السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / شاعر أوروبا الأعظم محمد يوهان فولفغانغ فون جوته

شاعر أوروبا الأعظم محمد يوهان فولفغانغ فون جوته

هل أسلم شاعر ألمانيا الأعظم؟ ولا أحد جدير بهذا اللقب سواه، يوهان فولفانج جوته، بل يراه الكثيرون من النقاد والباحثين ليس فقط شاعر ألمانيا الأعظم، وإنما الشاعر الذي لا مثيل له عبر كل العصور الأدبية الأوروبية ؟ فهل أسلم جوته العظيم ؟
سؤال يقينا يطرح دوما منذ 180عاما مع رحيل جوته، ويزداد إلحاح الباحثين على طرحه مع اقتراب 28 أغسطس من كل عام ذكرى ميلاده ” 1749″ و 22 مارس ، ذكرى رحيله ” 1832″.
أما سبب طرح السؤال ، تلك العلاقة ، ليست فقط الأدبية أو الثقافية بل الروحية العميقة التي ربطت جوته بالإسلام ومنذ شبابه المبكر، وما كانت “نزوة ” أيديولوجية أو وجدانية استغرقت بضعة شهور أو حتى سنوات كما هو حال بعض الأدباء والفنانين حين يبدون انبهارهم بنزعة فكرية وسرعان ما يخبو انبهارهم ، بل هي علاقة أقرب إلى التوحد ، ربما تفوق علاقة الكثير من البشر بدياناتهم التي “ولدوا بها ” !! فما هي أسباب هذا “التوحد ” ؟
أظنها تلك الجذور الروحية التي ارتبطت بتكوينه الجيني وتجلت منذ طفولته في حماسه لتعلم العبرية وقراءته للتوراة ليترجم عنه ديوانه “نشيد الأناشيد”، وقد انعكست تلك النزعة الروحية حين كبر، وكما يشير المفكر الراحل الدكتور عبد الرحمن بدوي في المقدمة التي استهل بها ترجمته لأهم أعمال جوته ” الديوان الشرقي لمؤلفه الغربي ” قال : إن الأديب قد يشعر في إحدى مراحل حياته بحالة من “الاغتراب الروحي” وهي حالة وجدانية عنيفة قد يشعر معها بحاجة ملحة إلى الفرار من البيئة التي يعيش فيها إلى أخرى جديدة يتلاءم معها.
وقد اتضحت هذه الظاهرة عند أصحاب النزعة الرومنتيكية من أدباء وفلاسفة وفنانين في مستهل القرن التاسع عشر وخاصة الألمان منهم والفرنسيين ، وقامت حركة قوية تدعو إلى الهجرة الروحية إلى الشرق، وكان جوته أحد أبرز المتأثرين بهذه الحركة. فهل انتهت تلك الهجرة الروحية بإسلام جوته ؟
الشاعر يستلهم هجرة النبي
عكف شاعر ألمانيا الكبير على قراءة القرآن الكريم سنة 1781 باللغة الألمانية ثم قرأه مرة أخرى في ترجمته اللاتينية، وكانت تلك القراءات وراء انجذابه للأدب العربي فقرأ المعلقات بترجمة جونز اللاتينية وغيرها من عيون الثقافة العربية .
وفي عام 1814 خرج كتابه “الديوان الشرقي لمؤلفه الغربي” والذي مزج فيه بين الشرق والغرب، وحظي فيه الإسلام والقرآن الكريم بإجلال لا مثيل له.
ويشتمل الديوان الشرقي على قسمين كبيرين، الأول شعر ، أما الثاني فهو تعليقات نثرية هدفها مساعدة القارئ على فهم الديوان ، أما القسم الشعري فيتكون من إثنى عشر كتابا هي “المغني، وحافظ ، العشق ، التفكير ، سوء المزاج ، الحكمة ، تيمور ، زليخا ، الساقي ، الأمثال ، الفارسي ، الخلد”.
وفي قصيدته التي جاءت في أول كتاب “المغني” تحت عنوان “الهجرة” تنويه من الشاعر إلى رغبته في أن يهاجر من هذا العالم الذي يمور بالأخطار كما هاجر محمد “صلى الله عليه وسلم” من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة “كانت أوروبا في مطلع القرن التاسع عشرة تئن تحت وطأة الاضطرابات السياسية والعسكرية الناجمة عن حروب نابليون في القارة “، في قصيدته تلك يقول جوته:
الشمال والغرب والجنوب تتحطم وتتناثر
والعروش تُثل، والممالك تتزعزع وتضرب
فلتهاجر إذاً إلى الشرق في طهره وصفائه
كي تتروح جو الهُداة والمرسلين
هنالك، حيث الحب والغناء
سيعيدك ينبوع الخِضر شاباً من جديد
إلى هنالك، حيث الطهر والحق والصفاء
أود أن أقود الأجناس البشرية
فأنفذ بها إلى أعماق الماضي السحيق
حين كانت تتلقى من لدن الرب
وحي السماء بلغة الأرض
دون تحطيم الرأس بالتفكير
فهل تعبق تلك الأبيات بشذى اعتناق الشاعر العظيم الإسلام ؟
معتقداته إسلامية
ثمة علامات أكثر جلاء في علاقة الرجل بديننا الحنيف ، فحين صدر كتابه هذا ” الديوان الشرقي ” قال جوته ” لا أكره أن يقال عني أنني مسلم ،” ،وفي السبعين من عمره أعلن عن اعتزامه الاحتفال بتلك الليلة المقدسة التي أنزل فيها القرآن على النبي محمد ، وقبل ذلك بسبعة وأربعين عاما ، أي حين كان في الثالثة والعشرين كتب قصيدة أشاد فيها بنبي الاسلام ، وما بين الثالثة والعشرين، والسبعين، الكثير من العلامات على طريق المحبة والتعلق بالعقيدة الإسلامية، فقد وصف القرآن الكريم أن أسلوبه ” محكم، سام، مثير للدهشة، وفي مواضع عديدة يبلغ قمة السمو حقاً” وتنوه الباحثة كاترينا مومزن أستاذة الأدب الألماني بجامعة استانفورد الأميركية في كتابها “جوته والعالم العربي” إلى أن المعتقدات الإسلامية الواردة في القرآن كانت تتفق مع معتقدات جوته الدينية والفلسفية ومنها فكرة التوحيد، والاعتقاد بأن الله يتجلى في الطبيعة، وأنه سبحانه يخاطب البشر على لسان الرسل.
وتشير “مومزن” إلى الرسالة التي بعث بها جوته إلى هردر عام 1772 والتي قال فيها “إني أود أن أدعو الله كما دعاه موسى في القرآن : رب اشرح لي صدري” كبرهان على ارتباط شاعر ألمانيا العظيم بالقرآن الكريم.
وقد احتشدت مقطوعاته الشعرية الحكيمة بالمعاني المستلهمة من آيات القرآن الكريم ، ففي إحدى هذه القصائد يقول:
يريد الضلال أن يربكني
لكنك تعرف كيف تهديني
فإن أقدمت على عمل أو أنشدت شعرا
فأنر أنت لي جادة الطريق
وفي قصيدة أخرى يقول :
هو الذي جعل لكم النجوم
لتهتدوا بها في البر والبحر
ولكي تنعموا بزينتها
وتنظروا دائماً على السماء.

تمثيلية عن النبي
ويعد الدكتور عبد الرحمن صدقي أحد أكثر الكتاب العرب الذين شخصوا بعمق علاقة جوته بالاسلام وذلك في كتابه “الشرق والغرب في أدب جوته ” .
ومن الأمثلة التي ذكرها صدقي على تأثر جوته بالقرآن الكريم قوله في “الديوان الشرقي “: لله المشرق ولله المغرب، وفي راحتيه الشمال والجنوب جميعا ، هو الحق ، وما يشاء بعباده فهو الحق، سبحانه له الأسماء الحسنى، وتبارك اسمه الحق وتعالى علوا كبيرا “. وقوله أيضا: لِمَ لا اصطنع من التشابيه ما أشاء، والله لا يستحيي أن يضرب مثلا للحياة ببعوضة.
وبدأ جوته في عام 1773 بتأليف تمثيلية عن محمد صلى الله عليه وسلم، كان عنوان فصلها الأول “مناجاة محمد” حيث صور النبي الكريم وهو فتى قد خلا بنفسه بالليل بعيدا في البادية تحت سماء صافية، واعتمد شاعر ألمانيا الكبير في المناجاة على مضمون بعض الآيات التي وردت في سورة الأنعام: وأنهى جوته مناجاة النبي بقوله:
فارتفع أيها القلب العامر بالحب نحو الخالق
إنك وحدك مولاي يا رب
إنك الحب المحيط بكل شيء
خالق الشمس والقمر والكواكب
خالق السماء والأرض وخالق نفسي
وبعد ذلك أدار جوته حوارا بين محمد صلى الله عليه وسلم ومرضعته حليمة ، وكان شاعر ألمانيا الكبير لا يخفي اعجابه الشديد بالنبي إسماعيل عليه السلام حيث رأى في مولده “تدبيرا من العلي القدير” وأن ملائكة الرحمة أنقذته من الذبح لكي تكون لإسماعيل ذرية عظيمة تحقق ما لا يمكن تصوره وبحيث تصبح ذرية إبراهيم بعدد نجوم السماء ، ومن أقواله أيضا: الإيمان بقضاء الله وقدره يجد أدق تعبير عنه في الإسلام .
وزاد: إن الدين المحمدي يقدم أفضل دليل على ذلك .
حوار مع حورية
ويختم صدقي كتابه عن الشاعر الألماني بمقطوعة وهي حوار دار بينه وبين حورية من الجنة: جسد فيها جوته أمنيته بدخول جنة المسلمين، وينقل عبد الرحمن صدقي عن جوته قوله في كتاب الخلد من الديوان الشرقي:
“ليندب الأعداء قتلاهم فإنهم من الهالكين، أما الشهداء من إخواننا فلا تندبوهم فإنهم أحياء في أعلى عليين ، لقد فتحت السموات السبع أبوابها لهم أجمعين. وهم أولاء يقرعون أبواب الجنة يدخلونها بسلام آمنين، وقد أخذ منهم العجب، وغلبت عليهم نشوة الطرب، إذ يجتلون من مجالي الجمال والجلال ومطالع السنا والبهاء، ما اكتحلت به عين النبي في ليلة الإسراء، إذ أقله البراق إلى السماء، وطاف به السبع الطباق في لحظة خاطفة، وفي هذه الجنة جنة النعيم تقبل على أجنحة النسيم أسراب الحور العين، فانعم أيها المجاهد الشهيد بالنظر إليهن. إن المال فان والجاه زائل، ولا يبقى إلا طعنة كهذه لقيها المؤمن في سبيل الله. وتذهب بك الحور العين إلى خمائل بالكروم معروشة وهن أبكار أتراب جميعهن، لا تفاضل في روعة الحسن ونضرة اللون بينهن فانعم بهذا الصفو الذي لا كفاء له ولا عوض منه، بين أسراب من الحور العين لا يضجر معاشرها، وأكواب من الرحيق المختوم لا يسكر معاقرها.
وعن لغة القرأن قال جوته : ربما لم يحدث في أي لغة هذا القدر من الانسجام بين الروح والكلمة والخط مثلما حدث في اللغة العربية ،وإنه تناسق غريب في ظل جسد واحد .
هل كل هذا يصلح لأن يكون برهانا على إسلام جوته ؟
محمد جوته
في مدينة فايمار الألمانية ،حيث ثمة جماعة اسلامية من سكان المدينة ترى في مدينتهم الموطن الثاني لشاعر ألمانيا الكبير بعد مدينة فرانكفورت التي ولد فيها ، يسعى هؤلاء المسلمون منذ أعوام الى تسليط الضوء على علاقة شاعرالمانيا الكبير بالاسلام ،وبلغ الأمر بشيوح هذه الجماعة أن اصدروا عام 1995 فتوى بأن يوهان فولفغانغ فون جوته اعتنق الدين الاسلامي ، فأطلق عليه المسلمون بالمدينة اسم محمد، وخلاصة الفتوى التي أعدها الشيخ عبد القادر المرابط ووافق عليها شيوخ المسلمين في المدينة أن كافة محتويات مصنفاته العلمية تشير إلى الدعوة مدى حياته إلى نظرة تقول إن الكون مخلوق من لدن ذات إلهية وأن الخالق لا يرتبط بأي وجه مع مخلوقاته.
ورغم أن جوته أمضى عمره في بلاد غير المسلمين فإنه تبنى وصرح من صميم قلبه عن التزامه بالشهادتين وأقر بأنه لا إله إلا الله الواحد ، وأن رسوله وخاتم المرسلين هو محمد صلى الله عليه وسلم.
وبدون أن يتلقى جوته تعاليم حول الصلاة والزكاة والصوم والحج فإنه مع ذلك اغتنم وباعتزاز الفرصة النادرة لحضور صلاة جمعة، وبهذا كله يتضح أنه اعتبر الإسلام دينه الخاص، ومعلوم من الأحاديث الشهيرة والثابتة العديدة في مسلم والبخاري وكتب السنن، أن الإيمان بالله وبرسوله هو الباب المؤدي إلى الإسلام بلا ريب وهو مفتاح الجنة.
وعلى ذلك فبالإمكان الإقرار بوضوح بأن أعظم شعراء أوروبا ومجد اللغة الألمانية وحياتها الفكرية كان في الوقت ذاته أول مسلم في أوروبا الحديثة، حيث أيقظ في قلوب الناس الشوق نحو معرفة الله ورسوله، تلك المعرفة التي رقدت في سبات عميق منذ أن خيم الظلام على إسبانيا الإسلامية، وفي ضوء إقراره الأكيد بالنبي صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن يُعرف بين المسلمين من الآن فصاعدا بـ “محمد يوهان فولفغانغ فون جوته ”
فتوى الشيخ عكرمة
وقد نقل الكاتب الفلسطيني بشير بركات تلك الفتوى إلى بعض رجال الدين في مدينة القدس ، من بينهم الشيخ عكرمة صبري مفتي القدس الشريف والديار الفلسطينية الذي قال ان مكمن الإيمان هو القلب، وإن اللسان والقلم يترجمان ما في القلب، وإن المتتبع لما كتبه الشاعر الألماني جوته يلمس الأمور الآتية:
1- التركيز على توحيد الخالق، وعدم إقراره بالإشراك والشرك.
2- بغضه الشديد لموضوع صلب عيسى عليه السلام ،أي أنه لا يقر فكرة الصلب.
3- إقراره بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام وإعجابه به وتقديره له.
4- إقراره بنبوة سائر الأنبياء والمرسلين كإبراهيم وداود وموسى وعيسى عليهم السلام.
5- إعجابه بالقرآن الكريم وتأثره به.
6- إقباله على دراسة اللغة العربية وحبه لها وافتتانه بها.
وينتهي الشيخ عكرمة صبري الى أن جوته رغم أنه لم يعلن اعتناقه للإسلام بشكل علني ورسمي إلا أن تركيزه على هذه الأمور من خلال شعره وكتاباته تجعل منه مسلما مؤمنا،
فهل نسلم بتلك النتيجة التي انتهى إليها الشيخ عكرمة بأن جوته كان مسلما ؟
تحفظ مكاوي
يبدي الدكتور عبد الغفار مكاوي أستاذ الأدب الألماني تحفظه على هذه الفتوى وعلى كل من ذهبوا في هذا الاتجاه ، ويرى مكاوي أن جوته قد آمن بفكرة التوحيد والدين الإسلامى ولكنه لم يعتنقه، كما ادعى الكثير من الكتاب العرب ، مشيرا إلى أن كتاب عبد الرحمن صدقى “جوته والإسلام” الصادر عن دار الهلال أكد أيضا على أن جوته استراح لمعنى التسليم قائلا: إن جميع البشر سيعيشون ويموتون مسلمين ، ومنذ عدة أعوام كتب مانفرد أوستن مقالة في صحيفة نويه تسوريشر تسايتونغ السويسرية بعنوان “هل كان جوته مسلما؟”. وكما يقول الكاتب الفلسطيني بشير بركات لم يتمكن الكاتب من الإجابة عن هذا التساؤل، وعلقت الباحثة كاترينا مومزن على ذلك قائلة: “حقا هناك أكثر من دليل يشهد على أن جوته لم يكن مسلما. إلا أننا مع ذك نعثر لديه على عبارات وسلوكيات كثيرة تبين أن جوته كثيرا ما كان ينسب نفسه إلى دين الاسلام” .
لكن ثمة آخر لفت انتباهي وأنا أجول بين المراجع ومواقع الانترنت منقبا عن كل الأبعاد المتعلقة بعلاقة جوته بالإسلام ، حيث قال أحدهم: تأثر جوته بالثقافة الإسلامية ولايعني هذا اعتناقه للدين الإسلامي ،! هل تبدو مثل هذه الأراء منطقية ؟ لا أدري ، لكن ، حين يبلغ هذا التأثر بالمنبع نفسه ـ الإسلام – الحد الذي يقول فيه جوته :أنا لا أكره أن يقال عني أنني مسلم ، ألا يمكن بالفعل أن يكون مسلما ؟ وهل مثله – شاعر ومفكر وحكيم – يمكن أن يتأثر بشيء إلى حد الانبهار ، ويؤمن بشيء آخر :؟!
على أية حال ، تلك مسألة ـ أعني اعتناق جوته للاسلام ـ خاصة تماما بعلاقته بربه ، الله وحده العلي القدير المطلع على سرائر النفوس ، ويعلم ان كان جوته قد أسلم أم لا ، أما علاقته بنا كأمة اسلامية اجترأ الكثير من نظرائه المستشرقين على ثقافتها وعقيدتها ، فعلينا أن نثمن جهد هذا الشاعر العظيم في تقديم الاسلام للغرب بل والعالم عبر إبداعه المتنوع بتلك الموضوعية والرقي، ورسوخه في ذاكرتنا الجمعية كأحد أهم المبدعين في مسيرة الأدب العالمي.

محمد القصبي

إلى الأعلى