الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (99)
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله ، وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد: فـلا زال الحـديث مـوصولا عـن مـوضـوع: مـن مـواقـف الـرجـال:
قال حـمـدان بن الأصـبهاني: كـنت عـنـد القـاضي شـريـك فأتاه أحـد أولاد الـمهـدي واسـتـنـد إلى الحائـط واقـفـا، وسـأل شـريكاً عـن حـديـث فـلم يجـبه ولم يـلـتـفـت إلـيه، وأعـاد الفـتى السـؤال فـلـم يـلـتـف إلـيه.
فـقالأحـد خـدم الـمهـدي: أتسـتخـف بأبـناء الخـلـيـفـة؟ قال القـاضي شـريـك: لا ولـكـن العـلـم أزيـن عـنـد أهـلـه مـن أن يضـيعــوه، فـهـم الفـتى سـبـب إعـراض القـاضي شـريـك عـنه ، فـجـثا عـلى ركـبتـيه أمام القـاضي ، فـأقـبـل عـليه بـوجهـه ثـم سـأله فأجابه، وعـنـد ما أراد أن يقـوم قال له شــريـك: هـكـذا يطـلـب العـلـم، لـمـن يـعرف قـدر العـلـم والعـلـمـاء.
شـجاعـة الأوفـياء: كان أبـو مـوسى الأشـعـري الصحابي الجـلـيـل الـمعـروف واليا لأمـير الـمـؤمـنـين عـمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عـنه ـ عـلى البصـرة، وكان الـولاة في ذلـك الـوقــت هـم الـذين يصـلـون بالناس، ويخـطـبـون في الجـمـع في مـراكـز ولاياتهـم ، كـما كان الخـلفـاء يخـطـبـون في عاصـمة الخـلافة.
وكان أبـو مـوسى الأشـعـري إذا انهى الخـطـبة، خـتـمهـا بحمد الله تعالى والثـناء عـليه، ثـم يصلي عـلى النبي (صلى الله عـليه وسـلـم) ثـم أخـذ يـدعـو إلى أمـير الـمـؤمنين عـمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عـنه ـ ويـعـد مآثـره ومـواقـفـه وسـوابـقـه، وما قـدمه ويقـدمه للإسلام والمسلـمـين ، ولـم يـذكـر أبا بكـر بشيء.
وفي إحـدى الجــمع كـرر أبـو مـوسى أسـلـوبه، فـوقـف له جـنـدي عـادي مـن جـنـوده اسـمه ضـبة بن محـصـن العـنـزي، وقال له: أيـن أنـت مـن صاحـبه (يقـصـد أبا بكـر) لا تـذكـره وتفـضله عـليه ، وهـو خـير مـنـك ومـنه.
ذهـل أبـو مـوسى الأشـعـري مـن مـوقـف ضـبة أمام الناس ،ولـم يجـد إلا أن يكـتب إلى أمـير الـمـؤمنيـن عـمـر بن الخـطاب يشـكـو ضـبة عـلى أنه يـشغـب عـليه ويعـترض عـليه في خـطـبته، وهـو يعـلـم أن أمـير الـمؤمنين عـمـر بن الخـطـاب لا يتهاون مـع أي جـنـدي يـشـغـب عـلى قائـده.
بعـث أمـير الـمـؤمنيـن عـمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عـنه ـ يأمره أن يشخـص إلـيه ضـبة، أبلـغ أبـو مـوسى الأشـعـري ضـبة بـذلـك، فـلم يتـمـرد ولم يـتردد وإنـما ركـب راحـلته منـطـلـقا مـن البـصـرة إلى الـمـديـنة الـمنـورة اسـتجـابة لأمـر أمـير الـمـؤمنيـن عـمر بن الخـطاب ـ رضي الله الله عـنه.
وصل ضبة عـلى راحـلته بعـد رحـلة شـاقـة إلى الـمـدينة الـمـنـورة، وما إن وصلها حتى اتجـه إلى بـيـت أمـير الـمـؤمنين عـمـر بن الخـطـاب فـقـرع عـليه الـبـاب، وخـرج عـمـر بن الخـطاب وسـأله: مـن أنـت؟.
قال الـرجـل: أنا ضـبة بن مـحـصـن العـنـزي، فـقال له عـمـر: لا مـرحـباً ولا أهـلاً بـك، فـقال الـرجــل: أما مـرحـبا فـمـن الله، وأما الأهـل فـلا أهـل لي ولا مال بـمـدينـتكـم، ولكـن بما اسـتـحـقـقـت لـديـك اشـخاصي مـن مصـري يا عـمـر بـلا ذنـب أذنبـته ولا جـرم أتـيته.
قال عـمـر: ما الـذي شـجـر بيـنـك وبين عـاملي أبي مـوسى الأشـعـري؟ قال ضـبة آه: الآن أخـبرك إنـه كان إذا خـطـبـنا حـمد الله وأثـنى عـليه، ثـم يصلي عـلى النبي (صلى الله عـليه وسـلم) ثـم ذكـرك وأخـذ يـدعـو لـك، فـقـلـت له: وأين أنـت مـن صاحـبه تفـضله عـليه، فـكـتب إلـيـك يشـكـوني.
تـفـجــرت عـلى الـفــور دمـوع أمـير الـمـؤمـنـين عـمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عـنـه ـ تـلـقـائيا ، واحـتـوى ضـبة بـذراعـيه وأخـذ يـقـول لـه: أنـت والله أو فـق مـنه وأرشــد، أنـت والله أوفـق مـنه وأرشـد ، فـهــل أنـت غـافـر لي ذنبي غـفـر الله لـك.
قال ضـبة: غـفـر الله لك يا أمـير الـمـؤمنيـن، لـم يـتـوان عـمـر بن الخـطاب وإنما دعـا الصلاة جـامعـة: واجـتـمع الناس في المسجـد، فـصـعـد أمـير الـمـؤمنين عـمر بن الخـطاب المـنبر وخـطـبهـم قـائـلاً: ألا إن أقـواما يفـضـلـونـني عـلى أبي بكـر وأنا أخـبركـم عـني وعـن أبي بـكـر، ألا إن لـيـلـة لأبي بكـر ويـوما خــير مـن ابن الخـطـاب وآل الخـطـاب، ألا أخـبركـم بليلـته ويـومه؟ قالـوا : بلى يا أميـر الـمـؤمنيـن.
قال: أما لـيـلـته فـلـيلة هـاجـر رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم)، وتبعـه أبـو بكـر فـجـعـل مـرة يمشي أمامه ومـرة يمشي خـلـفه، وتارة يمشي عـن يـمـيـنه وأخـرى عـن يساره، فـقـال له رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم): ما هـذا يا أبا بكـر؟ ما أعـرف هـذا مـن فـعـلـك؟ فـقـال أبـو بكـر ـ رضي الله عـنه: يا رسـول الله إني أذكـر الـرصـد فـأكـون أمامـك وأذكـر الطـلـب فأكـون خـلفـك ، ومـرة عـن يميـنـك ومـرة عـن شـمالك لا آمـن عـليـك، ولـما وصلا غـار ثـور وأرادا أن يـدخـلاه قال أبـو بكـر: لا والــذي بعـثـك بالحـق لا تـدخـله حتى اسـتبـرأه لـك، فإن كان به شيء نـزل بي دونـك.
ودخـل أبـو بكـر ولما لم يجـد به شـيئا حـمـل الـرسـول، وجـاء الطـلب ووصـل الـمطـاردون إلى الـغـار، فجـعـلـت دمـوع أبي بكـر تـتحـدر عـلى خـديه، فـقال له الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم): يا أبا بكـر لا تحـزن إن الله مـعـنا ، فأنـزل الله السكينة والطـمأنينة عـلى أبي بكـر ، وذلـك إذ يقـول الله تبارك وتعـالى:(إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة ـ 40).
وأما يومه فـعـنـد ما تـوفي رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) وارتـدت العـرب فـقال بعـضهـم: نصلي ولا نـزكـي، فأتيـته لا آ لـوه نصحـا وقـلـت: يا خـلـيـفة رسـول الله تألـف الناس وأرفـق بهـم، فـقـال لي: أجـبار في الجـاهـلية، وخـوار في الإسـلام يا عـمـر؟، بما أتألـفهـم؟ لقـد قـبـض رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) وارتـفـع الــوحي، فـو الله لـو منعــوني عـقـالا كانـوا يـؤدونـه لـرسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) لقـاتـلـتهـم عـلـيه، ما اسـتمسك السـيـف بـيـدي، فـقـاتـلـناهـم والله عـلى ذلـك، فـكان والله رشـيـد الأمـر سـديـد الرأي ميمون النقـيـبة، فـلا أعـلـمـن أحـدا فـضـلـني عـلى أبي بكـر بعـد يـومـي هـذا إلا عـاقـبته.
تـوجـيه الإسـلام للإنـسان: إن الإسـلام يـريـد أن يـوجـه الإنسـان الـوجـهة المثـلى، لـيـكـون عـضـواً فـعـالاً لا عـضـواً قـولاً، يـعـتـز بـكيانه كـمشارك ومشـارك في نـفـس الـوقــت، أي الحـياة أخـذ وعـطـاء ، وأن يـكـون صـنيـعـه مـع غــيره صـنعـا حـسنا، وأن يعـامـل الآخـريـن كـما يـريـد أن يـعـامله الآخـرون.
وأن يـجـرد إحـسانه مـن الـمـن والأذى، حتى لا يبـطـل عـمله فـيعـود عـليه حـسـرة ونـدامـة، قال الله تعـالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (البقـرة ـ 264).
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى