الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / نفحة رمضانية مباركة (16)

نفحة رمضانية مباركة (16)

أيها الصائمون والصائمات: إن أطيب أوقات المناجاة أن يخلو المؤمن بربه والناس نيام،وقد سكن الكون كله، وأرخى الليل سدوله، وغابت نجومه،وخلا كل حبيب بحبيبه، فحينئذ تستحضر قلبك،وتناجي ربك، وتظهر ضعفك وفقرك وحاجتك، وتستحضر عظمة ربك وغناه وجوده ومنه وكرمه،،فتأنس بقربه،ويطمئن قلبك بذكره، وتفرح بفضله ورحمته، وتبكي من خشيته، وتشعر بقربه ومعيته،فتلح في الدعاء، وتتذلل في التضرع، وتجتهد في الاستغفار.
أخي المسلم: إن قيام الليل عبادة تصل القلب بالله عزوجل وتصفيه مما علق به من شهوات الدنيا وأكدارها وتجعله قادراً على مواجهة الفتن المضلة التي تعصف بالقلوب، فقلب معلق بالله وامتلأ بحب الله لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض .. قيام الليل فيه مجاهدة للنفس وحملها على طاعة الله،في وقت هدأت فيه الأصوات ونامت فيه العيون تقلب فيه النوام على الفراش، لكن قوام الليل يهبون من فرشهم الوثيرة وسررهم المريحة ليكابدوا الليل والتعب وهم مع ذلك في غاية السعادة واللذة،فلقاء المحبوب والأنس به أنساهم التعب والنصب فتلذذوا بقربه سبحانه .. لذا كان قيام الليل من مقاييس العزيمة الصادقة وسمات النفوس الكبيرة التي أثنى الله عز وجل على أصحابها في آيات كثيرة فقال تعالى:(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)، وقال تعالى:(تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وقال تعالى:(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ، كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُون، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)، وقال تعالى:(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ).
ومما يوضح لك أخي المسلم فضل قيام الليل وشرفه: أن الله عز وجل فرضه على أقرب الخلق منه وأحب خلقه إليه محمد (صلى الله عليه وسلم) حيث قال جل ذكره:(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا).
فأراد الله عز وجل أن يرفع قدر نبيه ويعلي ذكره في الدنيا والآخرة ففرض عليه قيام الليل قال تعالى:(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) والمقام المحمود هو الذي يحمده عليه جميع الخلائق وهي الشفاعة العظمى لأهل الموقف.فقام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأمر ربه على أكمل وجه، فكان يقوم حتى تتفطر قدماه الشريفتان (صلى الله عليه وسلم) وعندما يسأل عن ذلك يقول:(أفلا أكون عبداً شكوراً).
وأن قيام الليل أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ يَرْفَعُهُ، قَالَ: سُئِلَ: أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ؟ وَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ:(أَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، صِيَامُ شَهْرِ اللهِ الْمُحَرَّمِ). وأقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل، عَن عَمْرو بن عبسة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ).
وفي الليل ساعة إجابة يقبل الله فيها الدعاء وذلك كل ليلة، عَنْ جَابِر بن عبد الله قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ:(إِنَّ فِي اللَّيْلِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ).
والشرف كل الشرف في القيام بين يدي الله عز وجل، عن سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(أتاني جبريل، فقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت، فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس).
وقيام الليل سبيل الصالحين ودأب الأنبياء والمرسلين، قال (صلى الله عليه وسلم):(عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى الله تعالى ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد) (صحيح الجامع)، وعن بلال وعن أبي أمامة وعن أبي الدرداء وعن سلمان وعن جابر وعند مسلم من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(إِنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ، صِيَامُ دَاوُدَ، وَأَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ، صَلَاةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا).
وعلى قدر قيامك بالليل يكون وصفك عند الله، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّهُ قَالَ:(مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ) فاختر لنفسك اسماً عند ربك.
وأهل القيام هم أنضر الناس وجوهاً وأحسنهم سمتاً، قيل لِلْحسنِ: مَا بَال المتهجدين بِاللَّيْلِ من أحسن النَّاس وُجُوهًا؟ قَالَ: لأَنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره، قال بعض علماء الحديث: من طال قيامه بالليل حسن وجهه بالنهار، وكان محمد بن سيرين إذا دخل المسجد سَبّح الناس ربهم؛ لما على وجهه من النور، قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما: إن للطاعة نوراً في الوجه، ونوراً في القلب، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق.
والقيام قهر للشيطان وإحباط لمكر، في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ:(يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاَثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ) فلو أراد أحد منا أن يحصي كم عقدة لم تنحل طوال لياليه السابقة ما أظنه إلا سيحتاج إلى رقم كبير؛ لأن غالب العقد عندنا لا نحلها، بل يعقدها الشيطان ثلاثاً ونستيقظ وهي ثلاث.
وقيام الليل يهون على صاحبه طول قيام يوم القيامة، إن العبد إذا قام الليل، وصف قدميه لمولاه عابدا خاشعا سهل عليه يوم يقوم الناس لرب العالمين، ومن استراح هنا تعب هناك والجزاء من جنس العمل.
يقول ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما:(من أحب أن يهون الله عليه الوقوف يوم القيامة فليره الله في ظلمة الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه)، قال تعالى:(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ).
وقيام الليل من أنجع الدواء للقلوب، قال يحيى بن مُعاذ، وإبراهيم الخواص: دواءُ القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتفكر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرَّع عند السحر، ومجالسة الصالحين.
وشكا رجل إلى مالك بن دينار قسوة قلبه فقال له: أدمن الصيام – أي: داوم على الصيام – فإن وجدت قسوة فأطل القيام، فإن وجدت قسوة فأقل الطعام.
وترك قيام الليل معرة، في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُنْ بِمِثْلِ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ).

وقيام الليل سبب لدخول الجنة، قال تعالى:(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ، كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).
وقال تعالى:(تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَتَابَعَ الصِّيَامَ وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نيام).

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني

إلى الأعلى