السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / نحو حضور أقوى للقيم بالمؤسسات

نحو حضور أقوى للقيم بالمؤسسات

**
تؤدي القيم دورا محوريا في تشكيل ثقافة المؤسسة وجودة ممارسة العاملين بها والمستفيدين منها، فهي تعبير عن الثقافة السائدة بها ومناخ العمل ومستويات الالتزام التي توجه سير المؤسسة ونمط عملها، وتعكس السلوك الاداري والخصوصية التي تتميز بها عن غيرها، لذلك تدرك المؤسسات الساعية لتحقيق الجودة والتنافسية، أن كسب ثقة الجمهور واستدامة حضورها في مجتمع التنمية، يرتبط بما تمتلكه من قيم ومبادئ حضارية نافذة تضمن لها التقدير، ولنشاطها الجودة والمنافسة، إذ ترتكز عليها كقيمة مضافة في عملية الترويج لمنتجاتها وبرامجها واستثماراتها، أو في تعاطيها مع طبيعة عملها لبناء رؤيتها التطويرية ورسالتها وغاياتها واهدافها، تحقيقا لمسؤوليتها الاجتماعية ودورها في التنمية المستدامة، لذلك تضع جملة من المعايير في منتسبيها، فبجانب امتلاكهم المهارات والكفايات النوعية، تشترط حضورا موازيا للقيم والأخلاقيات والمبادئ في سجل ممارساتهم اليومية وطريقة تعاملهممع المستفيدين،كالأمانة والصدق والموضوعية والاحترام والدافعية للإنجاز وحب المبادرة والتطوير والإيجابية، والاتزان الخلقي، وحسن التصرف في المواقف، والشفافية وغيرها من القيم والمبادئ المساندة لهم في توظيف مهاراتهم والاستفادة من خبراتهم بما يعكس مستويات عالية من الانتماء للمؤسسة والدفاع عنمبادئها، هذه القيم والمبادئ لم تعد اليوم مطلوبة كممارسة شخصية من موظف فقط، بل هي سلوك مؤسسي مستدام لقياس مستوى الالتزام الأخلاقي والإداري والاجتماعي والتنظيمي والتزام أخلاقيات المنتج ومواصفاته، وبالتالي تعكس القيم في سلوكها التنظيمي من حيث تعميق الحوار في بنية العمل المؤسسي وهيكليته الادارية والمالية والرقابية، وجودة التدريب وتنوع برامج التوعية والتثقيف، والحضور المستمر لقيم المرونة والشفافية في أجندة العمل، والانسيابية في المعلومات وتقليل الازدواجية في العمل، والثقة في الموظف واحترام الانجاز النوعي، والشراكة في اتخاذ القرار المؤسسي، ومستوى التكاملية في الادوار وتقاسم المسؤوليات، إذ هي تعبير عن وجود ثقافة مؤسسية تحمل في ذاتها أساس نجاحها، ومنطلق استدامتها، ومنهج عملها القادر على إدارة الواقع المؤسسي بكل معطياته وتحدياته مع الابتكارية فيه، والاعتبارية لإنسانية الإنسان وقراءة احتياجاته وفهم مشاعره وتلبية توقعاته بطريقة تفوق ما يطمح إليه،في ظل وجود ثقافة عمل مؤسسي مفهومة من الجميع، توفر فرص أكبر لتحقيق التكامل بين دوائرها واختصاصاتها، بالاستفادة من الكفاءات الوطنية، وتوظيف الخبرات المؤسسية، وتعزيز الانسجام والتواصل بين مختلف المستويات الادارية بالمؤسسة، والتعامل بمهنية مع حالات السلبية والاحباط وردّات الفعل، وإدراك للخصوصية وإدارة المشاعر وتعميق ثقافة الانتاجية وبناء معايير الأداء والمحاسبية المضبوطة.
إنّ تعميق دور القيم في منظومة الأداء المؤسسي يستدعي البحث في مستوى توفر أدوات تطبيق القيم ورصدها وعلاقتها بسلوك المؤسسة وانتاجية الموظف، والمساحة المتاحة في المؤسسات لممارسة القيم، وحضورها المستمر في التشريعات ولوائح العمل والبرامج بالشكل الذي يضمن لها فرص النمو والترقي في ذات الموظف والمؤسسة، والمتابعة والرصد لأي انحرافات قد تؤدي إلى سلب القيم حق تواجدها الفعلي المؤثر في سلوك المؤسسة ونمط عملها، وبالتالي تفعيل البنية الاعلامية والتوعوية المؤصلة للقيم في سلوك العاملين، سواء من حيث تنوعوسائل التوعية وبرامج التوجيه والرعاية والتثقيف الداخلي، وتفعيل دور دوائر الاعلام والموارد البشرية ورعاية الموظفين في تمهين القيم وتأطيرها، أو من خلال الشراكات مع المؤسسات والأفراد عبر البرامج التدريبية المعززةللإيجابية وتغيير القناعات وترسيخ ثقافة العمل المسؤول، منطلقة في ذلك من قيم الإسلام ومبادئه السمحة المؤكدة لأخلاقيات العمل والأمانة والاخلاص والاتقان والصدق واحترام المسؤوليات، وتناولها بطريقة تضمن لها التأثير والاحتواء لسلوك العاملين، ولعل ما نعيشه من نفحات شهر رمضان المبارك، فرصة لصياغة أنموذج لبناء منظومة قيم المؤسسة، يسهم في تمكين صناعة القدوات، وتعزيز تواجد النماذج الايجابية المضيئة،والصور المشرقة وإبرازها في مجتمع المؤسسة.
وعود على بدء، فإن ما تُظهره مؤشرات الواقع من ممارسات تتجافى وسلوك القيم، تؤكد الحاجةإلى أن تتجه الجهود نحو مأسسة هذه القيم والمبادئ في استراتيجيات المؤسسة ونطاق عملها، وإيجاد دوائر بالمؤسسات تعمل على مراقبة نمو هذه القيم ونشاطها، وقياس مستوى التأثير الذي تحدثه في سلوك الموظفين، وفق سياسات وأطروآليات وبرامج ونماذج عمل مقننة وخطط تشغيلية واستراتيجية مستدامة،وتوظيف شبكات التواصل الاجتماعي والقنوات الاعلامية وغيرها في تعميق حضورها في حياة المؤسسة والعاملين بها، بشكل أكثر استدامة وأقوى أثرا يستهدف ترقية الرأسمال الاجتماعي البشري عبر توفير مستويات الدعم والمساندة له، التي تقرأ القيم في إنسانيتها وذائقتها الجمالية ورقيها الروحي وسموها الفكري وتفاعلها مع طبيعة التحول في أهداف المؤسسة وغاياتها.إن القيم بذلك إضافة قيمة نوعية لحياة الإنسان والمؤسسة، يظهر رصيدها على سلوك المؤسسة، ويبرزها في ثوب التقييم والمنافسة.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى