الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (12)

مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (12)

تقدم بنا الكلام حول الاية المباركة )وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ( )فصلت ـ 41)، (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت ـ 42).
وبينا معنى العزة الالهية التي تتجلى في الاية في قوله تعالى:(وانه لكتابٌ عزيزٌ)، وهذا الوصف الالهي لهذا الكتاب بالعزيز لوصف يبين منعة القران من اختراق براهينه وقوة ادلته، وهو يشكل تحديا غير مباشر لكل من يظن به غير ما هو عليه.
والان سنكمل الحديث عن الاية المباركة:(لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت ـ 42).
ففي هذه الاية المباركة وصف لربما ان يقال تفصيل لبعض ما هو داخل في دائرة العزة والمنعة، فان العزة مفهوم يدخل في دائرة الكثير من المصاديق، واطلاق الاية المباركة في قوله تعالى:(وانه لكتابٌ عزيزٌ) يفيد عدم تقيد هذه العزة بمصداق دون آخر، بل ان كل ما هو متصور للعزة فان القرآن الكريم واجده، وان وجدانه هو من الله تعالى، والله سبحانه عزيز مطلقاً، بلا قيد ولا شرط ولا حدود، وهكذا هو كتابه العزيز.
وبناء عليه فان الاية المباركة التي تلي قوله تعالى:(وانه لكتابٌ عزيزٌ) تحمل وصفاً من اوصاف القرآن الكريم، وهو قوله تعالى:(لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) (فصلت ـ 42)، فهل هذا الوصف وصف جديد للكتاب العزيز، ام انه مكمل للآية المباركة؟، فإنه بحسب ما افاده المفسرون، ان المنعة القرآنية، والعزة القرآنية لها مصاديق عديدة، ومن جملة المصاديق ان هذا الكتاب العزيز لا يعرف في آياته وسوره ومفاهيمه اي شئ يفيد الباطل، فهو كتاب كله حق، وتبيين الآية المباركة عن انه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لشمولية حقانية القرآن، وتأكيد على العزة الاطلاقية للآية لقوله تعالى:(وانه لكتابٌ عزيزٌ)، فهذا البيان وكأنه بيان لبعض التفصيل لمعنى العزة، وهو انه لا يأتيه الباطل، وهنا لنا وقفة مع هذه الجملة المباركة من الآية الشريفة:(لا يأتيه) فان الامر الباطل يتصور وجوده في الانسان او في الشئ بنحوين فقط: اما ان يكون موجوداً فيه واما ان يكون موجوداً خارجه، ومن ثم يرد عليه.
فالآية المباركة لما ان ذكرت (لا يأتيه الباطل) فإنها بينت حقيقة جديدة من حقائق القرآن الكريم، وهي: ان هذا الكتاب الشريف عزيز، والعزة لا تكون الا من صميم مكوناته الداخلية، فهو اذن واجد لكل انواع العزة من داخله، ولكن قد يتوهم البعض ان وجدان القرآن الكريم لهذه العزة المطلقة من داخله قد لا يمكن اختراقها من الخارج، وذلك بطرح الشبهات على القرآن، وإيراد الاشكالات على آياته المباركة، الا ان القرآن الكريم يرفع هذا التوهم بقوله تعالى:(لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)، مبيناً ان العزة الاطلاقية شاملة للبعدين الدفعي والرفعي، فالعزة القرآنية كما انها رافعة لكل ما يخالفها، فكذلك هي دافعة لكل ما هو مخالف لها، فلا يمكن ان يأتيه الباطل من اي جهة متصورة او متوهة لزعزعة تلك المنعة والعزة القرآنية.
وهذا ما يزيد القرآن الكريم قوة وثقة بأن هذا الكتاب العزيز الحق المطلق قائم على اسس ثابتة ومحكمة ومتينة من البراهين العقلية، والادلة المنطقية مما يجعله في موقع المعيارية، والميزان الاساسي، والمحور في حل كل الخلافات القائمة بين الناس، وكذلك يجعله في موقع اسناد الثقة اليه، واعتباره فيصلاً لكل شئ، وكذلك يوجب القول ان اذا تصور الانسان ان القرآن فيه ما يخالف البديهيات العقلية او البراهين العقلية او التسلسل المنطقي بما ينتهي اليه فهو بعض الناس، فان قوله تعالى:(وانه لكتابٌ عزيزٌ، لا ياتيه الباطل من يديه ومن خلفه)، فان هذه الآية المباركة توجب للانسان ان يراجع افكاره وان يراجع متبنياته الفكرية، فان هناك حتماً وجزماً بعض الخلل في المقدمات والتي انتجت نتيجة خاطئة وكما يقول الاعلام:(ان النتيجة تتبع اخس المقدمات)، ثم قالت الآية المباركة:(تنزيلٌ من حكيم حميد).
والان لنتحدث ولو اجمالاً عن هذا التذييل، وهنا ينبغي ان نلفت انتباه العزيز المستمع ان التذييلات الآيات المباركة في القرآن الكريم متعلقة بمفاد الآية المباركة ودلالتها، ونلاحظ في آيات القرآن الكريم التي تنتهي باستعمال اسم من اسماء الله تعالى وصفاته وجود علاقة بين ما جاء قبل ذلك التذييل الشريف، بما يوحي الى وجود علقة بما ذكرته الآية المباركة من معاني ومفاهيم ودلائل باسم من اسمائه او بصفة من صفاته الشريفة.
وهذا بنفسه باب من ابواب معارف القرآن الكريم، وباب من ابواب المعارف الالهية، وهو من مختصات القرآن الكريم ولم تعرف الكتب السماوية السابقة بهذا الباب، والان لنتحدث عن الآية المباركة.
لقد قالت الآية المباركة:(تنزيل) .. فقد ذكر بعض الاعلام ان لفظة التنزيل صفة اخرى للقرآن الكريم، اي انه منزّل من الله تبارك وتعالى، وللفظ التنزيل فوائد جميلة نتركها الآن، ولكن لننتقل الى الاسمين المباركين من اسماء الله تعالى:(الحكيم) و(الحميد) .. فنقول اجمالاً .. بأن استعمال هذين الاسمين هنا في نهاية الآية المباركة دلالة على ان الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لا يكون امراً اعتباطياً بل انه مرتبط بحكمة عالية من قبله سبحانه وتعالى، اذ الذي يتصف بالحكمة فانه يلحلظ عليه اتصافه بالاتزان والموضوعية والتعقل والعمق والشمولية والرؤية المستقبلية ومع تطبيق معاني الحكمة فاننا نجد القرآن الكريم قد تجاوز ابعاد الزمان والمكان، فهو كتاب لكل زمان ومكان، فلا العصرنة تغير مداليله، ولا الحداثة تبدل برهانه، فهو قد نظم وصيغ من لدن الحكيم.
واستعملت الاية المباركة صفة الحميد بصيغة المبالغة، حميد، فهو الواحد الاحد الذي يستحق الحمد الدائم الابدي، في كل عصر وفي زمان وفي كل مكان، لما لهذا الكتاب من تناغم مع كل زمن وكل عصر، ومع ما له من القدرة على معالجة مشكلات الانسان في كل زمان وفي كل مكان .. فانه سبحانه ينبغي ان يحمد على هذه الاتقان والتنظيم في نظم الآية ومعانيها ومتانتها وقوتها وعمقها، فالحمد لله على انه هو الحكيم الحميد.
وهناك بحوث اخرى تتعلق ببيان العلة من تقدم اسم العزيز على الحكيم وعلى الحميد .. وهكذا .

هلال اللواتي

إلى الأعلى