الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطاب حقوق الإنسان في التداول الفكري والثقافي المعاصر أصبح أكثر رواجاً وذيوعاً

خطاب حقوق الإنسان في التداول الفكري والثقافي المعاصر أصبح أكثر رواجاً وذيوعاً

عبد الغني زهرة : الشريعة الإسلامية (حاضنة) للقيم الإنسانية والتاريخية
الإسلام جعل من حماية الحقوق مقصده الأسمى حتى يتفرغ الإنسان للقيام بمهمة الاستخلاف

القاهرة ـ من محمد فتحى:
تتفاخر الحضارات بتفوقها المادي والاستعماري التوسعي علي حساب حضارات اخرى ولا يحكمها سوى قانون البقاء للاقوى فلا تعرف الا المصلحة الشخصية على حساب الآخر، أما الحضارة الاسلامية فهي شيء آخر لأنها تستمد مبادئها وقوانينها من خاتم الرسالات (الاسلام) والذي هو والسلام وجهان لعملة واحدة لا يعرف طمس حضارة او ابادة لأهل او حتى قتل الحيوان وتخريب العمران وحرق الزرع، وهو أكثر الديانات التى أولت اهتماماً بحقوق الانسان وبالقيم الحقوقية، وهذا ما حاولنا ايضاحه مع الدكتور عبد الغني زهرة استاذ التاريخ والحضارة بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر.
القيم الحقوقية باتت اكثر ذيوعاً في التناول الفكري والثقافي المعاصر .. كيف تضمنتها الحضارة الاسلامية؟
الحضارة الإسلامية تضمنت العديد من القيم الإنسانية مثل القيم الحقوقية، والقيم التعبدية، والقيم العلمية والمعرفية، والقيم الاجتماعية، والقيم الإعلامية، والقيم الاقتصادية، والقيم الصحية والبيئية وغيرها ويأتى على رأس هذه القيم فى الوقت الحاضر القيم الحقوقية، وذلك لأن خطاب حقوق الإنسان في التداول الفكري والثقافي المعاصر أصبح أكثر رواجاً وذيوعاً، والتوعية بالقيم الضامنة لحقوق الإنسان مثل العدل والمساواة والحرية والإنصاف وتكافؤ الفرص .. وغيرها من القيم أصبحت الشغل الشاغل للمنظمات الدولية والأهلية على حدٍ سواء، بل وأصبحت مؤشرات التنمية البشرية في أي بلد تقاس بمدى احترامه لحقوق الإنسان.
نود التعرف علي المنظور الاسلامي في حماية الحقوق؟
لن نضيف جديداً إلى كتابات المفكرين المسلمين الذين فرغوا جهدهم وطاقتهم للدفاع عن المنظور الإسلامي في حماية الحقوق في منشوراتهم ومناظراتهم وندواتهم ومشاركاتهم الإعلامية، ولكن علينا أن نلفت نظر الجميع فى هذا الوقت على ما يميز الحضارة الإسلامية عن غيرها فى الجانب الحقوقى، والتمايز حاصل بالذات في أن نظرة الإسلام إلى حماية الحقوق لا تنحصر في حقوق الإنسان، وإنما يجعل هذا الجانب من الحق مندرجاً ضمن منظور متكامل، فنحن حين نتحدث عن حقوق الإنسان انطلاقاً من المرجعية المستندة إلى أحكام الإسلام وما ينسجم مع مقاصده من اجتهادات عالمية، فإنما نفعل ذلك من منظور يبدأ أولا بالتربية على احترام حقوق الله، لأن من لا يحترم حقوق الله لا يمكن أن يحترم حقوق غيره، ثم التربية على احترام حقوق الإنسان، وبعد ذلك تأتي حقوق المحيط على الإنسان من حيوان ونبات باعتبارها كائنات مسخرة لا تقبل العبث ولا الإسراف، وإنما تستغل بالعدل والقسط والإحسان، وبذلك كان تنظيم القيم الإسلامية لمجال الحقوق أوسع وأشمل وأكمل .. ويبرز هذا المنظور الشمولي في سؤال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لمعاذ ـ رضي الله عنه ـ حين قال له:(يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال:أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدري ما حقهم عليه؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال:ألّا يعذبهم).
كيف كانت الشريعة الاسلامية حامية للانسانية بصفة عامة كقيمة حضارية للبشر جميعأ؟
جاءت الشريعة الإسلامية لتحمي حق الإنسان بصفة عامة في الحياة، قال تعالى:(لاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ)، وقال (صلى الله عليه وسلم):(لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: السيب الزاني، والنفس بالنفس، والمارق من الدين التارك للجماعة)، ويروي الإمام البخارى فى صحيحه عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً)، ودعت الشريعة إلى سياسة الناس بالعدل، قال تعالى:(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، وقال (صلى الله عليه وسلم):(إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، كما نظرت الشريعة إلى الناس على اختلاف أعراقهم وأجناسهم نظرة مساواة في الإنسانية والوجود؛ قال (صلى الله عليه وسلم):(يا أيها الناس، إن ربكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي ولا عجمي على عربي ولا أحمر على أبيض ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى).
إن هذه القيم الرئيسة الحامية للحقوق بنظرة الإسلام الشاملة، لا تنظر إلى الإنسان نظرة اعتبار وتقدير إلا بقدر اعتباره وتقديره لحقوق الآخرين في علاقته مع خالقة ونفسه والناس والبيئة من حوله.
وكيف رسخت الحضارة الاسلامية حماية الحقوق كمقصد سامي في مبادئها؟
الإسلام جعل من حماية الحقوق مقصده الأسمى حتى يتفرغ الإنسان للقيام بمهمة الاستخلاف بعد أن كرمه الله بنعمة التسخير، وفي ذلك يقول أبو حامد الغزالي: (إن مقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم. فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة، وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل ألا تشتمل عليه ملة من الملل وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق).

إلى الأعلى