لله.
من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا وله من الله بشارة في الدنيا والآخرة ، أما البشارة في الدنيا، فهي‏:‏ الثناء الحسن، والمودة في قلوب المؤمنين، والرؤيا الصالحة، وما يراه العبد من لطف الله به وتيسيره لأحسن الأعمال والأخلاق، وصرفه عن مساوئ الأخلاق‏.
‏َوأما في الآخرة، فأولها البشارة عند قبض أرواحهم، وفي القبر ما يبشر به من رضا الله تعالى والنعيم المقيم‏، وفي الآخرة تمام البشرى بدخول جنات النعيم، والنجاة من العذاب الأليم‏.
فصوم الأولياء هو صوم القلب وإمساكه عن الهمم الدنيئة والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية ويحصل الفطر في هذا الصوم بالتفكر فيما سوى الله تعالى واليوم الآخر وبالتفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين فإن ذلك زاد الآخرة وليس من الدنيا حتى قال أرباب القلوب: من تحركت همته لتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليه خطيئة فإن ذلك من قلة الوثوق بفضل الله عز وجل وقلة اليقين برزقه الموعود لأنه قيل سيئات الصديقين حسنات الصالحين.
فهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين الذين أقبلوا على الله عز وجل بكلية قلوبهم وأعرضوا عما سواه بجميع هممهم امتثالا لقوله تعالى:(وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) (النساء ـ 69).
فهؤلاء هم الذين راعوا من الصوم ما يقع به من الله لهم القبول الذي هو وسيلتهم إلى وصول المقصود ففهموا أن المقصود من الصوم التخلق بخلق من أوصاف الله عز وجل وهو الصمدية لأن الله تعالى الصمد الذي يطعم ولا يطعم والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات بحسب الإمكان فإن الملائكة منزهون عن الشهوات والإنسان دون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلا بمجاهداته فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل سافلين والتحق بجملة البهائم، وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة الذين هم مقربون من الله تعالى والذين يقتدي بهم ويتشبه بأخلاقهم يقرب من الله تعالى بقربهم فإن الشبيه من الشبيه قريب وليس القرب بالمكان بل بالصفات على قدر الإمكان.
فإذا كان سر هذا الصوم عند أهل الألباب وأصحاب القلوب فأي منفعة في تأخير أكله وجمع أكلتين عند العشاء مع الانهماك في الشهوات طول النهار كثير فإذا كان فيه كثير منفعة وجدوى تأتي بمعنى قوله (صلى الله عليه وسلم):(رب صائم حظه من صومه الجوع والعطش)، ولهذا قال أبو الدرداء فيما روى عنه (يا حبذا صوم الأكياس وفطرهم كيف يعيبون صوم الحمقى وسهرهم ولذرة من ذي يقين وتقوى أفضل وأرجح من أمثال الجبال عباده المغترين).
ولذلك قال بعض العلماء: (كم من صائم مفطر وكم من مفطر صائم)، فالمفطر الصائم هو الذي يحفظ جوارحه عن المعاصي ويأكل ويشرب والصائم المفطر هو الذي يجوع ويعطش ويطلق جوارحه في المعاصي ومن فهم معنى الصوم وسره علم أن مثل من كف عن الأكل والجماع وأفطر بمواقعة الآثام كمن مسح عضو من أعضائه في الوضوء ثلاث مرات فقد وافق في ظاهر العدد إلا أنه ترك الفرض الذي هو الغسل فصلاته مردودة عليه بجهله ومثل هذا من أفطر بالأكل وصام بجوارحه عن المكاره كمن غسل أعضاءه مرة فصلاته متقبلة منه لإحكامه لأصل وإن ترك الفرع.

موسى بن قسور العامري

إلى الأعلى