الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مقدمة عن القرآن المكي والقرآن المدني (1)

مقدمة عن القرآن المكي والقرآن المدني (1)

عزيزي القاريْ: لم يقتصر نزول الوحي على مكانٍ واحدٍ دون غيره وعلى زمانٍ واحدٍ دون غيره وعلى حالٍ واحدٍ دون غيره .. فقد نزل في مكة والمدينة وفي الجحفة وفي غير ذلك نزل في الحضر والسفر نزل في الصيف والشتاء نزل في الليل والنهار نزل قبل الهجرة وبعدها, نزل في السهل والجبل نزل والنبي (صلى الله عليه وسلم) منفرداً كما نزل عليه وهو مع أناس, نزل في بيته وفي مسجده أو دار غيره نزل في السلم وفي الحرب, وذلك حسب اقتضاء الأحوال, وفيه دليل على إعجاز القرآن بانعتاقه من قيود الزمان والمكان وذلك لأنه مؤسس ليتسع كل زمان ومكان إلى يوم القيامة فيكون صالحاً صلاحية مطلقة لأنه من لدن ذا العلم المطلق والحق المطلق الثابت والعدل المطلق والفضل المطلق, فباختلاف أوقات وأماكن النزول يكون تنوع أحكامه مما يؤدي إلى صلاحيتها في ظروفها المتغيرة.
لقد كانت الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة تحولاً هاماً في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) وصحابته بل في تأريخ الاسلام والمسلمين قاطبة حيث كانت بداية نشوء أول دولة اسلامية ذات سيادة مفروضة احتاجت إلى أحكام شرعية دولية تنظم علاقاتها مع غيرها من المجتمعات أو من أصحاب الملل الكافرة من المشركين وأهل الكتاب والمنافقين, كما أحتاجت إلى أحكام شرعية تنظم علاقات المسلمين مع بعضهم بعض وعلاقات المسلم مع ربه ومع نبيه الكريم, وحينما تفرغ المسلمون بعد خلاصهم من اضطهاد مشركي أهل مكة الجبابرة تفرغوا إلى نفوسهم وإلى الحرية في عبادتهم ربهم بحق والقيام بأحكام دينهم بلا إعاقة ولا قيود, أما اليهود فكانوا أقلية في المجتمع المدني ضعفاء وليس لهم حيلة سوى إثارة الفتن بين الأوس والخزرج ـ أو بين المسلمين ـ وإثارة المشركين والمنافقين على المسلمين لذلك كان خطرهم أقل من خطر اهل مكة لأن لم يكونوا باستطاعتهم حرب النبي والمسلمين ولأن أساليبهم تلك كانت منكشفة أمام المسلمين وكانت هناك عهود ودستور واضح عقده النبي (صلى الله عليه وسلم) معهم, لذلك كانت حادثة الهجرة فصلاً بين مرحلتين متعاقبتين للإسلام والنبي والمسلمين هما مرحلة مكة ومرحلة المدينة.
وأمام ذلك كله استدعى الحال إلى أن يتميز القرآن المدني عن القرآن المكي بسمات كل واحد منهما وهو من البلاغة بمكان حيث رُوعِي في أسلوب القرآن مقتضى ومستدعى المقام والحال, لذلك كان من الضروري أن ينقسم القرآن إلى مكي ومدني.
لم يقسِّم الرسول (صلى الله عليه وسلم) القرآن إلى مكي ومدني لأن الصحابة كانوا يشاهدون تنزلات الوحي زماناً ومكاناَ فيعرفون بالبديهة إن هذا نزل بمكة وهذا نزل بالمدينة والمعاينة أكبر دليل فلذلك لم يحتاجوا إلى بيان النبي لهم بذلك.
لقد كان أهم موضوع القرآن المكي هو العقيدة بينما أهمه في القرآن المدني هو الشريعة ولا بد أن القرآن المدني معتمد على المكي لأن العقيدة بمثابة البذرة التي تنشأ بتربية الله لها لتعطي الشجرة الطيبة التي هي تمثل الشريعة أو بمثابة الجذر التي تحمل السيقان والأغصان والأوراق والثمار التي تمثل الشريعة الغراء هنا, فالشريعة تستلزم العقيدة حيث هي القاعدة والأرضية لها والشريعة هو الأركان والبناء, كما أن العقيدة بلا شريعة ولا عمل تكون كالشجرة الغير مثمرة فلا فائدة فيها وكالقاعدة بلا أركان ولا سقف ولا جدران وطالما ما يوصف الله ـ جلّ جلاله ـ عباده الأوفياء بقوله:(الذين آمنوا وعملوا الصالحات).
وفي المصاحف المتداولة فإن جميع السور مذكور بأنها مكية أو مدنية قبل البسملة.
وبعد عصر الصحابة والتابعين رأى بعض العلماء إلى تقسيم المصحف إلى ثلاثين جزءاً حيث أن الشهر أو أربعين يوم هو أقصر مدة ينبغي للمسلم أن يختم فيها القرآن فقسموا لكل يوم جزءاً فكان المجموع ثلاثين جزءاً متساوياً, ولإعانة القاريء الكريم على معرفة الآيات التي وقف عليها قسّموا الجزء الواحد إلى حزبين وقسّموا الحزب الواحد ألى أربعة أقسام فكان عدد الأحزاب في القرآن ستين حزباً, لقد استحسنت الأمة هذا الصنيع لما به من فوائد جمة دون أن يخل بالقرآن وغايته فكان بدعة حسنة بإذن الله تعالى.

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى