الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ـ 16

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ـ 16

مزايا الارتجال:
للارتجال مزايا عظيمة الأهمية، ومن أهمها: أن الخطيب المرتجل يستطيع أن يغير مجرى خطابه تبعا لما عسى أن يجد من أحوال المستمعين ، فقد يكون كلامه في إتجاه معين فيلاحظ من المستمعين ما يدعوه إلى اتجاه آخر فيتحول إليه،غير متقيد بشئ مكتوب، وقد تكون تلك الفرصة أثمن فرصة هيأها له ذلك الموقف ، فلا يستهين باستثمارها ،لأن قد لا تعود.
حدث أن أبا جعفر المنصور كان يخطب ،فلما واجه الناس بقوله:(اتقوا الله) قال له أحدهم (أذكرك من ذكرتنا به)، فقال أبو جعفر:(سمعا سمعا لمن فهم عن الله وذكر به، وأعوذ بالله أن أذكر به وأنساه، فتأخذني العزة بالأثم ،لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين) ثم التفت إلى الرجل وقال:(وما أنت؟ والله ما الله أردت بها، ولكن ليقال قام فلان فقال، فعوقب فصبر، وأهون بها لو كانت العقوبة، وأنا أنذركم أيها الناس أختها، فان الموعظة علينا نزلت، وفينا نبتت)، ثم عاد إلى موضوع خطابه. (من كتاب الكامل لابن الأثير ج6 ص 12)، وأن الارتجال كثيراً ما يسعف الخطيب بمدد من تداعي الأفكار ، فقد يكون بصدد الحديث عن أمر معين، إذا هو قد انبثق في ذهنه شئ آخر ما كان مستعدا له من قبل، وما خطر له بال، فيرى أن هذه الفكرة الطارئة أرفع منزلة، وأعظم تأثيراً مما كان هيأه في نفسه، فيقتنصها ويضيفها إلى ما هو بصدد الحديث عنه، وأن للارتجال أعظم الأثر في تحريك انفعال الخطيب ، من أجل توجه اهتمامه إلى مايقول، لا إلى ما يقرأ، ولا يخفى أن التاثير في المستمعين يشتد بمقدار تأثر الخطيب وانفعاله، وأن المستمعين يعتبرون المرتجل خطيباً، لا أنه مجرد قارئ للورق، وهذا الاعتبار مساعد على تقبلهم لما يشفههم به أكثر من تقبلهم لما يقرؤه غيره عليهم.
مزالق الارتجال:
ومن المرتجلين من يتضاءل اعتبارهم في نظر المستمعين أو يصابون بحبسة مريعة، فينهار اعتبارهم تماماً.
أما تضاؤل اعتبارهم فينشأ عن عدة أسباب، منها: أن يتناول أحدهم موضوع الخطاب من غير إعداد كاف فيكثر تردده، أو سكتاته الطويلة، ويلوح عليه الاضطراب ، فيغضب مستمعيه، ويتمنون أن ينهي كلامه، وأن يتوصل بيانه بلا توقف، ولكنه يعرض الموضوع في صورة أفكار غير واضحة، أو مبعثرة، تلك من هنا، وهذه من هناك، وأن يعرض هيكل الموضوع أفكار مرتبة، ولكنها مفككة، وتفصل بينها ثغرات يملؤها باللغو وفضول الكلام، وأن يعهد من نفسه أنه مصاب بالذهول وشرود الذهن أو النسيان أوالتعب والمرض، ومع ذلك يقدم على الارتجال.
وأما إصابة المرتجلين بالحبسة وبحجب المعاني عنهم فان أكثر ما يكون ذلك عند مهابتهم الشديدة للموقف، وانبهارهم من نظر الناس إليهم، وأنه موقف رهيب، وقيل لعبد الملك بن مروان: عجل عليك المشيب يا أمير المؤمنين، فقال:(كيف لا يعجل على وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين؟) ومرة قال:(شيبني صعود المنابر والخوف من اللحن)، وصعد روح بن حاتم المنبر، فلما رآهم قد رفعوا رؤوسهم إليه، ووجهوا نحوه أبصارهم، وتهيأت له أسماعهم حصر .. (لم يستطع النطق) .. فقال:(نكسوا رؤوسكم، وغضوا أبصاركم، فان المنبر مركب صعب، وإذا يسر الله فتح قفل تيسر)، وكان عبد ربه اليشكرى عاملا على المدائن ، فصعد المنبر فحمد الله وأرتج عليه، (استغلق عليه الكلام) .. فسكت،ثم قال معتذراً:(والله إني لأكون في بيتي ، فتجئ على لساني ألف كلمة ، فاذا قمت على أعوادكم هذه جاء الشيطان فمحاها من صدرى ، ولقد كنت وما في الأيام يوم أحب إلي من يوم الجمعة،فصرت وما في يوم من الأيام أبغض إلى من يوم الجمعة وما ذلك إلا لخطبتكم هذه)، وخطب عبدالله بن عامر بالبصرة في يوم أضحى فارتج عليه، فمكث ساكتا ثم قال:(والله لا أجمع عليكم عيا .. (العجزعن الكلام) .. ولؤماً، من أخذ شاة من السوق فهي له، وثمنها عليّ.
هل نيأس إذا من القدرة على الارتجال؟
إن كل ما تقدم لا يحملنا على اليأس من القدرة على الارتجال ، بل لا تحمل ذوي الهمم المتوثبة إلا على الثقة بالقدرة عليه ، وذلك عندما نتلمس مواطن الضعف ، ونعالجها بما تقدم توضيحه في كل من القوى الثلاث فإذا صحب ذلك إرادة صادقة وتمرن متواصل ، فان الخطيب يتمكن بمشيئة الله من ناصية الارتجال.
ومن خير ما يساعده عند التمرن: أن يتدرب على الارتجال باستمرار في وقت ثابت ويحسن ـ عند الإمكان ـ أن يكون أكثر من مرة في الأسبوع، وأن يفكر في المواضيع التي سيتدرب عليها، ويعدها إعدادا تاما كأنه سيلقيها على ملأ من الناس، وبعد إعداد الموضوع يرتجل القول فيه، وأن تكون مواضيع التدرب واضحة عنده غير متشعبة المسالك ولا مترامية الإبعاد، وأن يكون إلقاوه في أناة وعلى مهل، وأن يعلم أن ما يطرأ عليه من انقطاع تسلسل كلامه، ما هو إلا ظاهرة عابرة ستنتهى بمرور بعض الوقت، وأن يقوم بالارتجال في بعض المناسبات بين أصدقائه ويستشير من يثق برأيه واخلاصه ،ثم يلتزم باصلاح ما لا يستحسن منه، وأن يحرص على أن لا يخطب من الورق بعد انقضاء وقت كاف من التدريب، وأن يهتم ـ عند الامكان ـ بملاحظة الخطباء المرتجلين، وبكيفية تصرفهم ومدى تأثر المنصتين اليهم.
فاذا عمل بهذه الملاحظات قضى على اليأس من القدرة على الارتجال بإذن الله تعالى.
أما مزالق الارتجال فليعمل على تفاديها بتجنب اسبابها المتقدمة، واما الحصر والارتاج فلا يهوله منهما ما قد يحدث له عند مواجهة الجماعات أو الجمهور، وينبغي أن لا يحمله ذلك على اليأس، وليهون الأمر على نفسه إذا شق عليه، كما هون زياد بن ابي سفيان على عبدالله بن عامر، قال الجاحظ:(لما حصر عبدالله بن عامر على منبر البصرة شق ذلك عليه ، فقال له زياد: أيها الامير إن اقمت عامة من ترى اصابه اكثر مما اصابك) (البيان والتبيين ج2 ص255).
وهذا حق فإن موقف المنبر صعب كما بينا من قبل، ولو فطن الخطيب أن معظم من أمامه من جمهور الحاضرين أو المستمعين لا يستطيعون أن يقفوا موقفه لما تردد أو خاف أو شق هذا الأمر عليه، وليعلم الخطيب الناشئ انه لا يحمد الخطيب مع كل ما تقدم الا إذا كان جيد الالقاء .. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى