السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أكذب الحديث (1)

أكذب الحديث (1)

صفة قبيحة، وخصلة بغيضة، وخلق ذميم، وداء عضال. إنه سوء الظن، نعم إنه سوء الظن بالآخرين.
إن التعامل بالظنون يمزق لحمة المجتمع، وبفتت وحدة الصف، ويفرق وشيجة القربى، ويشتت شمل المسلمين، ويفقد الثقة بين أبناء الأمة الواحدة، ويصبح الناس شيعًا وأحزابًا، ويمسى الأقارب متقاطعين، والأحبة متخاصمين، والأصدقاء متباعدين، والزملاء متنافرين، والإخوان متدابرين لذلك حذر النبي (صلى الله عليه وسلم) من سوء الظن فقال:(إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً) ـ رواه الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة ـ رضي الله عنهم ـ (رقم الحديث : 698).
قال الإمام الربيع رحمه الله تعالى: ولا تجسسوا، أي: لا يتبع بعضكم عورة بعض، ولا تحسسوا، أي: لا يمش أحدكم بالنمائم، ولا تنافسوا، أي: ولا ينتقم بعضكم من بعض بما جعل فيه من السوء.
هَذَّا الْحَدِيثُ الشريف الذي يخرج من مشكاة النبوة موافق لقول الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) (الحجرات ـ 12).
يبدأ الحديث الشريف بلفظ (إياكم) وإياكم أسلوب تحذير يُستعمل لمزيد من التنفير والزجر، ولمزيد من تهويل خطر وخطورة المحذر منه، وهو هنا سوء الظن بالآخرين إذ يراد بالظن في الحديث سوء الظن، وقد استخدم النبي (صلى الله عليه وسلم) هذا الأسلوب في كثير من الأحاديث منها: إياكم:(إياكم والطمع)، (إياكم والغيبة)، (إياكم والحسد)، (إياكم والشح)، (إياكم والدخول على النساء)، (إياكم والكبر)، (إياكم والغلول)، (إياكم وقتل ذراري المشركين)، (إياكم والغلو في الدين)، (إياكم ومحقرات الذنوب).
إن سوء الظن تهمة تقع في القلب بلا دليل ولا برهان سببها الوهم والتوهم، ومنشأها الشك واللبس والتقول، ومصدرها النقل والقيل والقال، ولا ريب أن هذه التهمة إن لم يئدها صاحبها فإنها تؤدي إلى نتائج سيئة وعواقب اجتماعية وخيمة؛ تؤدي إلى سلوك عدواني ظالم، أو قول بذيء فاحش، أو تصرف أعمق طائش.
سوء الظن يفتح أبواب الشر وطرقه، ويوسع منافذ الشيطان ومداخله. سوء الظن مفتاح الشرور وبوّابة الآثام. سوء الظن من الآفات الاجتماعية الخطيرة الحالقة، ومن الأمراض النفسية الفتاكة المدمرة؛ فكم من العلاقات الزوجية تقطعت بسبب سوء الظن، وكم من البيوت والأسرة تهدمت بسبب سوء الظن، وكم من الأرحام قطعت بسبب سوء الظن، وكم من حبال الود بين الأحبة تصرمت بسبب سوء الظن، وكم تعدى أناس على آخرين بسبب سوء الظن، وكم من الأبرياء شوهوا بسبب سوء الظن، وكم من الخصومات والعداوات تولدت بسبب سوء الظن، فسوء الظن فتنة، والفتنة أشد من القتل؛ لذلك أمر الله بالتثبت والتبين وعدم التسرع في إلقاء التهم؛ احترازًا وخشيةً من الوقوع في الإثم والندم، فقال الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات ـ 6).
تأملوا في هذا الحديث الشريف، ودققوا النظر في مفرداته وألفاظه، وفتشوا في مضامينه ودلالاته، وتفكروا في بدايته ونهايته وما بينهما، تجدوا أنفسكم أمام مجموعة أسئلة بحاجة إلى إجابة، نذكر منها خمسةً أربعة متعلقة بأول الحديث، والخامس بآخره وهي:السؤال الأول: ما معنى عبارة (فإن الظن أكذب الحديث)؟، والسؤال الثاني: لم كان سوء الظن أكذب الحديث؟، السؤال الثالث: لماذا سمي الظن حديثًا مع أنه مرض قلبي إذ هو تهمة تقع في القلب بلا دليل ولا برهان؟، السؤال الرابع: ما مناسبة اقتران سوء الظن بالتجسس والتحسس وغيرهما مما ذُكر في الحديث الشريف، بل وتقديمه عليها؟، السؤال الخامس: لم خُتم الحديث بعبارة (وكونوا عباد الله إخوانًا)؟.
ويجاب على هذه الأسئلة بالآتي: عبارة (فإن الظن أكذب الحديث) تدل على خطر وخطورة سوء الظن بالآخرين، ومعناها ليس هناك حديث أكذب من الظن مهما عظُم، وإلا لكانت العبارة (فإن الظن من أكذب الحيث) وفرق بين العبارتين كما ترون، ونبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) المؤيد بالوحي أعطي جوامع الكلم.
أما السؤالان الثاني والثالث فقد أجاب بعض العلماء عنهما بالآتي: إنما كان الظن أكذب الحديث لأن الشيطان هو الذي يقذفه في قلب الإنسان، فيعتقد الإنسان أنه في ظنه هذا يستند على أصل يعتمد ويتكئ عليه، فيكون الاغترارُ به أكثر من الاغترار بالكذب المحض البين .. وللحديث بقية.

يوسف بن ابراهيم السرحني

إلى الأعلى