الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : جرائم بحق اللاجئين ماذا.. بقي للإنسانية؟

رأي الوطن : جرائم بحق اللاجئين ماذا.. بقي للإنسانية؟

تعكس أزمة اللاجئين في العالم الواقع المؤلم والمخزي الذي يشهد تحولًا لافتًا في الانحدار في القيم، وانحطاطًا في الأخلاق والمُثل والمبادئ الإنسانية، حيث لم يعد أدنى احترام لحقوق الإنسان، بل إنها تحولت مع تكالب الأطماع الاستعمارية وتنافسها بين القوى الكبرى ذات التاريخ الاستعماري إلى وسيلة متعددة الأغراض لتحقيق الأهداف والمشاريع الاستعمارية في العالم الذي يشهد توظيفًا غير مسبوق للأوضاع الإنسانية التي يعيشها اللاجئون الفارون من مناطق الصراع، ليس فقط في استخدامهم مبررًا للتدخل في الشؤون الداخلية للدول بهدف استهدافها وإنجاز ما خُطِّطَ ضدها، أو لإفراغها من ثقلها السكاني والديمغرافي على النحو المشاهد في سوريا والعراق وليبيا وغيرها من البلدان العربية على وجه التحديد، وإنما حقق هذا التوظيف أيضًا مراده الأولي بأن تمكنت بعض القوى الكبرى الاستعمارية وتلك الساعية إلى تجديد تاريخها الاستعماري من تحقيق مكاسب ذاتية وشخصية، فباعت واشترت علنًا ومن دون حرج في قضية اللاجئين تحت عناوين إنسانية مخادعة وكاذبة؛ لكي تتمكن من تدوير تروس اقتصادها وبأسعار منخفضة تحققها هذه الأيدي اللاجئة الرخيصة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لإفراغ الدولة المستهدفة من ثقلها السكاني وحرمان مؤسساتها المختلفة من خيرة شبابها المهرة والقادرين على حماية أوطانهم، وكذلك لاحتوائهم في مخيمات اللجوء ومن ثم إعادة أدلجتهم فكريًّا وهويةً ووطنيةً وثقافةً، وإرضاعهم الأحقاد والكراهية تجاه أوطانهم وتحويلهم إلى منشقين ومتمردين وإرهابيين ليسهل إعادتهم إليها ليتولوا إنجاز الأهداف التي تسعى لتحقيقها الدولة المعادية المستضيفة لهؤلاء اللاجئين.

وفي فاجعة مؤلمة جديدة وحدث دموي آخر، أقدمت قوات الأمن التركي «الجاندرما» المنتشرة على الحدود مع سورياعلى ارتكاب مجزرة بحق عائلة سورية فرت من مناطق الصراع لتبدو كـ»المستجير من الرمضاء بالنار»، حيث راح ضحية هذه الجريمة البشعة أحد عشر فردًا.
وبينما راح من نصَّبهم أسيادهم «معارضة سورية» بالتغني بالكرم التركي، ويعدد فضائل التدخل التركي في الأزمة السورية، أخذت وسائل إعلامية عربية ـ للأسف ـ على عاتقها تبرير الحادثة والدفاع عن الجريمة البشعة، وتصدير عناوينها بتسطير بطولات الجيش التركي والتحالف الأميركي الستيني فيما قالت إنهما قتلا ثلاثة وعشرين عنصرًا من تنظيم «داعش»، مع أن هذه الجريمة البشعة بحق اللاجئين السوريين ليست الأولى وإنما سبقتها جرائم قتل بدم بارد، كما لا يبدو أنها ستكون الأخيرة.
واللافت أن هذه المجزرة المروعة تزامنت مع إعلان المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة يوم أمس أن عدد النازحين واللاجئين الذين فروا من النزاعات وحملات الاضطهاد في العالم سجل مستوى قياسيًّا بلغ 65,3 مليون شخص في 2015.وأفاد تقرير الإحصاء السنوي للمفوضية أنها المرة الأولى التي يتجاوز فيها عدد اللاجئين والنازحين في العالم الستين مليون شخص.
غير أن المفوضية وهي تحصي هذه الأرقام المتصاعدة والمخيفة لم تعرج على الأسباب المؤدية إلى ذلك، ولن تأتي إليها لعجزها وفشلها، بل واختطافها من قبل القوى المفتعلة للأزمات في هذا العالم وكوارثه.
في حين أن هذه الأزمة الإنسانية لا تحتاج إلى عناء جهد لمعرفة الأسباب والأدوار غير الإنسانية وغير الأخلاقية للدول الكبرى وسياساتها الاستعمارية وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وأن هؤلاء اللاجئين هم ضحايا هذه السياسات وباتوا أرقامًا في المشروع الغربي لا تكتفي القوة العظمى بإدارتها بقدر ما تضيف إليها وتسحب منها، حسب الحاجة ووفق الرغبة القائمة، فيما لعبة الأرقام وشيطنتها حاضرة بأصابع المنظمة الدولية وهيئاتها.

إلى الأعلى