الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (13)

مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (13)

تقدم بنا الحديث حول الاية المباركة من قوله تعالى:(وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) (فصلت ـ 41) (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت ـ 42)، وتكلمنا حول المعطيات المهمة التي تتناولها الآية المباركة.
وفي هذه الحلقة نود ان نشير إلى حقيقة مهمة وهي: اننا سنجد في السور والايات المباركة مجموعة من الصفات التي يتصف بها القران الكريم، وهذه الصفات التي وردت في حق القران الكريم ليست اعتبارية بحيث تقبل الانسلاخ عن كينونة القران وشخصيته، بل هي صفات حقيقية ثابتة له، وملازمة له تلازماً ذاتياً، لا يقبل هذا التلازم الانفكاك عنه ابدا، ومن الطبيعي ان يكون هذا الكتب العزيز بهذه الكيفية لانه بكل بساطة هو: كتاب الله تبارك وتعالى.
ومع الرجوع الى القرآن الكريم سنجد مجموعة كبيرة من الآيات القرانية التي فيها وصف القرآن الكريم، ولنذكرها باجمال إن شاء الله تعالى، مع العلم ان كل منها يشكل مفتاحاً لفهم القرآن الكريم ولفهم معارفه ومفاهيمه ومواضيعه، فمن المواصفات التي وصف القرآن الكريم به هي:
أولا: ان القرآن الكريم نور، قال تعالى:(فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (التغابن ـ 8).
ولنقف بعون الله تعالى ولو اجمالاً ومختصراً عند الوصف النوري الذي وُصف القرآن الكريم به.
إن النور كما نعلمه يُلحظ عادة بلحاظ الامر المادي، فهو عبارة عن ضوء يستعمله الإنسان في حال ما اذا صادفته ظلمة وظلام.
ونلاحظ في الضوء المادي انه اذا ما اضئ ينير درب من اضائه ودرب جميع من معه، فالنور المادي مضئ لي ولغيري ايضا، وهذه الخصوصية لا يمكن سلبها عن هذا النور المادي.
والقرآن الكريم لما ان يُصف بالنورية فانه يشترك مع الضوء المادي والنور المادي في جزئية ويخالفه في جزئية اُخرى.
فأما التي يشاركه فيها فهي انه مضئ ايضاً، ولكن الجزئية المخالفة له مع الضوء المادي هي: انه لا ينير درب جميع من ينظر اليه، بل ان نوريته مختصة لمن يتبع تعالميه، وياخذ بارشاداته، فان هذا النور الالهي يكون فاعلا لمن يجعل ساحة قلبه بيد القرآن الكريم، ويضع عقله في عقل القرآن الكريم، ويناغم روحه روح القرآن الكريم، حينها سينير القرآن الكريم درب من التزم به فقط.
وتتجلى نورية نور القرآن في عدة من الجوانب الحيوية في حياة الإنسان والتي منها: أولاً ـ نورية القرآن الكريم في كشافه لعيوب الإنسان: فالقرآن الكريم يكشف للانسان المتفاعل مع اياته وسورة ومفرداته ومفاهيمه علماً وعملاً يكشف له عيوبه التي فيه، ويضع يديه على اخطائه، وإراءة الخطاء والعيوب امر مهم جداً في حياة الإنسان، فإن كثيراً من الناس لا يستطيع ان يفتح باب عيوبه لانه لا يعرف كيف يفتح، ولا يعرف اين يفتح، ولا يعرف ماذا يفتح بالتحديد، لانه لا يعلم عيبه بالتحديد، واما اذا التزم الانسان بالقرآن الكريم، واخذ بهديه فانه يفتح له ساحة نفسه وعقله وقلبه، فكأنه يسلط الضوء على مواضع الخلل التي فيه، وتسليط القرآن الكريم الضوء على معالم الخلل لن يكن الا دقيقاً وصحيحاً ومباشراً، وهذا يوفر على الانسان ان يكون فارّاً للتجارب المخبرية لاكتشاف عيبه النفسي او العقلي او القلبي.
ثانياً ـ نورية القرآن الكريم في تبيين معالم طريق الانسان: ان ما يجد الإنسان في حياته من الطرق والتوجهات والافكار لكثيرة جداً، ويصل بعضها الى حد التناقض التام، الا ان القرآن الكريم يساعد الانسان في إراءته للطريق وإراءة معالمه بشرط التزام الإنسان بهديه وإرشاداته واوامره نواهيه، حينها سيسلط القرآن الكريم اشعاع نوره على عقله من جهة، وعلى قلبه من جهة اخرى، وعلى نفسه من جهة ثالثة، وبهذا الإشعاع النوري المسلط على قلب المسترشد بارشادات القرآن، والمستهدي بهدي القرآن سيرى معالم الطرق التي تحيط به في حياته، وسينظر بعين صحيحة الى كل الاتجاهات، وحينها سيكتشف ما هو الطريق الموافق للقران الكريم وما هو الطريق المخالف له.
ان القرآن الكريم ذكر انه نازل من عند الله تعالى، وهذا يعني ان ما في القرآن الكريم من النورية يحمل اضاءاة توحيدية، اضاءات معارف عالم التوحيد، وبناء على هذه الضاءات يرى الإنسان العالم وما فيه من الافكار والاتجاهات، وهذا من مقتضيات مبدأ السنخية بين الفاعل وفعله.
وهناك آيات قرانية اخرى والتي سياتي ذكره في سياق البحث فيمكنها ان تكون مستقله في بيان وصف القرآن الكريم، ويمكنها في الوقت نفسه ان تكون مصداقاً لوصوف النورية للقرآن الكريم وتجلياً من تجليات هذا النور المبارك.
والان لنقف عند وصف آخر من اوصاف القرآن الكريم بحيث يعد مفتاحاً من مفاتيح فهمه وهو: ان القرآن الكريم هادٍ، وان هدايته هداية متميزة، قال تعالى:(ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) (البقرة ـ 2).
بل وتؤكد الآيات القرآنية بأن هداية هذا الكتاب العزيز ليست هداية يقع في عرضها هدايات اخرى، بل هي هداية ذات قمة الهرم، فان هناك ما يهدي الى طريق قويم، وبين ما يهدي الى ما هو اقوم، قال تعالى:(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (الإسراء ـ 9).
وطبيعة الإنسان انه يميل الى الافضل، ويختار الافضل، ويختار الاكمال، وهنا نجد القران الكريم في موقع الهداية الى ما هو اقوم، فما معنى كلمة (الاقوم)، فهذا ما سيجيبنا عليه المفسرون، فقد قال مقاتل بن سليمان في تفسيره (2 ـ 251):(الاقوم) يعني: الأصوب، وقال العلامة الواحدي في تفسيره (2 ـ 629): يرشد إلى الحالة التي هي أعدل واصوب، وتكاد كلمة المفسرين تتفق على هذا الرأي، ومع ملاحظة كلمة (الاقوم) سواء اكانت ناظرة الى الكلمة او الى الحال، ففي كلا اللحاظين يكون القرآن الكريم هادياً لما هو في اعلى قمة هرم الفضيلة والكمال، بحيث لا يوجد هناك ما هو افضل واكمل واقوم مما يدعو اليه القرآن الكريم.
وهذه الصيغة وهي الأفضل تفضيل لا تحتمل في مصاديقها سوى الأوحدية والواحدية، ولا يمكن ان تكون للشركة معها مجالاً، لان ذلك سيكون خلفاً لما عليه دلالة الافضل تفضيل، فلو افترضنا وجود شركة لانتفت الاقومية، ولانتفت الاوحدية، والحق ان القرآن الكريم يضع نفسه في مقام لا يدانيه مقام، ولا يمكن لاي فكر او سلوك او نظرية او مدرسة ان تقف في صفه وتدعي انها هي ايضا الافضل، فان القرآن الكريم مستعد لاثبات مدعاة بالادلة البديهية العقلية على انه هو الوحيد الذي يملك مقومات الاقومية لا غيره.
ولذا فان من يجعل تعاليم القرآن الكريم نصب عينيه، ويترجمها في سلوكه فانه يكون قد اخذ باسباب الارتقاء الى الافضلية والى الاقومية.
وللموضوع تتمة.

هلال اللواتي

إلى الأعلى